غسان لم يتهادن مع أبطال قصصه

لقد بذل غسان جهدا جبارا لخلق الانسجام والتوازن بين الفن والجمال المستوحى من العمل الفني وبين أبطال قصصه الحقيقيين الذين رآهم وعاش معهم بشكل شخصي في المنافي أو ممن تناقلت قصصهم الألسن، لكنه لم يكن ناقلا لحكايات بل كان جزءا منها ومتفاعلا معها لأنه هو نفسه عاش في أجوائها وكتب قصصه من داخلها ويلعبه كرة القدم هو لم يكن مراقبا كلاعب احتياط لما يدور على أرض الملعب أو متفرجا، بل كان لاعبا وفي قلب الهجوم (وهذا سبب قتله). فقد كان حريصا أن يوصل فكرته إلى القارئ العادي لأنه كان هدفه بالأساس، ولم يكن يهدف إلى إثارة إعجاب النقاد بكتابة أحجيات أدبية ومتاهات فكرية مغلقة، فهو مسيطر على أبطاله الذين سيحملون مساحة عمله، فيعجنهم ويشكلهم من جديد كما يشاء له الفن، فلم يكن ليسيرهم حسب أهوائه الأيديولوجية وما كانوا يسيطرون عليه لدرجة تحوله إلى مرآة لهم. فقد كان يلتقي بهم على الطريق الذهبي، فأخذت الشخصيات متنفسا لها وانسابت بحرية داخلية وهذا لا يعني أنه ابتعد عنهم أو ترك بينه وبينهم مسافة، بل كان يتغلغل هم أكثر وأكثر حين يلتصق بهم ويتقمصهم، ثم يتحدث من دواخلهم ويكشف ويعبر ما يعجز الإنسان العادي أن يعبر عنه، فكان تناوله عميقا ولم تكن شخصياته مسطحة بل امتازت بكثافتها السيكولوجية، كان يفاجئهم هم أنفسهم بما كشفه واستخرجه من أعماقهم، ولكنه يشبه الغواص الذي يستخرج اللؤلؤة ولكنها ما زالت بحاجة لصقل ولتقديمها في شكل وغلاف جذاب وهذا ما قام به غسان، وهذا سر عبقريته الفنية، الفكرة العميقة والإخلاص للحقيقة والشكل الجميل، لا أستطيع تسمية أدبه البسيط الممتع، أنه العمق الواضح الممتع، لم يسمع للتخلص من السياق الزمكاني الاجتماعي العام للفلسطيني اللاجئ بشكل مصطنع كي ينتج فنه، بل سعى للالتصاق بالحياة أكثر وأكثر، حتى عندما كان هذا البطل غير فلسطيني (مثلا كما في قصة موت السرير رقم 12 قبضها عماني لكنه كان غريبا ومات غريبا كرقم). إنه مثل عصفور يبتعد عن قفصه ولكنه مربوط وإن كان هذا الخيط يطول أحيانا وبالكاد يرى، فاللغة التي كان يتجسد بها.

"غسان لم يتهادن مع أبطال قصصه"

الأبطال كانت تشير إلى المسبب الأول كما سنرى والذي تسميه د. يمنى العبد (الحوض البشري الذي ينمو فيه ويحيا النص الأدبي) فن الرواية العربية ص8. وكانت نوعية كتابته جزءا من نتيجة هذا الواقع (الحوض البشري) وبالتالي نتاج واقع اجتماعي سياسي ولعل أصعب ما يواجه كاتب في مثل هذه الحالة هي الكتابة المعقولة (أي أن يتقبلها العقل) في واقع شاذ لا معقول كما في رواية رجال في الشمس وعائد إلى حيفا وفي معظم القصص، غسان بعبقريته وموهبته الأصلية تمكن من خلق المعادلة المتوازنة بين الفن وبين إظهار الواقع الأليم الذي يعيشه هذا الإنسان ومن ثم وفي مراحل متقدمة أكثر الدفع باتجاه الهدف الأيديولوجي (التغيير) الذي أراد أن يسحر فنه لأجله بوعي تام ومع سبق الإصرار والترصد، ويبدو هذا واضحا بإلحاح في (رواية أم سعد)، إلى أن شكلت طريقة موته ذروة لحالته (الاجتماعية السياسية الأدبية) وكأن هذا الموت وبهذه الطريقة جاء تكملة أو امتدادا ونتيجة غير مفاجئة لواقع لم يفرز سوى المآسي والويلات كما سرى من خلال رواياته وقصصه التي اغتيل بعضها قبل اكتمالها باستشهاد الكاتب نفسه (العاشق، برقوق نيسان، الأعمى والأطرش)، فشكل موته وأدبه وقضيته وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها، تمازجت عناصرها تمازجا عضويا لترسم لوحة تراجيدية متكاملة لهذا الأديب كجزء من المبنى العام للتراجيديا الفلسطينية، ولا يمكن لقارئ يقرأ غسان أن ينسى أنه يقرأ لإنسان تم اغتياله على خلفية سياسية، فشبح الجريمة يطل من بين السطور والصفحات لتأخذ قصصه أبعادا أكثر عمقا وكثافة وبالإمكان القول أن غسان كان الوريث الشرعي لمن سبقه من كتاب وشعراء حملوا أرواحهم على راحاتهم، ونذروا أنفسهم لقضايا آمنوا بها (سأحمل روحي على راحتي وأهوي بها في مهاوي الردى فأما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى) الشهيد المدعو عبد الرحيم محمود. إن الخطر الذي يواجهه الكاتب في حالات مشابهة هو السقوط في المباشرة والشعاراتية والتحول إلى مرآة تعكس حرفيا ما يدور من حوله بشكل تقريري على حساب العمق والتحليل والخيال والصورة الفنية ثم التحول إلى برق بيت الأيديولوجيا، ولكن غسان سلك الطريق الأصعب، اختار طريق الآلام طريق الابتكار والفن، غسان لم يتهادن مع أبطال قصصه ولم يكن طيبا معهم، لم يسايرهم رغم مآسيهم بل واجههم وجعلهم يواجهون أنفسهم مواجهة حقيقية مؤلمة، وجعلهم يسألون أنفسهم الأسئلة الصعبة فطرحها بجرأة وبعمق ولكن بطريقته الفنية، فهو يواجههم بالسؤال دائما لماذا تركت ليلى وحيده! لماذا لم تقرعوا الخزان كيف يترك والدان ابنهما في السرير ويهربان! لماذا لم تدافع عن حيفا؟. لماذا لماذا لماذا.


[الصفحة السابقة]