بيدبا والصحراء ومعتصم مفقود

بقلم :لهيب عبدالخالق
بينما يتنوع الموت على الأرض العراقية، تتنوع ردات الفعل الاعلامية والسياسية على مختلف الساحات، فهنا نجد من لايزال ينبش في القبور الجماعية عن مبرر لقتل العراقيين او للاحتلال، وهناك من لايزال يناقش دور العراقيين الذي توزعه الدراسات بين استسلام للمحتل والقبول بالامر الواقع وبين البحث في التخاذل والمأزق العربيين عن حل.

وفي حفلة المنوعات السياسية والحلول العقيمة تلك يندب «بيدبا» حظ «كليلته ودمنته» اللتين فقدتا مع ما انفقد في العراق والعالم العربي هوية وتاريخا وشرفا.
وقصة «بيدبا» مع الأميركيين يرثى لها، فمن ثعلب الصحراء الى عقربها وصولا الى الأفعى المجلجلة، كانت أرومته تسيح على جسد البشرية الموبوءة دماء ساخنة، ومثلها ساخ صوت الداعين لمن يمسح عن هذه البشرية الكليلة عارها، وبيدبا الذي تمزقت اوراقه مثلما تمزق لحمنا وعرضنا، حاسر الرأس يبحث مع الباحثين عن صدام حسين ومجازره ما يستر المجازر الأميركية والتآمر الدولي.

ومن بيدبا الى دكاكين الأحزاب التي تلعق الأقدام الأميركية « المقدسة»، اذ تقفز ارقام التحزب العراقية الى 117 حزبا متفوقة على كل اشكال الانفلات السياسي، وهي بما تعرضه من بضاعة لاتفعل اكثر من تقزيم الدولة العراقية والانسان العراقي وتفتح الباب واسعا لتهويد العراق، وكسر شوكة الوطنية العراقية والقضاء على آخر رمق من الحرية، وليس اشد من الدعوات لوقف القتال ونزع السلاح والتسليم للمحتل دليل على التخاذل الذي يراد له ان يكون ثياب العراقيين الآتي.

ومن الدكاكين الى اسواق النخاسة السياسية التي تهييء لـ «تظاهرة مليونية» تبحث عن استفتاء للملكية الدستورية التي تستر عريها بثوب الملك الراحل معولة على حب مفقود بين الشعب والملكية السابقة، لتشكيل نواة لملكية استعمارية جديدة للسطو على العراق .
والواقع ان فكرة المسير من العراق الى الأردن بحثا عن ملك للعراق يثير اكثر من ريبة في نوايا هذا الطرح وعلى اكثر من مستوى، فالملكية السابقة فرضت على العراق من قبل الإنجليز، واليوم نرزح تحت رحمة احتلال اميركي يريد تنصيب حكومة مماثلة، ولا أدري لماذا يحاول انصار الملكية الدستورية العراقية توريط الآخرين في مستنقع السياسة الذي يحفرونه في العراق.

ولعل العراق قد اثار شهية الباحثين عن دور في خضم التداعيات التي اصابت المشهد السياسي العالمي، فما زال هناك من يسأل عما حدث في العراق وعن حقيقة الأطماع الأميركية في العراق، وهناك من يأمل في دور عربي على اساس ان سقوط العالم اسيرا لدى الدولة الأميركية يفترض نهوض التيارات القومية والتعويل على القومية العربية بعد نزع الأظلاف الأصولية من اطرافها وتسخير قدراتها الاقتصادية الى النظام الدولي الجديد.

ان المتأمل للواقع السياسي اليوم سيجد ان هناك تراجعا وارتدادا في الكثير من الايديولوجيات والاشكال السياسية ويمكن النظر للعراق على انه دورق للاواني المستطرقة تغلي فيه هذه الارتدادات، فهناك سقوط مدو للقوميات ومنها القومية العربية التي تنازع رمقها الأخير بعد اتهامها بأنها صنيعة غربية بل ان هناك من تجرأ على القول ان لورنس العرب من انشأها، وهناك ايضا تراجع للاصولية بفعل نمو التيارات المناهضة لها وهي بالتالي انفصلت عن حضن الامبريالية التي نشأت فيه ابان الحرب الباردة لتجد نفسها مطروحة في العراء بلا اب روحي او ام متبنية .

بل ان هناك تراجعا عن النهج المقاوم بعد تفعيل مصطلح الارهاب وربما في خضوع حماس والجهاد للمطالب الصهيونية حفظا للرؤوس مثل عقيم، في العالم اليوم نزوع للانفصال من كل اشكال الديمقراطيات المعروفة وعودة الى ما كان الفلاسفة الإغريق قد اسموه بـ «حكم الرعاع»، كل ذلك يجري على قدم وساق في ساحة خلت من كل سلطة الا سلطة الفوضى والاحتلال .

ماهو غائب بشكل حقيقي في الساحة العراقية المشروع السياسي الحقيقي والمؤسس على مفاهيم غير مستوردة او اسس غير مفروضة، ولعل المشروع الذي ينبغي الحديث عنه هو كيفية النهوض من تحت كل الأقدام العميلة الثقيلة التي التفت بعباءة أميركية صهيونية وسوغت لنفسها رسم مستقبل مأفون للعراق، وكيف يمكن انتزاع تصويت حقيقي غير مزور او مزيف لحكومة وطنية داخلية لا تغلي بالصراعات الإثنية او الطائفية، وكيف ينقض العراقيون كل اتفاق لم توقعه حكومة وطنية حتى لو كان قرارا دوليا.

ما هو غائب صوت عربي سياسي يدفع ولو بقشة عن العراقيين غائلة الفقر الذي ينحدرون اليه وهم اهل الثروة العظمى والاحتياطي الأكبر بكل الموارد من عقول وعلم وبترول ومعادن وموقع جغرافي ناهيك عن التاريخ العريق، ما هو غائب حماية حقيقية من الديكتاتورية الأميركية التي فاقت ديكتاتورية الرئيس المخلوع وطريد القوات الأميركية المذعورة، والنهب الذي يطال كل شيء حتى الوطن، وما هو مفقود معتصم يرد للعراقيات شرفهن وللكرامة العربية اعتبارها .

ان العراقيين لا يستطيعون رسم مستقبلهم لوحدهم بدون استناد الى جدران واقية خاصة وان عروبتهم مهددة بالسطو والنهب، وادواتهم السياسية مشتتة بين اتجاهات شتى تتقاذفهم وتقذف بهم الى جحيم المعتقلات الأميركية والموت الذي ينهال عليهم من السقوف او يدخل عليهم عاصفا مقتلعا كل الستر.

ما يحتاجه العراقيون بشكل محدد وصفة عربية تقطع رأس الأفعى بسيف عراقي عربي، وتنظف رمال الصحراء العربية من سمومها، هذه الصحراء التي حشرت قسرا في لعبة القتل الأميركية، ما يحتاجونه فعلا اعلام عربي يخرج من دوامة البحث عن الاسباب الى سطح يفضح الممارسات الأميركية واليهودية بلا وجل او محاباة، ورحم الله المعتصم الذي جيش الجيوش لنجدة اعرابية، اين منها ومنه اعرابيات زمن السقوط العربي.


[الصفحة السابقة]