علي هامش مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي

بقلم: علي ربيعة- البحرين
بمناسبة انعقاد الدورة الثالثة والأربعين لمجلس الاتحاد في بيروت وذلك في الثالث والرابع من شهر يونيو 2003 رأيت لزاما عليّ كمواطن عربي يعيش النكبات التي حلت ولا تزال تحل بالأمة العربية أن أتطرق لموضوع الاتحاد وبقدر كبير من الصراحة من أجل وضع النقاط علي الحروف. كنت قد تطرقت في عام 2000 للقرارات التي اتخذها مجلس الاتحاد في دورته الخامسة والثلاثين بالجزائر وقلت أن هذه المؤسسة البرلمانية لا تختلف من حيث الشكل والمضمون عن تلك المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي أسستها الجامعة العربية وبقيت معاهداتها ومواثيقها حبيسة الأدراج.

فهذه المؤسسة في تركيبتها التنظيمية أشبه بالموزاييك لأنها تضم أشكالا مختلفة من المجالس العربية. فهناك البرلمان المنتخب انتخابا مباشرا من الشعب ومن خلاله يقوم الحزب الفائز بتشكيل الحكومة كما هو حادث في المغرب وهناك البرلمان الذي يتمتع بسلطات تشريعية ويمارس حقه في المشاركة السياسية والرقابية فيما تحتفظ القيادة السياسية بالسلطة التنفيذية كما هو جاري في الكويت. وهناك في بعض الدول العربية البرلمان المنتخب الذي يعيش جنبا الي جنب مع قانون الطوارئ. أما في الدول الخليجية فقد انتشرت مجالس الشوري المعينة وأن بعض هذه المجالس عرضة للتطوير والتغيير. لكن أسوأ التجارب هي تلك البرلمانات الصورية في بعض الجمهوريات العربية وأن هذه المجالس ومجالس الشوري تمثل امتدادا طبيعيا للسلطة التنفيذية.

ولأن الاتحاد يضم هذا الخليط المتنوع من المجالس التي أغلبها لا يمثل الشعوب العربية فإن استمرار العمل تحت عنوان (الاتحاد البرلماني العربي) معناه اضفاء صفة الديمقراطية والمشاركة السياسية علي العديد من تلك الأنظمة التي هي بعيدة كل البعد عن النظام الديمقراطي. لا شك أن هذا الخلط المتعمد يضعنا أما مسئولياتنا التاريخية كبرلمانيين ونخب سياسية ومثقفين من أجل وضع حد لعملية الخلط التي أضرّت كثيرا بمسيرتنا الديمقراطية.

فهذا الخلط يحمل من التشويه والتحريف ما يفرض علي البرلمانيين العرب سرعة المبادرة بوضع حد لتصدير هذه المفاهيم الخاطئة لشعوبنا العربية.
وأمام التطورات السياسية المتلاحقة في العالم ومع بروز الاستعمار الجديد علي الساحة الدولية بدءا باحتلال أرض العراق ومن ثم رسم خارطة الشرق الأوسط فأن قضية الديمقراطية وحقوق الانسان واصلاح الأنظمة أصبحت هي العناوين الرئيسة التي تشغل بال المخلصين في الوطن العربي. وفي هذا السياق فأن البرلمانات الحقيقية في الاتحاد مطالبة أكثر من غيرها بتبني طرح هذه القضايا والبدء بقيادة عملية اصلاح الاتحاد من الداخل.

وعلي ذكر رسم خارطة الشرق الأوسط فأن الضرورة تقتضي في هذا الظرف العصيب أن ننعش ذاكرة المؤتمرين في بيروت فنورد ما يقلق بالهم لعلنا نفلح في تغيير خط سيرهم.
فبموجب هذه السياسة تقول الولايات المتحدة انها سوف تقوم بتنفيذ ما يلي:
سوف ننقل المعركة من أفغانستان الي المملكة العربية السعودية من أجل اجتثاث الارهاب، وحسب هذه الاستراتيجية الجديدة فان النفط والروابط الاستراتيجية والتاريخ ستحتم علينا استمرار التدخل في هذه المنطقة الحيوية. وأننا (الولايات المتحدة) سنواصل دعمنا لمصر وستستمر حمايتنا للسعودية.

وفي محاولتنا لجعل هذه الانظمة في الشرق الأوسط بعيدة عن تفريخ الارهاب فاننا نري ان العامل المهم والاساسي هو جعل هذه الانظمة أكثر شرعية في عيون شعوبها. يجب علي الولايات المتحدة أن تحدد أهدافها الحقيقية.
نحن لا نريد أن تكون هناك ديمقراطية في الشرق الأوسط علي غرار ديمقراطية وستمنستر، ليس في هذا الوقت بالذات.

اننا نبحث عن ايجاد ما يسمي أو يطلق عليه الشروط الأولية للديمقراطية أو بعبارة اخري الليبرالية الدستورية حيث يتوفر حكم القانون وحقوق الفرد واحترام الملكية الخاصة وقضاء مستقل وفصل بين الدولة ودور العبادة.
ولم يمر ثلاث سنوات علي اعلان هذا السيناريو حتي بدأت الولايات المتحدة بتنفيذه وذلك باحتلال العراق باسم القضاء علي الدكتاتورية وتطبيق الديمقراطية.

واذا كانت أحداث العراق قد أثبتت لنا فشل الجامعة العربية في أداء مهامها وأهدافها في منع العدوان وحماية الأمن العربي فإن الاتحاد البرلماني العربي لم يكن له أي دور يذكر ابان هذه الكارثة التي حلت بالمنطقة العربية.
ان ادراج موضوع مناقشة الوضع العربي الراهن ودور البرلمانيين العرب في مواجهة التحديات في جلسة العمل الأولي والثانية ما هو للاستهلاك المحلي.
ان كلمات رؤساء البرلمانات ورؤساء الوفود في هذا الموضوع الخطير لا يمكن أن تؤدي في النهاية الي وضع استراتيجية عمل تضع لنا حلولا عملية لدرء الأخطار القادمة وهي كثيرة، وان هي نجحت في أحسن الأحوال في وضع خطة فهل هذه الخطة قابلة للتنفيذ علي اعتبار ان الحكومات ملزمة بالقيام بالوظيفة الادارية والتنفيذية للمجالس النيابية.

وفي ظل الوهن العربي وما تشهده المنطقة العربية من انصياع تام للمخطط الامريكي حيال تنفيذ السيناريو الامريكي يتبادر الي ذهننا الاسئلة المشروعة التالية:
لماذا يكلف الاتحاد نفسه عناء مناقشة الوضع العربي الراهن وهو يعلم علم اليقين ان مناقشاته وحواراته وحتي قراراته ان كانت هناك قرارات لا يمكن أن يكون لها اي تأثير في تغيير سياسة الدول العربية ازاء دول التحالف؟ ماذا عسي أن يتخذ الاتحاد من موقف حيال احتلال منابع النفط العراقي وتطبيق خارطة الطريق والتهديد بصياغة الوضع السياسي في المنطقة؟ وما هو موقف الاتحاد من ارسال الدول العربية لجنودها الي العراق من اجل توفير الامن والاستقرار؟
ولأن هذا الاتحاد لا يمكن مقارنته اطلاقا بالاتحاد البرلماني الافريقي ولا حتي بالجمعية الدولية البرلمانية للدول الفرانكوفونية من حيث السلطات التشريعية والرقابية التي يتمتع بها فإن هذا الاتحاد لم ولن ينجح في فرض توصياته وقراراته علي الانظمة العربية.

أما فيما يتعلق بالبند الثاني وهو ورقة نقاش بعنوان (البرلمان الموحد: اقتراحات عملية للتنفيذ) فإني استغرب من هذه الجرأة في طرح موضوع تحويل هذا الاتحاد الهش وغير المتجانس الي برلمان موحد. فاذا كانت التسمية الحاية فضفاضة عبيه فكيف نركب اسم برلمان عليه؟
هل يعتقد أصحاب الاقتراح انهم بمجرد تغيير الاسم قادرون علي تغيير طبيعة هذا الكيان وخلق واقع جديد لهذا الاتحاد.

انني لا اعتقد ذلك ابدا وقد قفز الي ذهني ما قاله المؤرخ مارك توين (َيفٌّش ًْفح) في هذا الصدد ان الاسماء لا تعكس دائما مسمياتها لكن التلاعب بالالفاظ والمسميات في مثل مجتمعاتنا المتخلفة يؤدي الي انتشار تلك الافكار والمفاهيم الخاطئة كما يؤدي كذلك الي التضليل والخداع والي تسميم أفكار الناشئة الأمر الذي يؤثر سلبا علي المسيرة الديمقراطية في الوطن العربي ويعيق نموها وتطورها.

واذا كان الاتحاد جادا في تحويل هذا المقترح الي برلمان عربي موحد يضاهي مثيلاته في العالم فإن الواجب الوطني يحتم عليه ان يبادر بطرح مشروع تعديل القانون الداخلي للاتحاد فيما يختص تحديدا بشروط العضوية ومعاييرها بحيث تقتصر عضوية البرلمان العربي علي البرلمانات العربية المنتخبة انتخابا حرا مباشرا من قبل الشعب وان تكون لدي هذه البرلمانات كامل الصلاحيات التشريعية والرقابية وان تقوم هذه البرلمانات بتشكيل الحكومات عن طريق الاحزاب التي فازت بالاغلبية في الانتخابات البرلمانية.
ان هذا المشروع وليس غيره هو الرافعة التي ترفعنا الي مستوي التحديات في الوطن العربي وتجعلنا ممن يواكب عصر الديمقراطية ويتمكن من درء اخطار العولمة.

ونختتم هذه المقالة المستعجلة ببيتين من شعر الرصافي ففيها م ن المعني ما يغنينا عن الشرح الطويل:

أنا بالحكـومة والسـياسة أعرف    أألام في تفنــيدها وأعنف
علـم ودسـتور ومجلس أمـة كل   عن المعني الصحيح محرف

___________________________
- نائب سابق
- عضو جمعية العمل الوطني الديمقراطي


[الصفحة السابقة]