لا خارطة ولا طريق

بقلم: د. عزمي بشارة
لقد مرت في تاريخ التسويات المقترحة لقضية الفلسطينية اسماء عديدة ولكن أغربها واكثرها تناقضاً بين النص والتفسير وبين الواقع والتوقعات هي الورقة المسماة "خارطة الطريق" والتي يصر الإسرائيليون ان يطلقوا عليها بالعبرية اسم "خارطة الطرق"، والمعنى في نفس السياسي والصحافي، والتي قبلها العرب دون قيد أو شرط وبسرعة فائقة دلّت على حالة العجز واليأس والاستسلام لأي نطق أمريكي بعد ان امتنعت امريكا عن النطق مستفيدة من تجربة كلينتون كثيرة النطق ومعتمدة على الذراع للتنفيذ وعلى الفم للتعبئة والتحريض فقط بعد 11 أيلول.

ولذلك رحب العرب بخطاب بوش ثم طالبوا بخطة وآلية لتنفيذ مضمون الخطاب فجاءت "خارطة الطريق" نحو تنفيذ الخطاب، خطة الطريق دليل العربي الغريق. جاء كل ذلك بعد أن اقترح العرب للمرة الاولى في تاريخهم مبادرة سلام يجمعون عليها. وكان أول انجاز لـ"خارطة الطريق" هو وضع مبادرة السلام العربية التاريخية في الظل، ولم تبقِ "الخارطة" منها على الخارطة السياسية إلا لفظ "مبادرة الامير عبد الله" من بين مبادرات واقتراحات عديدة اخرى ذكرت كمصادر "لخارطة الطريق". أي أن المبادرة قامت منذ البداية بمراضاة العرب بذكر مبادرتهم بدلاً من قبولها او الدعوة الى تطبيقها.

وجاء انجاز "الخارطة" الثاني عندما قبلها العرب دون شروط وطالبوا اسرائيل بقبولها، في العامية السياسية العربية الممجوجة يسمى هذا الفعل "تخفيض سقف". لقد أضحى قبول اسرائيل لـ"خارطة الطريق" بقدرة قادر مطلبا عربيا ملحا وانجازاً تاريخياً للعرب اذا تحقق. ينتظر العرب موافقة شارون على "خارطة الطريق" الامريكية، واذا وافق فسوف ينتظرون التفاق مع اسرائيل على تفسيرها ثم موافقة اسرائيل على تطبيقها كما انتظروا تطبيق القرارين 242 و338 بعد ان وافقت عليهما اسرائيل، وتطبيق تقرير ميتشل وخطة تينت بعد ان وافقت عليهما ايضا والقائمة طويلة ويكاد النسيان يطوي معظم ما فيها.

أما الانجاز الثالث فقد تمثل بقيام السلطة الفلسطينية بتنفيذ اصلاح تشترطه "الخارطة" تمثل بمحاولة تحييد ياسر عرفات وإبعاده او اقصائه عن عملية صنع القرار تمهيداً لقبول ما لم يقبل في الماضي. وتستخدم وسائل الاعلام الغربية والإسرائيلية بشكل مغرض، ولكن بمثابرة وبوضوح عبارة "القيادة الفلسطينية الجديدة" لوصف الحكومة الفلسطينية الجديدة التي ولدت كتطبيق لأحد بنود خارطة الطريق. ويتم بشكل قاطع وبدون تدريج مجافاة حقيقة ان "القيادة الجديدة" قامت بتكليف رسمي من الرئيس الفلسطيني المنتخب (المنتخب بالمنطق الامريكي ذاته) ووفق عليها في المجلس التشريعي بدعم منه . وكأنه تمت المحافظة على حياته فقط لغرض منح الشرعية لبدائله.

لو قبلت اسرائيل خارطة الطريق وباشرت الاطراف في تنفيذها، ولو قبل الفلسطينيون بتنفيذ بنودها الأمنية المفصلة فسوف تنسحب اسرائيل، اذا سلمت ان الفلسطينيين قد أدوا واجبهم ونفذوا التزاماتهم، الى خطوط 28 أيلول ما قبل الانتفاضة. بعد ذلك فقط سوف يتضح ان خارطة الطريق قد جلبت معها انجازين جديدين. لا حاجة لانتظار تلك المرحلة لتذهنهما. وما على المرء الا ان يقرأ التصريحات والمواقف الاسرائيلية بتمعن:

يتلخص اولهما، "الإنجاز الرابع"، بان اسرائيل لم تعد تكتفي بوقف اطلاق النار ولا يرضيها تفاهم فلسطيني داخلي على الهدوء او وقف التصعيد او وقف فالعمليات، وما شابه. انها تشترط اقتلاع الفصائل، "المنظمات الارهابية"، من جذورها بعد تجريدها من السلاح. لو تم هذا كله فستعود اسرائيل للتفاوض مع الفلسطينيين أولاً على دولة فلسطينية مؤقتة الحدود في المناطق "أ" و "ب"، ثم على نفس قضايا الحل الدائم التي تم التفاوض حولها في كامب ديفيد ولكن بتصلب اسرائيلي اشد مما كان في كامب ديفيد، ومع ادارة امريكية أقل وداً للفلسطينيين.

وهنا يصح ذكر "الانجاز الخامس": لم تعد اسرائيل تقبل بالتفاوض على مسألة اللاجئين، انها تطالب الفلسطينيين بالتخلي عن حق العودة كشرط للمفاوضات. لم يقبل أحد بهذا الموقف الاسرائيلي الاخير بعد، ولكن اسرائيل تجرؤ على طرحه كأحد الشروط في المزاج السياسي القائم حول الخارطة.

هكذا تبدو طريق خارطة الطريق حتى الآن، مجموعة من الانجازات الامريكية الاسرائيلية في العلاقات العامة قبل ان تتفضل اسرائيل بقبول الورقة الامريكية. وتمنح امريكا الشروط الاسرائيلية اذناً صاغية لدى تطبيق اجتماع شارون ببوش المؤجل، او تتفاهم معها على تفسير الخارطة دون تغيير نصها او حروفها. يلغي شارون اجتماعا مع بوش لكي يجمع حكومته لبحث نتائج عملية فلسطيينة ضد حافلة اسرائيلية في القدس. لنتخيل قيام زعيم عربي بالغاء ان تأجيل زيارة لبوش.


[الصفحة السابقة]