|
حتى لا نظلم شعب العراق
نظرة أخرى فيما حدث
لماذا حدث ما حدث؟ وماذا حلَ بالمقاومة العراقية
المفترضة؟ لماذا لم يقاتل الشعب العراقي في مواجهة الغزاة كما كان مفترضاً؟
ولماذا ووجه المتطوعون العرب بالرفض والتشكيك؟ وكيف نفسر موجة السلب
والتدمير العبثية التي طاولت مدن العراق على يد أبنائه أنفسهم؟
هنا محاولة للإجابة في سياق آخر يحاول الاقتراب من الحالة بعيدا عن التهم
والتشكيك، والأهم بعيدا عن إساءة الظن بشعب عربي حر عاش مرحلة عصيبة وما
زالت مستمرة.
الأيام التسعة الأولى من العدوان الهمجي على العراق، طرحت أسئلة متعددة
تبدو شائكة ومرهقة للعقل والوجدان، ولعلها من الممكن أن تلخص بقضايا ثلاث
مرتبطة فيما بينها أعني قضية الموقف من الغزو والموقف من النظام والموقف من
المتطوعين العرب.
من السهل الانجراف وراء تحليلات يدفعها الغضب وهي في
جوهرها مهينة توجه اللوم للشعب العراقي وتعيره بتجارب أخرى ومن السهل إطلاق
أقوال شامتة تذكر بصمود بيروت ونموذجه الأحدث في بطولات مخيم جنين، ولكن
الظروف غير الظروف والقتال غير القتال والمرجعيات مختلفة كذا الدوافع وقيم
المعركة.
وأظن من العدل إعادة الأحداث إلى سياقاتها الخاصة دون إسقاطات ذاتية تحمل
الأحداث مالا تحتمل وتغير وتبدل في عناصر الحدث خدمة لتحليلات خاصة ورغبات
شخصية لا تمت للعلم والكرامة بشيء البتة.
قد يكون صحيحا أن الشعوب لا تستقبل محتليها بالورود ولكن وعلى عكس
التحليلات الثورية الكلاسيكية فان من الممكن دائما للشعوب ألا تحمل السلاح
في مواجهة المحتل، ضمن ظروف محددة وشروط بالغة التعقيد.
ويجب أن نقر أن نظاما استبداديا لا يمكن أن يكون قادرا على صياغة شعب
مقاوم، فالحرية كل لا يتجزأ وهي شرط أساسي من شروط القتال ضد الغزاة،
والعبيد لا يدافعون عن جلاديهم أبدا، هذا ما علمتنا إياه تجارب التاريخ
وهذا ما يطرحه نموذج العراق بشكل خاص.
لنتخيل أسيرا قابعا في زنزانة مقيد اليدين وممنوع من الحواس، لا يرى سوى
الظلمة ولا يسمع سوى أصوات أحذية السجانين، وفجأة يدخل عليه (غول) ويبدأ
بفك قيوده!! هل سيقاوم، هل سيدرك أن الـ(غول) يريد أكله، أم سيفكر فقط في
استعادة ما يمكن من حواسه المسلوبة؟
لنضرب مثلا آخر، ولنتخيل شخصا واقعا في حفرة مع وحش كاسر، وهما في صراع
دموي، وثمة صياد في الخارج يريد فراء الوحش وقد أشعل النار حول الحفرة
لمحاصرته، وليس مهتما كثيرا بإنقاذ الضحية، هذه الضحية ستصرخ بالصياد "
أطلق النار" دون أن تعي فعلا ودون أن يهتم الصياد أن الرصاص لن يميز وأن
إصابة البريء هي احتمال كبير جداً!
إذاً.. ودون إعطاء أي مبرر للغزو الأنجلو-أمريكي الهمجي
على العراق، علينا أن نقر أن المجتمع العراقي كان مهيئا في أية لحظة لفك
عرى الارتباط والانفصال عن نظام الحكم، والنظام العراقي معروف بالأدلة
والوثائق بقمعه الوحشي لشعبه وقسوته البالغة في ملاحقة وتصفية معارضيه وعزل
شعبه كلياً عن العالم الخارجي، في ظل منع تام لأية حرية فكرية وأي حق
بمحاكمة فكرية مخالفة ومستقلة.
إذا لنفحص معا وضعية الشعب العراقي الذي يواجه بغزو لا مثيل له من قوة
معتدية غاشمة، وفي نفس الوقت يرزح تحت حكم ديماغوجي، تذكر شعبه وبطولة شعبه
وكرامته فقط عندما صار الغزاة على أبواب بغداد، ليستجدي من هذا الشعب الذي
كان يقمعه بالأمس، الدفاع عنه ونصرته!!
سيقول الكثيرون أن المعركة هي معركة الوطن والدفاع عنه،
سأوافق على ذلك بشرط إعطاء الفرصة للعبد المقيد للحديث عن آلامه ومعاناته
وأفكاره الخاصة.
ما هي الذهنية التي حكمت الشعب العراقي في مواجهته الافتراضية للغزاة وهو
تحت قمع بعث العراق؟ نعرف من علم النفس عموما وسيكولوجية الاضطهاد
وسيكولوجية الجماهير خصوصاً، أن المحاصر أو السجين إنما يتسم أولا وقبل كل
شيء بالعقلية الابتسارية التي يسببها العجز عن إقامة روابط سليمة في
سياقاتها الموضوعية وعن إقامة روابط صحيحة بين الوقائع المختلفة، ويحيل إلى
التجزيء والعزل والمعالجة النقطية لا الكلية.
إن العقل الإبتساري هو عقل عازل مفكك بسبب العجز عن الربط والمحاكمة
المتماسكة، لذلك فان النظرة إلى المحتل تشتمل على مستوى أساسي هو النظر إلى
ذلك الذي جاء ليفك القيود، والأسير يعزل تماما علاقة فك قيوده من قبل
الغول، عن أكله فيما بعد وهذا ما حدث، لم يكن ممكنا ربط النظام العراقي
بقضية الإخلاص للوطن، فأي سبب يمله المستعبد للدفاع عن مستعبده؟؟
إن عجز المحاكمة هي سمة لازمة للعقل الإبتساري الذي
يجعل المحاكمة قاصرة عن إدراك مرحلة ما بعد الصمود فهنا لا تتعلق المسألة
بربط الظواهر المتزامنة، وإنما بادراك المراحل المتلاحقة والمقدمات التي
تقود إلى نتائج، وقد برز هذا في مجالات متعددة لعل أبرزها النظرة إلى
المتطوعين العرب والموقف منهم، فهل هؤلاء مناصرون في التصدي للعدوان أم
مدافعون عن صدام ونظامه؟ قد يبدو هذا السؤال غريبا للبعض ولكنه في صلب
العلاقة التي جمعت الطرفين وهكذا تم النظر لهؤلاء المقاتلين من قبل الشيعة
على أنهم سنة مناصرون للنظام وليس كشباب متحمسين أخذت بهم العزة القومية
فهبوا لنجدة شعب الرافدين، ولم يرحب بهم بشكل أقل من قبل السنة كونهم
اعتبروا مناصرين لصدام أيضا ومثيرو قلاقل ومستفزين لجنود الأمريكان لاحقا.
وهكذا عاش الشعب العراقي في حالة من الخوف المزدوج، خوف من المحتل القادم
الذي كان ثمة مكان لقتاله في الضمير الجمعي، ما حدث في مناطق الجنوب بعيدا
عن رقابة النظام، ومن جهة أخرى خوف من النظام الذي كان التخلص منه يستحوذ
على الضمير وكانت المعادلة كالتالي على الأرجح ولست أزعم أنها صحيحة: إذا
انتصر العدو الأمريكي وزال نظام صدام فانه إما أن يكون محتلا طيبا ويرحل
بسرعة ويتركنا لشأننا (الغول لن يأكلنا وسيثبت أنه نباتي!) أو أنه سيحاول
الاستيلاء على البلد وعندها سنحاربه، أما إذا انتصر صدام فإما أنه سيعيد
النظر في أحوال نظامه وسيكافئ شعبه الذي نصره وهذا مستبعد وضعيف على ضوء
تجارب حربين سابقتين وحصار طويل، أو أن نصره سيؤدي إلى تعزيز سلبي ليتشبث
بأفكاره وأساليبه التي جلبت له النصر وهذا سيكون وبالا على الشعب، فالوحش
الذي في الحفرة سيلتهم الصياد ثم يعود لالتهام ضحيته الأولى، كل هذا دفع
الشعب إلى ما سأسميه الهدوء المُخفي أي التلاشي من ميدان المواجهة وترك
النظام يواجه مصيره بانتظار ما ستسفر عنه المعركة.
هذا الموقف يفسر لنا الفوضى اللاحقة للاحتلال وسقوط
المدن، ولعل من الغريب فعلا حالة النهب والسلب والفوضى العارمة التي حاصرت
البلاد والعباد مع سقوط البصرة وبغداد والموصل وغيرها، ونسجل أولا أنها
ليست ظاهرة مفردة في التاريخ وليس العراق وحده من وقع به هذا البلاء، حتى
في الدول الكبرى وفي الولايات المتحدة خصوصا في انتفاضة السود في لوس أنجلس
على سبيل المثال لا الحصر. وثانيا ليست الظاهرة مجرد سلوك مجموعة من السراق
والناهبين شاذة ضمن المجتمع، وليست مجموعة من المرتزقة القادمين مع المحتل.
لقد عرفنا أن الجوابين يحملان جزءا من الصحة، باعتبار أن جزءا من أعمال
النهب والتدمير كان منهجيا ومنظما ومقصودا في بعض القطاعات، لكن هذا جزء من
المشهد فحسب. إن أول ما ووجه به الشعب ساعة تلاشي النظام واختفاءه هو
انهيار المرجعيات. انهارت الدولة بل اختفت تماما برموزها وشاراتها وقوتها
المطلقة وضبطها العنيف، وهكذا فالشعب الذي وجد نفسه مرتبطا لسنوات طويلة
بسلطة مركزية بوليسية قمعية، اكتشف فجأة غيابا كليا لهذه السلطة، ووجد نفسه
كمن اقتلع من مركز الجاذبية لينقذف في فضاء من فوضا عارمة، فضاء من البدد
واللا معنى، وهذا بتقديري كفيل بإخراج كل أنواع الغرائز والتصرفات الغير
المنضبطة بل الأكثر لا توقعا.
لقد سقطت كل الروابط مع الزمن السابق وصار الشعب في
مواجهة زمن لا يعرف كيف ستتم صياغته، وإذا كانت هذه الحالة قد بدأت مع
مجموعات متفرقة كانت مرشحة أكثر من غيرها للانخراط في إعصار الفوضى، فان
لهذه الأخيرة عدواها أيضا، عندما تنتقل إلى الجموع في حالة من غياب التركيز
ونقص القدرة على المحاكمة واضطراب التفكير واختزال المفاهيم، عندها فان
الجماهير ستتحول إلى الهيجان وتدمر كل شيء في طريقها بدوافع الانتقام واللا
انتماء والغضب والتفريغ وستعتبر المدرسة المنهوبة مدرسة صدام وليس الشعب
وكذلك المستشفى والفندق والمتحف والمؤسسة العامة وكل شيء سيكون ممثلا لدولة
صدام وليس دولة الشعب.
من حسن الحظ طبعا أن هذه الظواهر مؤقتة وظرفية لا تستمر ولعل الأمور بدأت
تعود إلى طبيعتها الآن في ظل علاقات أكثر وضوحا بين مستعمِر ومستعمَر في
غياب طرف ثالث (النظام) يضفي على الموقف ضبابية وتعتيما، ولنا أن ننتظر
الآن إعادة ترتيب أمور هذه العلاقة، ولا أظنها ستكون إلا علاقة مقاومة
واحتلال ليستعيد الشعب العربي في العراق مكانته كشعب طبيعي رافض للاستعمار
والاحتلال متحرر من هواجس الماضي وضبابيته، شعب تصح عليه المراهنة وعقد
أمنيات التفاؤل وهذا هو الرهان القادم الوحيد على الأرجح.
|