|
الاحتلال الأمريكي للعراق: من إسقاط النظام إلى
تفكيك الدولة
لم يكن سعي أمريكا المحموم بعد سقوط بغداد لرفع
العقوبات الجائرة التي استمرت ثلاثة عشر
عاما على العراق وشعبه، محض اتجاه
نحو تسهيل الحياة على الشعب العراقي الذي لم يعد قادرا على شراء رغيف
الخبز، بل جل ما سعت أمريكا إليه في هذا المجال هو أن تجعل ارض الرافدين
سداحا مداحا للتجارة المشروعة وغير المشروعة، وان تخلق فوضى سوق وفوضى
اقتصاد وفوضى اجتماعية تعزز من تفكيك الدولة العراقية ليصار بعد ذلك لإعادة
صياغتها وفق المشيئة الإمبريالية وبما يجعلها بلدا مستهلكا لا منتجا أسوة
ببلدان الخليج العربي الأخرى.
ولا غرابة أن يترافق قرار مجلس الأمن الدولي برفع
العقوبات عن العراق دون حضور ممثل العراق لهذا النقاش، والإقرار، لا غرابة
أن يترافق مع تشريع احتلال العراق وإناطة صلاحيات واسعة لسلطة الاحتلال،
سواء من النواحي الاقتصادية أو من النواحي السياسية والعسكرية، فالقرار هو
رزمة شاملة وربح صافي للإمبريالية الأمريكية، أعطاها سلطات الدولة
العراقية، دون أن يحدد مدى زمنيا لهذا الاحتلال أو تحديدات على السلطة فيما
يتعلق بإصدار التشريعات والأوامر العسكرية، وبما يعطي الاحتلال الأمريكي
فرصة لإحكام السيطرة بعقود مشرعة دوليا على ثروة العراق وعلى مستقبله
القادم حتى وان رحل الاحتلال.
بعد القرار الدولي هذا، أصدرت السلطة المحتلة قرارا بحل
الجيش العراقي ذو التاريخ العريق والماضي المشرف حتى في عهد نوري السعيد
وعبد الإله، حيث شارك هذا الجيش في معارك فلسطين ومعارك الجولان ومعارك
عربية كثيرة، شهد له الجميع فيها بالبسالة والشجاعة والمهنية والشرف.
وبالتالي فان حل الجيش العراقي يعني التخلص من تراث هذا الجيش والذي تراكم
عبر عقود طويلة وصارت له تقاليده الخاصة والتي لم يستطع حتى صدام حسين
بجبروته أن يتجاوزها.
بعد ذلك وعلى خلفية حل الجيش، حلت سلطة الاحتلال
الأمريكي هيئة التصنيع العسكري العراقية وسرحت موظفيها من مهندسين وعلماء
وموظفين وتقنيين، كما حلت كثير من المؤسسات المدنية بدعوى ارتباطها بالنظام
السابق.
وإمعانا في ذلك، نزعت سلطة الاحتلال الأمريكي الصفة
الدبلوماسية عن كل الممثليات الأجنبية في العراق لتصبح سفارات الدول في
العراق هدفا من أهداف التفتيش الأمريكي، عدا عن كون ذلك يعني إنهاء العراق
كدولة وإنهاء علاقاته الدولية والعربية، وقطع أي علاقة له بالمجتمع الدولي
بما يطلق يد الاحتلال في تشكيل الدولة العراقية القادمة.
لقد احتلت إسرائيل الضفة الغربية ومنها القدس ، لكنها
لم تنزع الصفة الدبلوماسية عن العديد من القنصليات الأجنبية في المدينة،
كما أن هذه القنصليات رفضت التدخل الإسرائيلي بشؤونها باعتبار أن القدس
مدينة محتلة ولا يجوز لسلطة الاحتلال أن تغير من واقع وجود هذه القنصليات،
أما جورج بوش فيفعل ذلك دون وقاحة.
وإذا قصد الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على ارض ومياه
الضفة والقطاع وعمل منهجيا على مصادرة الأرض واستيطانها، ونهب المياه، فان
(الأرض) في العراق هي منابع النفط، وبالتالي فان إعادة صياغة الدولة
العراقية تهدف أول ما تهدف إلى صياغة أسس استثمار الثروة النفطية العراقية
وحماية الأسس الجديدة للاستثمار بجيش مصمم ومبني لهذا الغرض، يدعم مؤسسة
سياسية تعتاش على الريع ولا تنتج.
إن أمريكا وبعد أن ضمنت سقوط نظام صدام حسين تعمل على
تفكيك دولة مؤسسة في الأمم المتحدة دون أي اعتبار للقانون الدولي، كما أنها
تعمل على تغيير معالم النظام السياسي، والثقافة السياسية، عدا عن السعي
لتقسيم العراق واقعيا وليس رسميا وبما ينهي حالة سادت لفترة طويلة تؤكد
وحدة هذا البلد.
أنها تدرك أن العراق قوة مركزية عربية وربما يعتبر
(بروسيا العرب)، وبالتالي لا بد من إغراقه في مستنقع التبعية والمديونية،
وتعزيز النزعة الاستهلاكية بدل التطور الإنتاجي في أوساط شعبه ومؤسساته.
ولعل الغائب الأكبر والمحتار الأكبر عدا الأمم المتحدة
هو الجامعة العربية، والتي لم تنبس ببنت شفة حول من يمثل العراق كدولة
موسسة في الجامعة العربية، وهل الاحتلال الأمريكي للعراق هو احتلال (شرعي)،
هل تقبل جامعة الدول العربية بقرار تشريع الاحتلال الذي أصدره مجلس الآمن
تحت الترغيب والترهيب الأمريكي للدول دائمة العضوية وغير الدائمة؟
سؤال مطروح على الأنظمة الرسمية العربية قبل أن يكون
مطروحا على المتعب عمرو موسى.
|