المجتمع الصهيوني يترنح، أم أنه التوجيه الإعلامي؟

تكاثرت في الآونة الأخيرة الاستطلاعات الموجهة للشارع الإسرائيلي، لقياس موقفه من الحركة السياسية الجارية، خاصة بعد قمتي العقبة وشرم الشيخ، ويبدو للمتمعن وكان خطة ما جاءت وراء هذه الحملة من الاستطلاعات التي أجرتها أكثر من مؤسسة إسرائيلية، وجاء تسلسل نشرها المتقارب زمنيا، ليشير إلى توجه سياسي ما نحو الشارع الإسرائيلي.

فهناك استطلاعات تشير إلى أن أغلبية الإسرائيليين تؤيد إخلاء المستوطنات، واستطلاعات تشير إلى أن هذه الأغلبية وتكاد تكون متقاربة النسبة مع الأولى ترفض سياسة الاغتيالات التي يقوم بها شارون على يد جنرالاته، وهناك أغلبية، تنادي بضرورة إعطاء مهلة للحكومة الفلسطينية،...الخ من الأغلبيات التي أظهرها مسلسل الاستطلاعات المتتالية.

فهل تشير نتائج هذه الاستطلاعات إلى ضجر الشارع الإسرائيلي المتيامن والذي أعطى الليكود نسبة عالية في الانتخابات الأخيرة من سياسة الحكومة التي انتخبها والتي لم يمض على تشكيلها شهور، مع أن ما قدمته هذه الحكومة من برنامج كان ينفذ على الأرض وقبل الانتخابات وأثناء الدعاية الانتخابية؟

فقد ثبت منذ البدء أن سياسة الاغتيالات والاقتحامات وكل الأساليب العسكرية وسياسة الأرض المحروقة لم تجد مع شعب أصر على مقاومة الاحتلال وهدفه إنهاء هذا الاحتلال وبناء دولته المستقلة بحرية، ليعيش بكرامة، كما ثبت منذ البدء أن سياسة الاستيطان هي عائق كبير ومخطط من قبل الحكم الصهيوني أما التوصل لاتفاقات سياسية يمكن أن تسكت المعارضة الفلسطينية عنها رغم عدم قناعتها بها.

وثبت أيضا لهم أن كل الويلات الاقتصادية التي تعاني منها إسرائيل حاليا هي جراء سياسات الحكومة، وجراء شكل مغطى من الفساد السياسي الغائم على مقايضة الكتل وعصابات المافيا السياسية في إسرائيل على حساب المجتمع نفسه.

كل هذا يجري ولا تجري مظاهرة حقيقية واحدة من المعارضة الإسرائيلية سواء حزب العمل أو ميرتس، لأن الكل ينتظر أن يقفز ليبرمان وآفي إيتام وبني أيالون من قطار حكومة شارون، ليصعد ويعبئ الفراغ، ويقول "الآن يمكن للقطار أن لا ينحرف عن السكة"، مع أن تجربة حكومة الوحدة الصهيونية السابقة أثبتت أن ميرتس وبن أليعازر ليس إلى ظلا ملونا لشارون، وأن الموضوع كله لا يتعدى ألفاظ على حزب يتشرذم باضطراد.

ليست هذه صحوة شارع، ولا حتى صحوة نخب على الواقع القائم، بل هي عملية إدارة لمقود الحركة السياسة في إسرائيل باتجاه التوافق مع الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، وتمهيد الطريق أمام الحكومة الحالية لتعيد تشكيل أولوياتها السياسية بما يتفق مع الرؤية الأمريكية.

فقبل الانتخابات الأخيرة كانت كثافة العمليات الاستشهادية أعلى منها اليوم، وقبل الانتخابات الأخيرة، كان الاجتياح العسكري أقسر منه اليوم فما الذي تغير إذن في ذهن الشارع الإسرائيلي. هل كان يحتاج إلى حجر أخير لسيل دم رأسه ويصحو من حالة النشوة أو الذهول لما يجري...لا فرق؟

إن ما يجري من عملية تكثيف للاستطلاعات كآلية لقياس الموقف يمكن استخدامه أيضا في حالة التكثيف هذه كآلية لتوجيه الرأي العام وتوجيه الشارع، فالملاحظ أيضا أن الصحافة الصهيونية بدأت تغير من لهجتها. لدرجة بات واضحا أن الأمر مخطط ومبرمج.

أيضا يمكن القول أن الإسرائيليين يراهنون على انفلات الأمور في الساحة الفلسطينية، والوصول إلى حالة إضراب داخلي في حالة التهدئة من الطرف الإسرائيلي، وإن الهدف وكما أعلنه بعض الإسرائيليين من هذه التهدئة هي نقل المعركة إلى شوارع غزة ورام الله والتفرج عليها من إيرز وبيت إيل.

ما يجري في الحقيقة هو عملية توجيه للشارع، وما يجري داخل حزب العمل من تغييرات هو من أجل الاستعداد للقفز إلى مقاعد التي ستفرغ منها عربات قطار هذه الحكومة، ليكون هناك بيرس وبن اليعازر إلى جانب تومي لبيد، واستعادة المفاهيم التي أطلقها بيرس حول الشرق الأوسط الجديد، ليعدهم بجبال وهمية من الخبز والماء، خاصة بعد احتلال العراق، والترويج الذي يجري لإعادة تأهيل خط أنابيب الموصل – حيفا. ونقل معدات شركة سوليل بونيه الهستدروتية إلى بغداد وأم قصر والبصرة.

حالة التوجيه هذه لا تستغلها بنجاعة الحكومة الفلسطينية، بل أنها ترى في عملية التوجيه الإعلامي للمجتمع الإسرائيلي بدايات لثمار تنازلاتها، مع أن كل الموضوع وهم في وهم، لأن النتيجة لن تكون سوى الوصول إلى حالة ما قبل 28 أيلول.


[الصفحة السابقة]