من صميم دعم الصمود الوطني
العدالة في توزيع المساعدات..وضع آليات وسياسات..أحقية من يستحقها.. لجنة إشراف عليا

لا تنحصر الانتقادات الموجهة حول آليات توزيع المساعدات الفردية ومصادرها والسياسة والمعايير التي تنتهجها المؤسسات والجمعيات وبعض الوزارات الفلسطينية في رأي نخبة محددة في المجتمع الفلسطيني دون سواها، بل تشمل أيضا المواطن العادي والمسحوق الذي يرهن تسديد بعض احتياجات أسرته الأساسية لكوبون أو لطرد غذائي من هنا وهناك.

الكوبون أو الطرد الغذائي أو الحقيبة المدرسية لا تحل مشكلة الفقر في الأراضي الفلسطينية خاصة وأن 60%من أبناء الشعب الفلسطيني يعيشون دون خط الفقر، في ظل استمرار فرض سياسة التجويع الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية من ناحية، وغياب سياسات تنموية وتطويرية على المستوى الوطني من ناحية أخرى.

ولعل أبرز الإشكاليات المتعلقة بالمساعدات والإغاثة للشعب الفلسطيني، لا تقتصر في عدم كفاية التمويل الخارجي ومصادره فقط، بل وأيضا نتيجة لغياب لجنة فلسطينية عليا ترسم سياسات واضحة حول المساعدات وآليات توزيعها، وتحدد مصادرها الخارجية وحجمها، وتعمل على تطويرها بما يخدم المواطن/ة الفلسطيني الذي طحنته قسوة الاحتلال ولاحقت ليس أرضه فحسب بل ولقمة العيش.

أن ضمان عدالة توزيع المساعدات، وأحقية من يحصل عليها من الأسر الفلسطينية، ووضع آليات عامة حولها، إلى جانب وجود تنسيق أو لجنة عليا تشرف على المساعدات من ألفها إلى يائها لهو من صميم دعم الصمود الوطني.

تشكيل لجنة وطنية عليا
اعتبر غالب عطيوي عضو الهيئة الإدارية في اتحاد عام نقابات عمال فلسطين أن الطريقة الصحيحة لتوزيع المساعدات على القطاع العمالي تتمثل في انتخاب العمال المنتسبين إلى النقابة في قرية أو حي معين لجنة عمالية من خمسة إلى سبعة أعضاء، ومن بين مهامهم تكون رفع قوائم للعمال العاطلين عن العمل لتقديم المساعدات لهم، وذلك من خلال تعبئة نموذج استمارة يتضمن معايير وأسس محددة، توضح الوضع الاقتصادي والاجتماعي لمقدم طلب المساعدة.

لكن ما هو معمول به حاليا في مجال توزيع المساعدات كما أوضح عطيوي تسبب بأخطاء ومشاكل كثيرة، نتيجة الاعتماد فقط على ما تقدمه اللجان العمالية المعينة من المواقع المختلفة والتي يتم تشكيلها غالبا على أسس عائلية كما في الكثير من المواقع، حول العمال العاطلين عن العمل.

ودعا عطيوي إلى اعتماد أساليب متطورة في عمليات المسح الاجتماعي للعاطلين عن العمل منها الباحثين اجتماعيين، وتعبئة الاستمارات وتوزيعها في الأماكن العامة، لكي يضمن توزيع المساعدات وفق الأحقية، وليس على أساس توزيع نظام الحصص العشائري والسياسي كما معمول به.

لكن يبدو أن اللجان العمالية في المواقع المختلفة سواء في المدن أو الريف أو المخيمات تعتمد طرق مختلفة في توزيع المساعدات وحجمها، فمنها من يعتمد على الجانب العشائري من خلال نظام الحصص لكل عائلة، وهذا يكون على حساب الأسر المحتاجة مما يحرمها.

وعلق عطيوي على ذلك بقوله: الاتحاد يحبذ أن يتم اعتماد طرق أكثر تطورا لتوزيع المساعدات بناءً على الأحقية لهذا العامل أو غيره، مع مراعاة وإرضاء الألوان السياسية والعائلية، لكن لا أن تكون القاعدة. وأضاف: إن أهم المشاكل التي تواجه الاتحاد في مجال المساعدات تتمثل في توجه الكثير من العائلات الفقيرة إلينا، وكأننا تحولنا إلى شؤون اجتماعية، في ظل جفاف مصادر التمويل المقدمة للاتحاد والمخصصة لتقديم المساعدات العينية والمالية.

ودعا إلى تشكيل لجنة عليا للمساعدات تضع سياسة عامة لآليات التوزيع لضمان عدالة التوزيع على المستحقين، مشيرا إلى المحاولة الفاشلة التي جرت من قبل لتشكيل لجنة عامة تضم المؤسسات والسلطة والاتحادات.

ويبدو أن طرق توزيع المساعدات لا تقتصر على آليات غير مناسبة كما أشرنا سالفا، بل قد تسللت إليها المحسوبية والواسطة من خلال رفع قوائم على أسس سياسية أو صلات قرابة ومنافع شخصية.

ولعل في الاحتجاج الذي قدمه ممثلو الاتحاد لوزارة المالية الفلسطينية جراء توزيع الأخيرة مساعدات على عمال رفعت أسماءهم من خلال المحسوبيات والواسطات الى الوزارة ودون تنسيق مع الاتحاد ما يعزز ذلك، حيث التقوا بالدكتور عاطف علاونة وكيل الوزارة وأكدوا له أن الاتحاد هو العنوان الوحيد فيما يتعلق بالمساعدات المقدمة للعمال، كي يتم تجاوز تعددية وازدواجية العناوين.

وأشار عطيوي أن الاتحاد لا يتلقى مساعدات خارجية لدعم العمال، إلا ما ندر، حيث وزع الاتحاد 13 ألف طرد غذائي في محافظة رام الله والبيرة في أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003.إضافة إلى توقيع اتفاقية مع وزارة الصحة الفلسطينية لتوفير تأمين صحي للعمال تحت شعار" انتفاضة الأقصى" وذلك لدعم طبقة العمال التي تعاني الويلات من سياسة الحصار والإغلاق الإسرائيلي في ظل أيضا عدم وجود فرص عمل في سوق العمل الفلسطيني.

"نظام الكفالة" هل يحل المشكلة
أكد عقل ربيع –عضو لجنة الزكاة في وزارة الأوقاف الفلسطينية- أن اللجنة لا تتلقى مساعدات خارجية للأسر المحتاجة والفقيرة، كغيرها من المؤسسات والمنظمات الأخرى، بقدر ما تعتمد على الموارد المحلية التي تشكل مصدر المساعدات التي توزعها على الأسر المعدمة.

هذا وتقدم لجنة الزكاة المساعدات العينية والمالية لفئات محددة مثل اليتامى والمحتاجين والأرامل، من خلال صرف مخصصات ثابتة للأسر المعدمة تتراوح ما بين مائة إلى مائتي شيقل فقط. وقال: أننا ندرك أن حجم المساعدة التي نقدمها لا تحل مشكلة هؤلاء الأسر، لكن نعمل وفق إمكانياتنا المتوفرة.

تعتمد لجنة الزكاة كما أوضح ربيع على مصادر محلية لتقديم المساعدات العينية والمالية من خلال نظام الكفالة، حيث تقوم الأسرة المعدمة بتقديم طلب، وبدورنا نبحث عن كفيل للأسر لتغطية بعض احتياجاتها الأساسية وفق ما يعرف ب"نظام الكفالة".

وأضاف في حال توزيع مساعدات في المناسبات الدينية مثل الأعياد، نقوم بالتنسيق مع المجالس القروية لتحديد من يستحق تلك المساعدات، كونهم مطلعين بصورة صحيحة على أوضاع المواطنين في قراهم، فهم أقدر منا على تحديد الأسر المحتاجة ومن يستحق العون والمساعدة.

يذكر أن لجنة الزكاة تصرف مخصصات ثابتة ل 2600يتيما و600أسرة محتاجة في محافظة رام الله والبيرة، حيث تصرف مبلغ يتراوح ما بين 100-200شيقل إلى اليتم، فيما تصرف مبلغ يتراوح ما بين 150-350 إلى الأسر المحتاجة.

إن اعتماد آليات توزيع المساعدات على الأسر التي تستحقها من خلال التنسيق مع المجالس القروية أو لجان وجهات معينة في القرى والأحياء والمخيمات، لا تعد كافية، حيث لا بد من تطوير آليات واضحة بهذا الشأن.

فمن جانبه أوضح سندس عقل-وزارة الشؤون الاجتماعية- أن الوزارة تقدم مساعدات للأسر الفقيرة بواسطة كوبونات خاصة توزع عليهم، ويتضمن الكوبون الاحتياجات الأساسية من المواد الغذائية التي يمكن الحصول عليها من بقالات ومحال تجارية محددة.

وعن نظام توزيع المساعدات التي تقدمها الوزارة قال: أننا ننسق مع المجالس القروية والبلدية الذين هم بدورهم يرفعون لنا قوائم مسجلة بأسماء العائلات المحتاجة للمساعدات، ولا نتبع نظام تعبئة الاستمارة، حيث أن المجالس القروية مطلعة على الأوضاع المعيشية للأسر في قراهم، ولكل مجلس طريقته في التوزيع.

وأضاف أننا نعمل من جانبنا على التدقيق في القوائم المقدمة لنا والتأكد من أوضاع تلك الأسر المعيشية، حيث أن المتابعة الميدانية غير متوفرة في الوقت الراهن بسبب ظروف الحصار والإغلاق التي تحول دون إشرافنا ومراقبتنا الميدانية.

وقد تسببت آليات التوزيع هذه بالكثير من الشكاوي والتذمرات لدى الكثير من الأسر المحتاجة الذين توجهوا للوزارة بالنقد واللوم حول آليات التوزيع وحجم المساعدات التي تصلهم. وردا على ذلك أوضح عقل أن صعوبة إشراف الوزارة على التوزيع مباشرة قد دفع بالكثير من العائلات للتذمر ولومنا.

وقال: رغم أننا نعتمد على أمانة المجالس القروية واللجان الأخرى التي تتابع قضية المساعدات، إلا أن احتجاجات المواطنين حول المساعدات وآليات صرفها وتوزيعها قد دفعتنا بشكل جدي للتفكير في تطوير آلية توزيع مناسبة للخروج من هذا الوضع.

غياب التنسيق
ولعل من أبرز المشاكل التي تواجهها المؤسسات والجمعيات العاملة في حقل الإغاثة والمساعدات يعود إلى غياب التنسيق فيما بينها. فقد أوضح محمد سوالمة- جمعية الإصلاح- أنه قد جرى تنسيق لمرة واحدة بين الجمعية ووزارة الشؤون الاجتماعية والمحافظة واللجان الشعبية عندما جرى توزيع عشرة آلاف طرد غذائي على الأسر الفقيرة في محافظة رام الله والبيرة.

وقال: أن الجمعية ليست اللاعب الوحيد في مجال توزيع المساعدات على المحتاجين، حيث مساهمتها تتراوح ما بين 5-10% ، وبالتالي فهي لا تستطيع أن تؤثر كثيرا في طرق توزيع المساعدات.

وأوضح أن الجمعية توزع طلبات على الأسر الفقيرة التي بدورها تقوم بتعبئته، ويتضمن معلومات عن عدد الأسرة ووضعها المعيشي ومصادر دخلها، ثم يتم دراسة الطلب بصورة جدية للتدقيق في صحة المعلومات المقدمة.

وأضاف يوجد للجمعية مندوبين في الكثير من المواقع ونقوم بالتنسيق معهم لتحديد أسماء الأسر الفقيرة والمحتاجة التي بحاجة لعون ومساعدة، إضافة لاستقاء معلومات من جهات رسمية حول القوائم التي تقدم للجمعية.

ولم ينف سوالمة وجود شكاوي وتذمرات قدمت من قبل المواطنين احتجاجا على آليات التوزيع المتبعة، أو بسبب تصرفات بعض المندوبين الذين يرفعون أسماء أقرباء لهم. وقال: نعمل على تصحيح الأخطاء مباشرة، بما فيها مساءلة المندوبين، أو تغييرهم، ولا نمييز بين المحتاجين لأسباب سياسية أو لصلة القرابة.

من يضمن المساواة؟
حتى الان لا زال المواطن العادي والمسؤول مسكونين بالطرق التقليدية لتوزيع المساعدات فالمواطن العادي متلقي للمساعدة والمسؤول سواء كان رسميا او شعبيا يقرر من يستحق وفق معايير لا تشكل ناظما عاما على مستوى الوطن، حيث يسعى بعض المسؤولين لتقوية نفوذهم الشخصي من خلال الامساك بعنق المساعدات وتشكيل محسوبيات له. اما الاطر فقد اعتادت ايضا هذا السلوك وهو بالطبع اعتياد غير سليم ويحتاج الفى مراجعة.

عدا عن ذلك فان المتبرعين ايضا يضعون شروطهم المقيدة ويبنون علاقة شخصية احيانا مع المتبرع لهم بالاعتماد على تقييمات شخصية من ثقاة يعتمدونهم.

سوف تضج التقارير وتزخر بتوزيع المساعدات التي لم تخلق لا تنمية ولا دعما للصمود حقيقي، بل ان النمط السائد هو ما تريده امريكا، الاغاثة ومجرد الاغاثة، كي يبقى المغاث رهن يد المغيث.

هناك مجالات كثيرة لتحقيق نوع من النمط العام في توزيع المساعدات النقدية وتحقيق المساواة، وهي تشكل مجالات اكثر ضبطا وانضباطا للمراقبة، فمثلا لماذا لا يتم الاتفاق مع شركات الكهرباء في المحافظات الفلسطينية لتخفيض سعر الكهرباء على المواطن مع دفع فارق السعر من المساعدات؟، لماذا لا يتم ذلك مع فاتورة الهاتف والماء وضرائب المعارف، وضرائب الابنية التي يدفعها المستأجرون؟ هذه معايير اكثر انتظاما واكثر تحقيقا للمساواة.
لماذا لا يتم توزيع الحقائب والرزم المدرسية من خلال المدارس، ولماذا لا تدعم رسوم التعليم المدرسي والعالي؟
اسئلة تطرح على المعنيين، ربما تجد جوابا عمليا.


[الصفحة السابقة]