مأساة الطلبة على المعابر الحدودية

جاءك البشير بأنك قبلت للدراسة في الخارج، في مصر أو الأردن أو غيرها من الدول، تتأهب وتعد نفسك للسفر، على الرغم من عدم تعودك عن الابتعاد عن أرضك وعائلتك، إلا أن للتعليم ظروفه التي تضطرك أن تدرس في الخارج، في تحدٍّ متواصل للاحتلال.
طريقك ليس "ممهداً" في ظل الظروف الحالية، ولا تتراجع، فعائلتك التي تدعمك وتؤمن لك ما يسهم في مساندتك مادياً ومعنوياً على حساب قوتها، لكن الاحتلال يضيق الخناق، فآلاف الطلبة من أمثالك يرتسم على وجوههم أمل بأن يكون سفرهم عبر المعبر سهلاً، فبين يوم وآخر تتغير أوضاع المعبر من حالٍ إلى حال.

ومنذ بداية العام أغلقت قوات الاحتلال معبر رفح أمام القادمين والمغادرين من الشباب من الفئة العمرية (15- 35عاماً)، على فترات متصلة ولأكثر من شهر في بعض الأحيان، بالإضافة إلى أن المعبر في العادة يشهد ازدحاماً على الجانبين بفعل التضييق في حركة السفر من قبل سلطات الاحتلال.
وشريحة الطلبة من أكبر شرائح المسافرين ذهاباً وإياباً، ومن أكثرها معاناة، فالشباب مستهدفون بشكل دائم من قوات الاحتلال لأنهم شعلة الانتفاضة.

تجهز نفسك وتودع أهلك وتتجه نحو المعبر، هناك أمل يلوح في الأفق أن يكون العبور سهلاً فقد سمعت أن المعبر قد افتتح اليوم، وتغادر إلى المعبر تنتظر مع المنتظرين، وفجأة هناك إغلاق أو من هم دون الخامسة والثلاثين غير مسموح لهم بالسفر.
وترى معك من العائدين صديقاً سيتقدم للامتحانات بمجرد وصوله للقاهرة خلال أيام، وهو يحاول منذ أكثر من شهر للخروج ولكن لا جدوى، فرغم التنسيق تلو التنسيق عاد أعقابه.
فتعود إلى منزلك مقتنعاً أن الاحتلال يحاربك حتى في حقك في التعليم، وأن تكون كما أمثالك في العالم،  وهذا يزيدك إصراراً على المضي قدماً في طريقك، وتحدياً للاحتلال.

التعليم العالي
وتعليقاً على ذلك، أوضح مدير التعليم العالي بوزارة التربية والتعليم العالي، د. محمد أبو جراد، للمركز الصحافي الدولي، أن هناك العديد من الطلبة يدرسون في الخارج لم يتمكنوا من التوجه إلى أماكن دراستهم، وهناك آخرون لم يتمكنوا من العودة بعد انتهاء العام الدراسي، ولذلك تأثيرات مادية ونفسية سيئة.
وعبر عن خشيته من أن استمرار الإغلاق لفترة طويلة سيهدد المئات من طلبة الدراسات العليا في الخارج بخطر فقدان حقهم في استئناف دراستهم إذا لم يلتحقوا بجامعاتهم ومعاهدهم، بالإضافة إلى أن ذلك سيؤدي إلى فقدان العديد من المنح والبعثات للطلبة المتفوقين.

وأشار د. أبو جراد إلى أن امتحانات الثانوية العامة على وشك الانتهاء، وستظهر النتائج خلال شهر على الأكثر، واستمرار الإغلاق سيشكل عقبة كبيرة في إمكانية الالتحاق بجامعات خارج فلسطين، وهو ما سيضيف عبئاً جديداً على المؤسسات الأكاديمية المحلية التي تحاول أن تستوعب أكبر عدد ممكن لديها من خريجي الشهادة الثانوية، في ظل عدم توافر المساحة الممكنة والنقص في عدد من التخصصات التي يرغب أعداد من الطلبة بالالتحاق بها.

وأكد أن ذلك كله يأتي استمراراً لسياسة التجهيل التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني منذ عقود، لكن الصمود الذي أبدته المؤسسات التعليمية الفلسطينية أدى إلى مواجهة هذه الهجمة بقوة وأوقفها عن النيل من حق الفلسطيني في التعليم.
وتحاول الوزارة حسب د. أبو جراد للتخفيف من حدة التأثيرات السلبية لقرار الإغلاق، وقال أن الوزارة تنسق فيما بينها وبين المؤسسات الأكاديمية التي يدرس بها الطلاب، وتقدم كل التسهيلات الممكنة في إطار القوانين والأنظمة المعمول بها في تلك المؤسسات لمساعدة الطلبة الفلسطينيين.

وعن تعاون الوزارة مع الجهات الدولية بهذا الخصوص، أشار مدير عام التعليم العالي إلى أن الوزارة خاطبت كافة الجهات الدولية والرسمية المعنية كالأونروا واليونسكو لوضعهم في صورة الأضرار التي تتكبدها المسيرة التعليمية جراء تلك الممارسات الاسرائيلية، موضحاً أن هذه الجهات تحاول المساعدة قدر الإنسان، ولكن أغلب جهدها يأتي في إطار التعاطف ومخاطبة الجهات الإسرائيلية وقليل من المتابعة.

وعن طلبة العراق، قال أن طلبة العراق اضطروا للعودة بعد انهيار الحكومة العراقية، حيث أغلقت الجامعات أبوابها، وبناء على ذلك اجتمع مجلس التعليم العالي الفلسطيني، الذي يضم الوزارة ورؤساء الجامعات الفلسطينية للنظر في إمكانية مساعدة هؤلاء الطلبة.
وأضاف أبو جراد أنه تم اتخاذ قرار سمح لكل طالب باستكمال تحصيله العلمي في الجامعات الفلسطينية في نفس تخصصه واستجابت كافة الجامعات لذلك، وسيتم النظر في كافة المستجدات والحلول التي يمكن طرحها مع نهاية الفصل الدراسي الحالي وحلول الفصل الدراسي الأول من العام القادم.

الشئون المدنية
من جهته، أوضح وكيل وزارة الشئون المدنية، سفيان أبو زايدة، أن الإغلاق تسبب في عودة حوالي 99% من الطلاب، وحرمهم من الوصول إلى جامعاتهم واستكمال مسيرتهم التعليمية أو حتى التقدم للامتحانات.

وأوضح أن هذا الإغلاق لا يستهدف الطلبة فقط، بل كل منهم ضمن الفئة العمرية (15-35 عاماً)، وذلك لـ "ذرائع أمنية" يطلقها الجانب الإسرائيلي، وحتى الآن لم تتغير هذه الأسباب.
وعن دور الوزارة، قال أبو زايدة أن العمل سارٍ في هذا الصدد على صعيدين، الأول يتعلق بمحاولة رفع هذا الإجراء، والثاني محاولة التنسيق والمساعدة لبعض الطلاب وبعض الحالات مع الجانب الإسرائيلي، الذي قد يساعد في عملية التنسيق ويستجيب لبعض الحالات.

وعلى أرض الواقع، تتواصل الأزمة، وما يزال المئات قابعين على الناحية الأخرى من الحدود انتظاراً للعودة، ومئات من هنا يتنظرون الخروج للالتحاق بجامعاتهم، وما زالت الصورة قاتمة حتى الآن، فليست هناك بوادر نحو إنهاء حظر السفر والاحتلال يتعنت في تلبية المطالب الدولية بإتاحة التسهيلات المفروضة عليه، في سبيل الضغط المتواصل على الشعب الفلسطيني وهو ما لم يحقق للاحتلال ما تمنى ولن يناله. 


[الصفحة السابقة]