|
العراق وبعده العربي في المستقبل
بعد أن تمكنت قوات الغزو الأمريكية والقوى المتحالفة
معها من بسط نفوذها العسكري على العراق، بدأت هذه القوات في صراع مع القوى
السياسية والهيئات الدينية والاجتماعية التي لها نفوذ فعلي على ارض العراق،
بعد أن اتضح للقوات الغازية أنها لم تستقبل بالورود ونثر الأرز كما صور لها
أركان المعارضة العراقية الخارجية التي قدمت مع الدبابات الأمريكية. فمنذ
اليوم الأول للغزو قوبلت هذه القوات بالمظاهرات، وكذلك بعض عمليات المقاومة
العسكرية والتي لازالت في بداياتها، لكنها مؤشر أن الاحتلال لن يتمتع
بالهدوء والاستقرار إذا لم يستعجل الرحيل.
لقد أسقطت اللحمة التي تجسدت بين قوى المعارضة الداخلية
بكافة أحزابها وفئاتها الاجتماعية والطائفية، باعتبار أن هذه القوات هي
قوات غزو واحتلال، وضرورة مغادرتها بأسرع وقت ممكن، وإذا لم ترحل سلميا،
فالمقاومة ستأخذ الطابع المسلح، وأسقطت كذلك الكثير من المراهنات على
إمكانية لعب القوات الغازية على وتر الطائفية الدينية في ايجاد الداعمين
لوجودها.
إن الحرية والديمقراطية التي تبدوا ظاهريا للعيان أنها
قد بدأت في العراق، ليست سوى أكذوبة حاولت قوات الاحتلال والغزو الظهور من
خلالها كنقيض للنظام السابق، مع العلم أن العراقيين وباستثناء القلة منهم
التي أتت على الدبابة الأمريكية، تعرف أن الحرية والديمقراطية أمران لا
يأتيان مع الدبابات الغازية، ولا في ظل الاحتلال واستباحة التراب الوطني.
العراق بحاله اليوم لن يستمر طويلا، فالعراق الذي عرف
أول الحضارات منذ فجر التاريخ، والذي قاد شعبه الثورات والتمردات ضد
السلطات المركزية أو القوات الغازية، لم يكن يوما من المحيط، وإذا حدث وان
اصبح محيطا فانه يصبح مركز ا للمعارضة ضد السلطة المركزية، لقد كان دائما
مركزا. مركزا سياسيا وحضاريا وفكريا ومعارضا، هذا العراق لن ينكفيء عن لعب
دوره هذا وان غيب لفترة من الزمن.
إن العراق الذي يعيش في حالة الفراغ السياسي نتيجة
إسقاط النظام السابق، وعدم وجود البديل السياسي الجاهز مترافقا مع عدم
القبول بقوات الغزو ومن جاء معها كبديل، سيضع العراق لفترة مؤقتة في حالة
من عدم الاستقرار السياسي. فالتيار الديني بشقيه الشيعي والسني وهو الأقوى،
والذي كان مشتتا بين المنفى والمعتقل رغم بروزه كالقوة الجماهيرية الأكبر ،
إلا أنه لم يبلور أحزابا سياسية حتى الان رغم امتلاكه فكرا سياسيا. ويظهر
جليا هنا الصراع بين مدرستي مدينة النجف الأشرف والتي تنادي بعدم خوض رجال
الدين المعترك السياسي مباشرة، وبين تيار مدرسة مدينة قم التي تطالب رجال
الدين بتولي مقاليد السياسية مباشرة. أما الأحزاب الوطنية والعلمانية ومن
ضمنها حزب البعث التي بدأت بالظهور وافتتاح مقرات لها، فيبدوا أن نصيبها
وتأثيرها سيكون قليلا نسبيا نتيجة انقاطاعها عن العمل لسنوات طويلة في داخل
المجتمع العراقي، حزب البعث ونتيجة لحله من قبل القوات الغازية، والصورة
السيئة التي خرج بها بعد الغزو فانه مرشح أن يغير اسمه وبعض قياداته من
ناحية، ومرشح كذلك أن يخوض المقاومة المسلحة بشكل أبكر من الفصائل الأخرى.
أما الأحزاب التي قدمت مع الدبابة الأمريكية مثل الدستوري الملكي أو حزب
أحمد الجلبي، فإنه لا يكاد أحد يسمع بها، رغم التأييد الأمريكي لقياداتها
وتقديم الدعم والاسناد لمناصيرها، ومحاولة قادة القوات الغازية تثبيت رموز
هذه الأحزاب في بعض المواقع الخدماتية الحساسة.
بعد أن فقدت قوات الغزو رهانها على أحزابها التي
استقدمتها معها، بدأت تلعب على وتر العشائرية، في محاولة يائسة منها
لاستمالة وجهاء العشائر وقادتها، ونصبت جزءا منهم في مهام إدارية كما حدث
في البصرة . ورغم خطورة هذه الخطوة كونها ترمي إلى إعادة عقارب التاريخ إلى
الوراء، إلا أن الاستجابة لها حتى الان لا زالت محدودة. أما حلم الأحزاب
الكردية بالانفصال وتشكيل نواة الدولة الكردية، فانه يلقي معارضة شديدة من
دول الجوار تركيا وايران وسوريا، إضافة إلى أن البرجوازية الكردية التي
اندمجت وحصلت على حصتها من سوق العراق الموحد منذ وقت طويل ، لا ترحب في
الظرف الحالي بفقدان هذا السوق الواسع، إذا أخذنا بعين الاعتبار، أن سوق
منطقة كردستان يكاد يكون محصورا لها.
إن عراق المستقبل لن يكون غير العراق الممتد في عمق
التاريخ والحضارة، مضافا إليه العراق ذو الثروات الباطنية، حيث يعتبر جزيرة
عائمة على بحر من النفط، وهذا هو السر الأول الغزو الأمريكي البريطاني
للإستيلاء على هذه الثروات، وعراق الغد سيبقى المنارة العلمية التي أتت
ركائزها عبر وجود الكم الهائل من العلماء والباحثين في مختلف مجالات العلوم
وخاصة التطبقية منها، مما سيبقيه بوجود هؤلاء العلماء والباحثين مصدر خطر
على الوجود الاستعماري الامريكي في المنطقة وقاعدته المتقدمة إسرائيل.
ان العراق بشعبه وطاقاته وثرواته سيبقى له الدور
المركزي في صنع القرارات المصيرية الخاصة بالمنطقة، وان الاحتلال العسكري
الرامي الى ابعاده عن هموم المنطقة ومصيرها لن يستطيع تحقيق مطامحه لما سبق
ذكره.
|