|
المقاومة العراقية سند للانتفاضة الفلسطينية
باحتلال أمريكا وبريطانيا للعراق، وعدوانهما عليه، في
ظل تخاذل وتآمر عربي رسمي، وسقف محدود للحركة الشعبية العربية المناهضة
لهذا العدوان، تكون إزاء أكثر من 30 مليون عربي يخضعون لاحتلال عسكري
وسياسي أجنبي، له أهدافه الواحدة والمتضامنة.
وإذا شرعت الأمم المتحدة واقعا قيام الكيان الصهيوني
على أرض فلسطين، رغم كل اشتراطاتها عليها بقبول القرار 194، القاضي بعودة
اللاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها، ولم تشرع حتى الآن احتلال الضفة
الغربية وقطاع غزة والقدس، فهي الآن تشرع الاحتلال الانجلو أمريكي لأرض
الرافدين، ولا تحدد هذه الهيئة سقفا لهذا الاحتلال، فيما تعطيه صلاحيات
دولة، بعد أن قامت سلطة الاحتلال بتفكيك الدولة العراقية. وتشكيل مجلس
للحكم حكمته الجهوية والطائفية، مع وجود فيتو احتلالي على قراراته، وربط
الانتهاء من اعداد الدستور بانسحاب القوات المحتلة وليس الوجود غير المباشر
للاحتلال.
والسمة المشتركة للاحتلالين هي الكولونيالية، فإذا كانت
الكولونيالية الصهيونية المدعومة أصلا من الغرب الاستعماري تقوم على
السيطرة على الأرض ومواردها واستجلاب المهاجرين، والتحويل الديمغرافي
للبلاد، فإن كولونيالية بريطانيا وأمريكا في العراق تقوم على السيطرة على
موارد النفط، والموقع الاستراتيجي للعراق، حيث تحشر إيران بين فكي الكماشة
من ناحية أفغانستان ومن ناحية العراق، وحيث تصبح سوريا بين فكي الكماشة
الإسرائيلية والأمريكية. هذا إضافة لإبعاد استراتيجية أخرى تتعلق بكسر أي
محاولة للنهوض العربي، وحماية الكيان الصهيوني، الذي فعل تراكم انتقاضات
الشعب الفلسطيني فعله الذي لا زال غير مرئيا في أسس الفكرة الصهيونية.
ومن الطبيعي وأمام وضوح الأهداف الأمريكية بعد تكشف
أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، وبعد سقوط النظام، أن يكون للفعل الانجلو
أمريكي رد فعل عراقي إزاء كل احتلال، وما التخرصات والادعاءات الأمريكية
حول دور بقايا النظام القديم في المقاومة، إلا محاولة لامتصاص الضغط
الداخلي الذي بدأت تظهره الاستطلاعات والتي تشير إلى تدني شعبية بوش وإلى
تراجع التأييد لسياسته التي أدت إلى غزو العراق. كما ان التململ وحالة
الرفض الواسعة لمجلس الحكم وعملية تشكيله، والمظاهرات التي عمت البصرة،
والمقاومة التي تنتشر في وسط العراق وتمتد جنوبا، يشير بشكل واضح الى
استعادة العراقيين للصحوة واستعدادهم العالي للمقاومة رغم كل الحروب
المتلاحقة التي عاشها هذا الشعب.
هنا يجب أن لا ننظر إلى شعب العراق الأشم، وكأنه مجرد
قطيع، أو متسول من أمريكا، كما تظهره وسائل الإعلام أو أظهرته عشية سقوط
بغداد، بل إن النظرة الحقيقية بينها الاستطلاع الذي أجري في العراق، ليؤكد
أن الغالبية العظمى ترفض الاحتلال الأمريكي، وأن هناك نسبة كبيرة مستعدة
لمقاومته، وأن المقاومة لا يملكها أمراء السياسة الذين عاشوا في نعيم
اللجوء السياسي، بل إنها انبثقت شعبيا، وكانت بوادرها الأولى في دعوات
أطلقها مثقفون عراقيون، أدت إلى اعتقال اصحاب الدعوة، كما أن الإعلانات
التي صدرت عن العمليات العسكرية للمقاومة العراقية تثبت أن هناك أكثر من
جهة مبادرة لمثل هذه العمليات، وإن المبادرات تتسع لأكثر من جهة في ذلك.
صحيح أنه من المبكر الحكم على درجة تنظيم هذه المقاومة، إلا أن البوادر
الأولى تشير إلى أن ما يجري في العراق، هو مقاومة ضد الاحتلال باعتباره
امتهانا للكرامة الوطنية العراقية، وباعتباره عدوانا على الشعب والأرض،
وباعتباره أيضا يحمل أهدافه الخاصة غير المعلنة، والتي تتناقض كليا مع
مصالح الشعب العراقي.
في فلسطين تتحرك المقاومة على أرضية صلبة ضد الاستيطان
وضد وجود كافة المظاهر والنتائج الاحتلالية، والشعب مجمع على هذه المقاومة.
والمقاومة في فلسطين لها جذورها الممتدة تاريخيا، ولها أيضا قواها المنظمة،
رغم كل الشح في الامكانات، وصعوبة الوصول إلى كمية السلاح المتواجدة في
العراق، إلا أن المقاومة تجترح معجزات هنا في فلسطين وتشكل إرباكا للاحتلال
وتقض مضاجعه، وتسهم في تراجع نموه الاقتصادي.
وحتى الآن ليست هناك صلة عملية بين مقاومة الشعب
الفلسطيني، ومقاومة الشعب العراقي، باعتبارهما حالتان متقدمتان في مواجهة
المشروع الأمريكي للمنطقة العربية، حتى الآن لا تنسيق ولا لقاءات، بفعل
حداثة التجربة العراقية، وسريتها العالية، لكن تقدم المقاومة العراقية
واتساع رقعتها لتشمل العراق كله، سيؤدي في النهاية لبناء قوة منظمة لها
بعدها الجماهيري، والذي سيفرض لقاءا فلسطينيا عراقيا، يسند بعضه بعضا، على
قاعدة التحرر من الاحتلالين، وبناء مثل هذا التحالف المقاوم بين العراق
وفلسطين، سيؤدي إلى إعادة إنعاش الحركة الشعبية العربية المقاومة للمشروع
الأمريكي.
إن هبوط سقف الحركة الشعبية العربي في مواجهة المشروع
الأمريكي – الصهيوني في المنطقة العربية، يعود أصلا لاكتفاء هذه الحركة
بالسقوف التي يمنحها النظام من جهة، أو بالاتجاه نحو العمل النخبوي، عسكريا
كان أم سياسيا فيما تهمش الجماهير وعملية تنظيمها في أطر وأحزاب تتجاوز
أنماط العمل السائدة، هذا لا يرفعه إلى مشروع تآلف بين المقاومة الفلسطينية
والعراقية متحالفة مع القوى المقاومة في الجنوب اللبناني.
هذا التحالف، سيؤثر في بناء حركة شعبية عربية مقاومة
عنوانها العراق وفلسطين وهذه الحركة بفعلها النشط، ستؤدي في النهاية إلى
إرباك المشروع الأمريكي في المنطقة، وإلى دفع الرأي العام الأمريكي للضغط
على الإدارة الأمريكية لتغيير سياستها.
|