النكبة.. المنفى..الوطن
وحق العودة

قبل خمسة وخمسون عاما كانت النكبة الفلسطينية. وكان المنفى. ومن يومها والشعب الفلسطيني هو شعب المنفى بامتياز. المنفى ذلك الاقتلاع المدمر وبقوة السلاح لمئات الآلاف من البشر و إحلال جماعة بديلة مكانهم.

استيقظ الفلسطينيون في صيف 1948 ليجدوا ذاتهم خارج المكان والزمان..المكان يبتعد, لم يعد هناك وطن, تحولت تفاصيل الحياة اليومية, تفاصيل البيت, المدينة, الحقل, شوارع القرية إلى مجرد ذكريات, ليحل محلها المخيم كمكان جديد, وطن جديد يبحث عن تفاصيل وذاكرة ومبرر لعلاقات جديدة..

في غمرة هذا الزلزال الاجتماعي المدمر, يهتز اليقين, الثقة, لتفسح المجال لحقائق جديدة, مرّة, قاسية وجارحة.

في ثقافة المنفى الاجتماعية يغيب الوطن كملموس, محدد, تفاصيل, ليحل مكانه الوطن كفكرة, موقف, يوطوبيا تحفظ للجماعة المنفية وحدتها ومبرر وجودها ومقاومتها. يتحول الوطن إلى مقدس, ليبرر, ليمنح الشرعية. يصبح الوطن حلما, هدفا, وليس الوطن كما هو في الحقيقة والواقع بكل تفاصيله وتناقضاته وظواهره وعلاقاته الاجتماعية.

الوطن في وعي اللاجئ الفلسطيني أمل يحتوي شحنة نفسية هائلة يحتاجها ليقاوم ويحفظ بقاءه ووجوده, ولهذا فهو نموذج يحتوي كل عناصر الطموح لوطن مفترض, متخيل, يرتسم عند نهاية الأفق, انه يشبه امرأة جميلة تسكن الأعماق ليمارس معها كل أنواع العشق الروحي وهو يقاوم.

هكذا هو الوطن في ذاكرة المنفى الفلسطيني, ولأن المعادلة بهذه الحدة والوضوح, فان سلوك مجتمع المنفى يتسم بتناقضات عميقة. فهو من جانب يميل للحدة والحسم في صراع البقاء اليومي في المخيم, وهو من جانب آخر يملك قدرة مذهلة على المرونة والتكيف في مواجهة تحديات وعلاقات الواقع الجديد.

يتعاظم الإحساس بالذات, الالتفاف حول الشعارات الكبرى, التمسك بالأهداف, رفض المساومة على الفكرة, لأن المساومة على الوطن أو حق العودة في سوسيولوجيا جماعة المنفى التي فقدت كل شيء, ولا تملك شيئا, لا تقف عند حدود المساومة السياسية بمعناها المباشر, إنها تتخطى ذلك لتشمل روح الجماعة, خصوصيتها, وحدتها. ولهذا فان ردود فعل مجتمع المنفى حازمة وواضحة في مواجهة أي مساس بهدفها المقدس, بقيمها التي تربطها بالوجود وتبرر حقها في المقاومة, عكس ذلك يعني التفكك وفقدان المزيد من الكرامة واحترام الذات.

في مخيم اليرموك, جنوب مدينة دمشق, حيث يعيش منذ خمسة وخمسون عاما عشرات آلاف اللاجئين. تلتقي الأجيال. بعضها رحل وهو يحمل في الذاكرة ما بقي من شظايا الوطن, وبعضها يخطو نحو قدره وهو لا يزال يتذكر. يحلم ببعض التفاصيل أو الملامح العامة لبيت, مدرسة, قرية, مدينة, شجرة تين, بئر ماء, معالم درب منسية بين الكروم وأشجار الصبّار. غادرها وغابت منذ عقود. وأجيال شابة, لم تر الوطن, ولدت في المنفى, فتحت عينيها على الوطن الجديد,المخيم, تعلمت العيش فيه ومعه.. لكنها مغمورة بذاكرة الجماعة وتاريخها الشفهي والمكتوب. مليئة بالرموز المنثورة في أرجاء المخيم. ذاكرة مشحونة متوترة, قلقة, حادّة وجارحة. تتكيف مع بؤس المخيم وتقاوم.

يفاجئوك أحدهم وهو يخرج من صندوق قديم مفتاح صدئ:
" هذا مفتاح بيتنا في لوبيا, البروة, الشجرة, صفد, يافا, عكا, حيفا, المجدل, عسقلان............"

هل البيت لا زال قائما؟ لا يدري, هل المفتاح يستطيع التآلف مع قفل الباب الذي هجره قبل خمسين عاما؟ ماذا لو تم تدمير البيت أو تغيير القفل؟!! كل هذا لا يهم, وليس له قيمة مباشرة.. الأهم حضور الذاكرة وحدتها, وتوريث الحكاية والحق. إعلان الانتماء بصورة حاسمة.

هكذا تصبح قطعة الحديد الصدئة رمز مقدس. تعويذة لها قوة الإقناع. إنها دلالة الوطن الملموس الذي كان... إذن الحديث لا يدور فقط عن وطن متخيل أو مفترض, بل عن وطن محدد لكنه اختزل إلى مفتاح أو أسماء مكتوبة بسرعة على جدران المخيم أو البقالات لتؤشر للأصل الأول.
هذه الحقيقة الراسخة في نفسية المنفى الفلسطيني تخطت جموع اللاجئين إلى عوم الشعب الفلسطيني, بما في ذلك الجزء الذي لم يغادر مكان المنشأ منذ آلاف السنين.. لقد أصبح المنفى إحساس عام, ينعكس في المقاومة الشاملة, كما يتجلى في الثقافة بكل حقولها..ولهذا توحدت المقاومة من أجل العودة, استعادة الوطن المفقود, مع المقاومة من أجل إنهاء الاحتلال واستعادة الوطن المحتل, وكلا الحالتين تعكسان الغربة ونفسية المنفى ببعديه المادي والمعنوي. المنفى بما هو اقتلاع مادي من الوطن,والمنفى بما هو عيش تحت ظل الاحتلال.

قد يتفق السياسيون وقد يختلفون. قد توقع الاتفاقيات ويتم الاحتفال بالسلام..! ومع ذلك, فان كل هذا لا يعني لملايين اللاجئين سوى المزيد من المرارة والغضب, حيث يستمر المخيم كمجال اجتماعي, كذاكرة, يفعل فعله في تغذية أعماق اللاجئ حول حقوق مقدسة يجري امتهانها والقفز عنها.. وكل ذلك لا يدفع إلا نحو مزيد من المقاومة واثبات الحضور. حينها كيف سيجيب السياسيون عندما يسأل مجرد طفل فلسطيني لاجيء من مخيمات سوريا , لبنان, الأردن, ومخيمات الداخل:

إذا كانت هذه هي النهاية البائسة لقضيتنا, لماذا تركتمونا إذن نعيش منذ خمسين عاما ويزيد تحت سقف البؤس الواطئ في المخيمات, لماذا جعلتمونا ننتظر كل هذه السنين, نتحمل ونقاوم ونموت؟؟؟؟!!!!

من يستطيع أن يقتلع فكرة الوطن, العودة , من ذاكرة شعب تضج بالحنين والشعور بالظلم التاريخي واليومي المستمر؟!
لقد تحول الوطن وحق العودة كفكرة وموقف وممارسة في وعي اللاجئ الفلسطيني إلى أيديولوجيا, عقيدة, هي أقرب للمقدس الذي لا يجوز المساس به.
وما دامت المعادلة كذلك فإنها ستبقى تدفع نحو المقاومة والفعل...وهنا يكمن جوهر المسألة وجذرها الهائل....


[الصفحة السابقة]