|
غسان المطارد في زمن الهجوم
لا زال غسان كنفاني، وبعد مرور ثلاثة وثلاثين عاما، على
التفجير الإرهابي الصهيوني الذي مزقه شظايا، لا زال بعد ثلث قرن طازجا جدا،
ولا زال رغم تحول أشلائه إلى ترابه في مقبرة شهداء بيروت، حياً ومطارداً
ومطلوباً، ولا زال خطراً، و(إرهابياً).
لماذا؟؟ ... لأن العالم الآن ليس لنا، إنه لمن يملك كروز توما هوك،
والشركات المتعددة الجنسية، وسلسلة مطاعم ماكدونالدز.
لأن، أم سعد، لا زالت تودع أولادها إلى المعركة، ولا
زالت تحلم، بدوالي جديدة تنبت من (العروق الناشفة)، فالتجربة الأولى نجحت
وصارت دالية بعد أن برعمت، وأصبحت كرما تظلل عرائشه الأمل والحلم الذي لا
زالت تحلم به.
ولأن خلدون، أصبح نسيا منسيا، وصار جنديا متقاعدا، فيما
خالد لا زال يحمل همه وسلاحه ويرنو إلى هناك... إلى شارع عباس حيث حيفا
تتنسم عبير البحر.
ولأن هناك من يريد لأبي الخيزران أن يعود فينا ومنا، يلملم حاجياتنا
الصغيرة ويبيعها ويدفننا في أكوام التراب عند الحواجز والسواتر.
ولأن...... ولأن الشوارع صارت حكايات عن الرجال
والبنادق والرايات عن الأحزمة الناسفة، وعن الاستعداد العالي للتضحية.
ولأن برقوق نيسان أزهر في نابلس ومخيم جنين، وعند حواف الصحراء الملتصقة
بشاطئ البحر في رفح.
غسان..... محرض، فهو إذن ممنوع من الظهور على صفحات
الورق في كتب المدارس، أو أفلام السينما أو خشبات المسرح.
وغسان يرى أن خلاصه وخلاص شعبه، هو خلاص للانسانية من ذاتها المتوحشة،
ولذلك فهو عدو للسامية، ومعاداة السامية جرم مشهود، بينما ذبح الأطفال دفاع
عن النفس.
علينا الآن أن نضعه في متحف العاديات، فهو غير جدير
بالعصر الذي نعيش، وعلينا أن نودع كل ما كتب في الأرشيفات المقفلة، وأن
نبحث عن قصائد في مديح الطائرات التي تحرق بغداد، فقتيل الموصل الآن،
إرهابي أيضا.
نحن الآن وإن كنا في زمن الاشتباك، نعيش زمن هجوم من
رعاة البقر، ووحوش الغاب على الإنسانية،
هل تدري؟
هولاكو، بعث من جديد، دمر بغداد، ونهب جامعاتها
ومدارسها ومتاحفها. والمكارثية تعولمت، لم تعد في حدود أمريكا، المكارثية
الآن تلاحق كل من لا يحول أوراقه ودفاتره إلى دعاية (للماكدونالدز)، وإعلان
مدفوع الثمن عن حرية نتذوقها مع طعم الكوكا كولا، خصوصا إذا كان مصدرها
(بني براك).
شعراء التكسب ينتشرون كالفطر في ربطات عنق أنيقه يملأون
الشاشات ويحملون أسماء، محلل سياسي، خبير استراتيجي، ووكيل دعاية للعولمة.
وغسان، ليس أكثر من طريد صعلوك مقطوع النسب، يجب أن يرمى للبيداء تأكله
وحوش الغاب، وتعيد تمزيق أوراقه كما مزقته العبوة.
آباء الخيزران كثروا، ولا زالوا يجلسون على كرسي قيادة
السيارة.
وأكثر من (بعطوش) الآن فينا بات (نزيها، ونظيف اليد)، وربما ثائراً.
إنه زمان الشقلبة...... يا غسان. |