|
الشعب الفلسطيني
ليس مجموعة كشافة
تبحث عن مغارة مجهولة
ما أن أعلن جورج بوش انتهاء حملته العسكرية على العراق
في بداية أيار الماضي حتى تحرك باتجاه الجبهة الفلسطينية في محاولة
لاستغلال أجواء الصدمة والإحباط التي رافقت اقتحام المغول لبغداد وذلك لفرض
حل سياسي وفق المقاييس الأمريكية – الإسرائيلية وهكذا تحركت قوافل السياسة
الأمريكية على خارطة الطريق الواصلة بين بغداد وفلسطين وعلى جانبي الطريق
يحني قادة المنطقة رؤوسهم احتراما واستسلاما لموكب الرئيس المنتصر لم يأت
جورج بوش ليناقش بل جاء ليملي شروطه كمنتصر، ولم يجتمع به القادة العرب في
شرم الشيخ أولا والعقبة لاحقا ليقولوا رأيهم، بل ليعلنوا ولاءهم الصريح بعد
أن انقشع دخان الحرب في سماء بغداد.
في معمعان هذا المحراك والتحرك السياسي بدا المشهد
الفلسطيني مرتبكا وحائرا فطبول الحرب التي يقرعها شارون فوق رؤوسهم، أصبحت
أكثر ضجيجا.. والكل يحذر الفلسطينيين عن العواقب الوخيمة إن هم أصروا على
مواجهة الثور الأمريكي الهائج الذي يحطم كل الفخار الذي يقف في طريقه.
وقمة المفاجأة كانت في قمة العقبة حيث، أعلن أبو مازن
خطابه والتزاماته دون أن يرفع نظره عن الورقة المكتوبة بين يديه، فإذا بنا
نجد أنفسنا أمام إعلان محير هو أقرب للهزيمة منه للدخول في عملية سلام
جدية... وفرضت القوة منطقها على اللغة وهكذا باتت المقاومة الفلسطينية (عمل
إرهابي)، والتنظيمات الفلسطينية المقاومة عبر التاريخ أصحبت (منظمات
إرهابية) والمطلوب؟.
المطلوب محدد ومكتوب: إعلان الحرب على الإرهاب
الفلسطيني وتفكيك بنيته التحتية والمعنى؟ إشعال فتيل الحرب الأهلية
الفلسطينية وصب النار والكاز عليها كي يطمئن شارون وينام المستوطنون مليء
العين على نهر الدم الفلسطيني.
غير أن السياسة دائما ما تفاجئ من لا يقرأ ألف ياء
المقاومة وإرادة الشعوب أمام هذا الواقع المحزن تؤحد الشعب الفلسطيني
وتوحدت قواه على رفض صفقة العقبة، ولم تبايع.
فإذا بخارطة الطريق التي أراد لها بوش وشارون أن تكون
الخنجر الذي غرسه صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته ووحدته، تتحول إلى أداة
توحيد وتسعير للمقاومة ولكن من المقلب الآخر، رفض أهداف تلك الخطة
وتداعياتها.
في غمرة التجاذب والاستقطاب الذي شهدته الساحة
الفلسطينية والتي دفعت رئيس الحكومة أبو مازن ليتبع مؤتمره الصحفي في
العقبة، بملحق صحفي في رام الله ليوضح ويفسر ويعلن، فاجأ شارون الجميع
بحماقة جديدة، عندما أقدم على محاولة الاغتيال الفاشلة للرنتيسي والتي
تحولت إلى غضب شامل أعادت رسم حدود السياسة والمقاومة والأهداف الفلسطينية،
وكان الرد مؤلما وجارحا.....
لقد تخيل شارون أن بإمكانه تحويل الانتصار الأمريكي في
العراق إلى انتصار سياسي في فلسطين نصرته واحدة.... مرة أخرى يخطئ الساسة
الذين لا يقرأون الواقع والدين لا زال يعشش في أذهانهم إن مقاومة الشعب
الفلسطيني هي مجرد مجموعات من الإرهابيين، الذين يمكن ملاحقتهم وتصفيتهم
على غرار ما يفعل بوش في أفغانستان.
إلا أن قوانين اللعبة في الساحة الفلسطينية غير ذلك
تماما إنها لعبة شعب بكاملة وبدون الإقرار بحقوقه الوطنية فلا سلام ولا
أمن.
أراد شارون من صفقة خارطة الطريق أن يحقق من خلال
الحكومة الفلسطينية ما عجز عن تحقيقه على مدار ثلاث سنوات من الانتفاضة.
لكنه فوجئ بالرد فاستنجد بمن هم وراء البحار والأنهار والصحراء....
المقاومة هي كلمة الشر وإلا لماذا تحركت الوفود من كل الجهات، باول قادم،
وبعده الست كوندوليزا.... الأمور تفقد مسارها وفق المخطط الأمريكي، اشتعال
الساحة العراقية وولادة (سرايا المقاومة العراقية في 17/6/2003 تنذر بعواقب
لا تهدأ، والفينيق الفلسطيني يواصل الانطلاق من رماد البيوت في رفح
وخانيونس وبيت حانون ومدن الضفة الغربية، يواصل الرفض والمقاومة ويصر على
الحقوق... كل هذا يستدعي سرعة لحركة حتى لا تضيع الهالة التي أحاطت ببوش..
والآن، لا تزال الحرب السياسية والمقاومة على المستوى
الفلسطيني في ذروتها، وحوارات الفصائل في غزة أعادت للمشهد الفلسطيني
توازنه، حيث الثوابت الواضحة والحقوق الواضحة، وحيث لا هدنة على حساب
الحقوق.. ومن يرغب بخوض غمار السياسة والمفاوضات عليه أن يدرك البديهات حتى
لا يفقد رأسه، فما هو على الطاولة ليس وليمة، أو تجارة خضار إنها حقوق شعب
تضحيات ودماء... وفوقها وتحتها يأتي حق العودة الذي يسعى شارون ليقايضه
بإزالة كومة تراب وضعتها جرافة إسرائيلية في خمس دقائق...
معادلات تثير السخط تلك التي تحاول مقايضة الثوابت
الفلسطينية كحقوق وطنية:
حق العودة – تقرير المصير – الدولة الوطنية المستقلة – القدس – إزالة
المستوطنات بالكامل ومجموعة من التسهيلات الميدانية، الأمر الذي يذكرنا
بشعار رونالد ريغان في أواسط الثمانينات وما توهم أن بالإمكان حل الصراع
عبر تحسين مستوى حياة السكان الفلسطينيين...
صحيح أن شعبنا في الضفة والقطاع يهمه أن ينتهي الحصار،
الإغلاق، الاعتقالات، الاغتيالات ولكن هذا شيء وإن يصبح ثمن ذلك حقوقه
الوطنية شيء آخر.. (وهنا يكمن جوهر اللعبة السياسية الأمريكية، وجوهر
الضغط العسكري الإسرائيلي).
وحتى لا يقع الفلسطينيون في مصيدة المعتقلين وهم يسيرون
على خارطة الطريق عليهم أن يتأكدوا بأن نهاية الطريق واضحة وليست حقلا
للتفاوض والمساومات...
وبدون ذلك من العبث البحث عن صيغ لإيقاف المقاومة، لأن ذلك مخالف لمنطق
الشارع والأخلاق وطلاب الحرية... والشعب الفلسطيني ليس مجموعة كشافة ذاهبة
للاستطلاع...
|