مزارعو محافظة قلقيلية يعانون الأمرين ولا من مجيب !!
حصار خانق ..مصادرة مصادر الرزق ..وخسائر بالملايين ..والحبل على الجرار

كغيرها من محافظات الوطن ، عانت محافظة قلقيلية وما تزال تعاني من سياسات الاحتلال الصهيوني بكافة أشكاله ، مع خصوصية جعلت مساحة وشدة الاستهداف لها أكثر من غيرها من المحافظات ، وقد يكون لما حباه القدر لهذه المحافظة المنكوبة تاريخيا من ميزات، الأثر الأكبر في استهدافها ، حيث موقعها الجغرافي الذي يقع مركزه على بعد اثني عشر كيلو مترا فقط من شواطيء المتوسط ، وتماما فوق اكبر مخزون جوفي مائي يشكل ما نسبته 52 % تقريبا من الإمكانيات المائية الفلسطينية بطاقة متجددة تفوق أل 260 مليون متر مكعب في السنة ، بالإضافة إلى نقمة الاحتلال التاريخية عليها كونها شكلت أطول خط دفاعي عن حدود ما تبقى من الوطن بعد نكبة فلسطين الأولى عام ثمانية وأربعين .

مسلسل الاستهداف بدأ وقتها أو قبل ذلك بقليل ، حيث تم احتلال أكثر من 70 % من أراضي قلقيلية الزراعية الأخصب في فلسطين عام 48 ، ثم امتد سرطان الاستهداف ليطال ما تبقى بعد النكبة الثانية عام 67 من خلال سياسات الاحتواء الهادفة إلى تنفيذ مخططات التهجير بزرع أكثر من عشرين بؤرة استيطانية كبيرة على أراضيها تضم أكثر من ربع المستوطنين في الضفة الغريبة ، لتشكل المنطقة الاكثف استيطانيا بعد القدس ، ومن خلال سياسات الهدم والتجريف وإقامة الطرق الالتفافية والمصادرات الأمنية وغير الأمنية .

الهجوم على قلقيلية توجه جدار الفصل العنصري الأخير ، في حلقة قد لا تكون الأخيرة ، وفي تقريرنا هذا نسلط الضوء على واحد من أهم قطاعات المعاناة اليومية في محافظة قلقيلية ، قطاع الزراعة ، كونه القطاع الأكبر والأكثر استهدافا ، على أن يتكامل الموضوع في حلقات تالية تشمل كل قطاعات الاستهداف والمعاناة العمالية والتجارية والخدمية .

جدار الفصل العنصري والسجن الكبير

أحاط جدار الفصل العنصري بمحافظة قلقيلية احاطة السوار بالمعصم ، مشكلا حلقة مغلقة تماما إلا من بوابة رئيسة واحدة عند مدخلها الشرقي ، جاعلا منها سجنا كبيرا بكل ما تعنيه الكلمة ، ولكن ذلك لم يتم إلا بعد حملات شرسة من المصادرة والتجريف ، حيث كانت تبلغ مساحة محافظة قلقيلية الإجمالية قبل انتفاضة الأقصى حوالي 170 ألف دونم ، منها 132 ألف دونم صالحة للزراعة ، تشمل 72 ألف دونم مزروعة فعليا .

جدار الفصل العنصري الصهيوني جرف أكثر من 3500 دونما ، وحجز خلفه " تمهيدا للضم " أكثر من 20 ألف دونم تضم أكثر من 70 % من الأراضي الزراعية المروية الخصبة ، تاركا مئات الأسر الفلسطينية بلا أي مصدر للرزق ، في ظل ظروف احتلالية اقل ما يمكن أن توصف به أنها نازية ، علما أن استهداف المزارعين الفلسطينيين بشكل عام وفي محافظة قلقيلية بشكل خاص اتخذ أشكالا أخرى لا تقل فاشية من خلال استهداف مصادر المياه بمنع حفر أي بئر ارتوازي بعد احتلال عام 67 ، وبوضع عدادات مركزية على الآبار القائمة لتحديد كميات المياه المسموح باستغلالها ، ومن خلال إغراق الأسواق الفلسطينية بالمنتجات الإسرائيلية بأسعار زهيدة أثناء مواسمها كالحمضيات على سبيل المثال ، وغير ذلك .

استهداف المشاتل الزراعية حلقة أخرى من حلقات الاستهداف

المشاتل الزراعية في محافظة قلقيلية كانت حتى وقت قريب مفخرة الزراعة الفلسطينية ، حيث وصلت إلى درجة عالية من التطور على مستوى الشرق الأوسط فاقت مثيلتها في لبنان بشهادة وفد زراعي ياباني زار المحافظة قبيل انتفاضة الأقصى بقليل ، هذه المشاتل بعددها البالغ أربعين مشتلا كبيرا شكلت ما نسبته 70 % من مشاتل الضفة الغربية ، ومنذ بداية الانتفاضة كانت هي الهدف الأول في سياسة الاستهداف ، حيث تم الاعتداء على أكثر من 30 مشتلا منها بشكل مباشر " بالتجريف والحرق والتدمير وإطلاق النار " كليا أو جزئيا ، وتم اقتلاع وإزالة أكثر من سبعة منها من الوجود بشكل تام ، مما شكل خسارة مضاعفة لقطاع الزراعة الحديثة والمزارعين وعشرات الأسر ، ليس في محافظة قلقيلية فحسب ،بل لعموم الوطن .

خسائر بالملايين .. من يعوضها ؟؟
فاقت خسائر القطاع الزراعي وحده في محافظة قلقيلية أل 12 مليون دولار بشكل مباشر " التدمير والنقل " وأكثر من 70 مليون دولار بشكل غير مباشر " انخفاض الأسعار وزيادة أسعار المدخلات الإنتاجية وعدم التسويق والآثار الناتجة عن المضايقات والحصار والإغلاق " ، ليبقى سؤال آلاف الفلاحين الفلسطينيين معلقا بلا جواب : متى وأين وكيف يتم التعويض عن كل هذه الخسائر الفادحة ، إذا كان الحبل أصلا على الجرار وما وصلنا بعد لنهاية الطريق ؟؟؟
الأسوأ لم نصل إليه بعد ..

واقع الحال المر يشير إلى أن الوضع الأسوأ لم نصل إليه بعد ، بل قد نصل إلى الأكثر قتامة وسوداوية بعد الحل النهائي واستكمال بناء الجدار ، حيث أن 19 بئرا ارتوازيا بطاقة إنتاجية تفوق الثلاثة ملايين كوب في السنة من اصل 69 بئرا تقع خلف الجدار ، وأكثر من أربعين بئرا تضررت خطوطها وشبكات ريها بشكل مباشر بسبب التجريف ، وحيث سيتم ضم عدة قرى تمتلك مساحات زراعية كبيرة " مثل وادي الرشا وراس طيرة والضبعة وعزون عتمة وعرب الرماضين وعرب أبو فروة " بشكل رسمي لسلطات الاحتلال خلف الجدار ، وحيث من المتوقع أن يقتطع التعديل الشرقي الأخير للجدار أكثر من 30 ألف دونم أخرى في منطقة جينصافوط وما حولها .. والحبل على الجرار .. فهل من مجيب ؟؟؟؟


[الصفحة السابقة]