الافتتاحية :: مطلوب إنهاء الاحتلال

يكثر المصرحون الأمريكيون على اختلاف مناصبهم، وتنجر إلى ذلك بوعي أو بدون وعي كثير من التصريحات الرسمية العربية والفلسطينية، من إطلاق تعبير "إقامة دولتين" إلى جانب بعضهما مع كل ما يرفق ذلك من بهارات حول العيش بأمان وحسن الجوار ... الخ.
أو حول دولة فلسطينية "قابلة للحياة"، وتحمل هذه التصريحات تضليلاً جوهرياً، وهو أن الدولة العبرية قد أقيمت وأصبح لها مخالب وأنياب، وباتت وحشا مفترسا يفترس كل ما حوله، فيما الدولة الفلسطينية لا زالت مشروع مخاض صعب وعسير. سواء من ناحية مكانتها القانونية أو من حيث مضامينها وعلاقاتها الداخلية والخارجية.

بمعنى أن مشروع إقامة الدولة الفلسطينية لا زال يتطلب عوامل كثيرة كي يتحقق على الأرض، وأساس هذه العوامل ورأس سنامها أيضا هو إنهاء الاحتلال كعدوان على شعب، وكانتهاك لحريته في تقرير مصيره، فالأولى من بحث الدولة ومضامينها، هو الإقرار بمبدأ زوال الاحتلال ومشتقاته على الأرض المحتلة عام 1967، وأهمها زوال الاستيطان صغيره وكبيره، سواء كان استيطاناً "أمنيا" أو "سياسياً" ودينيا وغير ذلك فكله عدوان على الأرض الفلسطينية وهو بالتالي لابد من رفعه وزواله.

إن تركيز العمل الوطني الفلسطيني على أولوية زوال الاحتلال واستغلال التلميحات الدولية المختلفة بضرورة نوع من التواجد الدولي الفلسطيني ، يؤكد ضرورة السعي من أجل تحويل إمكانية الحماية الدولية للشعب الفلسطيني إلى واقع، هذه الحماية التي تشكل بداية عملية إنهاء الاحتلال.

ما جرى على شطآن البحر الميت الشرقية، من مداولات لا يشير أبدا إلى اتجاه نحو تجريم الاحتلال واعتباره أولوية يجب أن تزول، بقدر ما أكد أن ما يجري هو عمليا محاولات إنقاذ إسرائيل من ورطتها، ومحاولات لفتح الأبواب العربية أمام دور اقتصادي لها، وبالتالي ورغم كل تصريحات عنان وباول وغيره، حول الدولة لا زال هؤلاء يجرمون مقاومة الشعب الفلسطيني، وينجر بعض العرب الرسميين متهافتين نحو تجريم المقاومة.

ورغم أن المحاولات تجري بشكل مستمر لخلق حالة فلسطينية تبتعد عن الاحتراب الداخلي، إلا أن سياسة شارون وتماديه في عمليات الاغتيال والتوغل، وتعزيز عمليات تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية، يشير إلى أن سقف شارون فيما يطلبه من حكومة أبو مازن أعلى بكثير مما يجري حتى الآن، إنه يريد لأبو مازن أن يعمل شرطياً لديه وإلا تدخل هو مباشرة.

أمام هذا الواقع فإن المطلوب فلسطينياً هو بناء قيادة وطنية فلسطينية موحدة، مركز استراتيجيتها هو إنهاء الاحتلال ومشتقاته، قيادة تخضع العمل المقاوم للاستراتيجية السياسية الموحدة، قيادة تنضبط للأهداف الوطنية، وتراعي في تكتيكاتها مجمل المتغيرات الداخلية والخارجية قيادة تضبط أيضاً إيقاع الكفاح الوطني وحركته السياسية، وتبنى تحالفاتها الشعبية العربية والدولية، بما يؤمن أوسع عملية تضامن وضغط لأجل تحقيق الأهداف الوطنية.

لذا من السخف تضييع الوقت أيضاً وتقزيم عملية الحوار الوطني إلى مجرد بحث في "هدنة أو وقف إطلاق نار"، وكأن صواريخ الشعب الفلسطيني باتت تهدد الكيان الصهيوني تهديداً حقيقياً. فيما البادئ هو الاحتلال، ومن السذاجة النظر إلى الحوار بنفس الطريقة الاستخدامية السابقة، لأن في ذلك دوران في نفس الحلقة المفرغة التي بدأت مع أوسلو، والتي ربما لا تنتهي إلا بفرض الشروط الأميركية والإسرائيلية كشروط إذعان على شعبنا.


[الصفحة السابقة]