اللاجئون يتذكرون نكبتهم ويؤكدون تمسكهم بحق العودة

اعتاد اللاجئون الفلسطينيون على مدار الخمسة عقود و نصف الماضية إحياء ذكرى النكبة في الخامس عشر من شهر أيار عن طريق تنظيم المهرجانات و المسيرات و النشاطات المختلفة يتخللها أمواج من الحسرة و الدموع و التأثر الشديد، و لكن أهم ما يقلق اللاجئين و خاصة من عاشوا النكبة و تجرعوا مرارتها و خرجوا من قراهم و تركوا ورائهم كل الأملاك و الثروات التي لا حصر لها، هو الخوف مما يسمى بالتنازل عن حق العودة من جهة و من الجهة الأخرى حرصهم الشديد على أن يتشرب الأجيال القادمة من أبنائهم و أحفادهم ثقافة التمسك بحق العودة.
يصحو الكهل محمود عبيد الله و ينام على سيرة العودة، و هو مقتنع تماماً انه في نهاية المطاف لا بد أن يعود إلى قريته و إن لم يكن هو بحكم تقدمه في السن فأبنائه و أحفاده أيضا. يبلغ عبيد الله من العمر 104 سنوات بالتمام و الكمال حسب تعبيره، و عندما نزح من قريته بيت عطاب التابعة اداريا لمدينة الخليل عام 1948م كان عمره 50 عاما وهو يتذكر جيدا الحياة في قريته و يقول إنها الجنة " كنا نجد فيها كل ما يلزم الحليب الطازج و اللبن و الجبن و الملوخية و الخبيزة و كل شيء طبيعي و الاهم من كل ذلك الحياة الآمنة المستقرة البعيدة عن كل تعقيدات العصر".
رغم بلوغ أبو إبراهيم هذا السن المتقدم إلا انه ظل بصحة جيدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى و لا يشكو من أي مرض على الاطلاق، و قال و هو يشعل سيجار الهيشي الذي اعتاد تدخينه منذ اكثر من سبعين عاما " السبب في صحتي الجيدة هو النوعية الجيدة لاكل قريتنا، لقد كنت ارعى الغنم في البراري و حينما اعطش اميل على نعزة او نعجة و اشرب من ثديها و لن اجد اجمل من هذه الحياة على الاطلاق".

واعتاد ابو ابراهيم الذي له من الاولاد و الاحفاد نحو اكثر من اربعين فرداً ان يشارك في مسيرات ذكرى النكبة منذ اكثر من عشرين سنة و بالتزام حديدي و بحماس لا يوصف، و في الذكرى الخمسين للنكبة انطلقت مسيرة جماهيرية حاشدة من امام مخيم الدهيشة باتجاه الغرب في خطوة رمزية باتجاه القرى المدمرة و خطف اضواء وسائل الاعلام حينما تقدم المسيرة و كان يحمل بيده اليمنى مفتاح منزله في قريته و خنجره الذي احتفظ به منذ خمسين سنة في يده اليسرى قائلاً ساعود بهما. و يشكل المفتاح و الخنجر لابو ابراهيم كلمة السر بالنسبة له فهو يضعهما تحت مخدته عندما ينام و عندما يستيقظ في ساعات الفجر الاولى لأداء صلاة الفجر يرفع المخدة ليطمئن عليهما، فهما رمز للتمسك بحق العودة حسب تعبيره، و يحرص على جمع احفاده ليوصيهم للحفاظ على هذين الرمزين بعد وفاته، فقبل اربع سنوات و امام عدسات التلفزة الاجنبية اعد فلم وثائقي عن اللاجئيين جاء بنجل ابنه كفاح خالد الذي كان يبلغ من العمر انذاك تسع سنوات و قال له بالحرف الواحد امام الصحفيين و كنت انا من بينهم اوصيك يا ولدي ان لا تفرط بارض اجدادك في بيت عطاب، عليك ان تفهم انه ليس لنا حياة و لن نتذوق طعم الحياة بدون ان نعود الى قريتنا، و هذه وصيتي لك بعد مماتي. و قبل سنة و عدة اشهر يقضي القدر ان يستشهد كفاح برصاص الجيش الاسرائيلي و كان عمره 13 سنة، في مفارقة عجيبة فالحفيد الذي من المفترض ان يحمل وصية جده و يحرص عليها تقتله رصاصة احتلالية و يبقى الجد الذي وقف لدى مواراة الجثمان في مقبرة الشهداء بمخيم الدهيشة امام الالاف من المشيعين برباطة جأش و قال " قتلوا حفيدي لانهم لا يريدون ان يروا جيلا جديداً يحمل هموم النكبة و لكن لا باس فالمفتاح و الخنجر بقيا و سيحملهما اخوانه و ابناء عمومته" و توالت الصدمات على الكهل الذي اصبح رمزاً لقضية اللجوء حيث فجع بنجل ابنته الكبرى عماد الحوباني الذي ذهب ليتطوع في العراق من الاردن حيث تقطن عائلته و استشهد في الموصل قبل نحو شهر و فتح بيت عزاء له في بيت لحم و كان ابو ابراهيم كعادته يستقبل المعزين و لسان حاله يقول ليس غريب علينا هذه الحالات. و في مقابلة له مع القدس في الذكرى الخامسة و الخمسين قال انه لا احد في الدنيا مهما علا جبروته يملك حق التنازل عن العودة، اني اراها قريباً كما اراك و متاكد انها ستتحقق، و اجاب عن سؤال فيما اذا اتيح له ان يعود كيف سيكون ذلك بقوله سأعود سيراً على الاقدام و انا مغمض العينين و لا شك انني سأجد ضالتي، و على الجميع ان يفهم لا يمكن لأي سلام ان ينشأ و يدوم دون عودة اللاجئيين فأرضنا تنتظرنا.

من جانبه قال عدنان الاطرش ( 45 سنة) حيث لجأ والده من الاجزاء المدمرة من بلدة الولجة جنوبي القدس و اقيمت عليها مستوطنة المالحة و مستوطنة الجورة وتم تحويل بقية الاراضي الى مناطق حرجية ان قضية اللاجئين خط احمر، فلا يعقل ان ارث النكبة و آثارها عن ابي و اجدادي بينما لا استطيع ان ارث الارض و المنازل التي كانوا يملكونها، فهذا الحلم لا يمكن التنازل عنه، اننا لا زلنا نعاني من آثار النكبة السيئة الصيت، و نحن نرفض رفضاً باتاً ما تدعيه حكومات الاحتلال المتعاقبة ان حق العودة هو حق لا يمكن تطبيقه على الرغم من ان قرارات مجلس الامن و خاصة قرار 194 ينص بوضوح على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين، و من يسمع أقطاب الحركة الصهيونية و هم يرفضون الاعتراف بذلك كأنه يتبادر لذهنه انهم قابلون لحقوق الشعب الفلسطيني الاخرى و المتمثلة باقامة الدولة المستقلة و عاصمتها القدس و الانسحاب من الاراضي المحتلة منذ العام 1967 ميلادي، و لكن الحقيقة ان الاحتلال لا يريد ان يعترف باي حق من حقوقنا و ليس فقط حق العودة و استطرد قائلاً و من قبيل التحدي لاسرائيل " انه من الممكن ان يوافق على التنازل عن حق العودة مقابل الاعتراف الغير قابل للتأويل باقامة الدولة المستقلة و عاصمتها القدس و تفكيك المستوطنات و الاعتراف بحدود هذه الدولة و الافراج عن كافة المعتقلين الفلسطينين، فهل شارون مستعد ان يفعل ذلك؟" و اضاف انه يشك تماماً ان يحصل ذلك فاسرائيل لا تريد السلام و ما تفعله الان من حديث عن السلام لا يأتي الا في سياق حدود العلاقات العامة.

اما محمد خليل اللحام رئيس اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الدهيشة و التابعة لدائرة شؤون اللاجئين الفلسطينيين فقد انهمك في ايامه الاخيرة للتحضير للفعاليات من اجل احياء هذه الذكرى و كان يحرص على ان نخرج في احسن صورة من ناحية اشراك اكبر قدر من اللاجئيين لاثبات الالتفاف الجماهيري الواسع حول هذه القضية و قال لدى سؤاله عن شعوره في هذه المناسبة ان النكبة تعبير واضح عن حالة شعب بكامله تعرض لابشع حرب تطهير عرقي في التاريخ، و هي اقدم قضية سياسية انسانية في عصرنا و التي لا زالت بدون حل رغم صدور قرارات واضحة من الشرعية الدولية، و المحزن المبكي في هذا الصدد لما يقدم من مبررات تنازلية من قبل البعض و بشكل مجاني في وقت يرفض فيه الاسرائيليون حتى الاعتراف بوجودنا، و اضاف " ان من يبادر للمساهمة في حصاد نتائج ما بعد حرب بغداد و يروج لأن يدفع اللاجئون الثمن البخس في ذلك مقابل وعود مالية فقط لا أكثر عليه ان يفكر جلياً، فالقضية ليست مطروحة للمزاد العلني او للمساومة و المقايضة، القضية هي جوهر صراع الشرق الاوسط برمته قضية مصيرية بكل ما تعني الكلمة من معنى مرتبطة بتحديد مصير منطقة الشرق الاوسط برمتها".

ورأى اللحام ان الحل العادل للصراع في الشرق الاوسط لا يكمن برمي اليهود في البحر بل باقامة دولتين و حل المشكلة برمتها وفق الشرعية الدولية التي تنص بوضوح على حق العودة و التعويض، و ما زال هذا الموقف يشكل امر ثابت لادبيات الفصائل برمتها و لا احد يستطيع ان يقرر بشأن هذا الحق فهو حق فردي قبل ان يكون جماعي لكل لاجئ و ما تتعرض له فلسطين من تشتت و ضياع و طمس للهوية الفلسطينية ما هو الا استكمال لان يعطى الحق لغير صاحبه فعندما تقرر اقامة دولة يهودية كانت الحركة الصهيونية قد استعدت جيداً إذ بدون ان يتم تدفق الملايين من يهود العالم الى ارض فلسطين لا يمكن لدولتهم ان ترى النور فهم مارسوا حق ليس لهم و لا يريدون لنا ان نمارس هذا الحق، و خوف اسرائيل من هذا الحق ينبع أصلاً من نفس عنصري يناهض كل شيء سوى اليهودية.

و اعتبر صلاح عبد ربه الناطق الرسمي باسم اتحاد مراكز الشباب الاجتماعية لمخيمات الضفة الغربية التسعة عشر انه و بعد اتفاق اوسلو كان هناك ادراك ان اللاجئين عادوا الى الصفوف الحلفية على قائمة اهتمامات الوطن و ما عادوا الرقم الصعب على الخريطة السياسية و لا في معادلة الصراع، و امام الحالة الانقسامية من جراء المفاوضات زادت قناعاتنا ان القضايا المؤجلة و على رأسها مسألة اللاجئين سوف تكون في خطر حقيقي و ليست مضمونة النتائج خاصة و ان ابجديات علم التفاوض عبر التاريخ كانت تحسم لصالح الطرف الذي يمتلك المقومات الافضل و الميزان الافضل أي الطرف الذي يجعل ميزان القوى لصالحه، متسائلاً اليس هذا كافياً لان يضع اللاجئون ايديهم على قلوبهم، اليس هذا كافياً بأن يجعل قلقنا على مستقبلنا و مصيرنا مشروعاً و ان نضع قضية اللجوء عنواناً بارزاً للوحدة فوق كل خلاف سياسي او عقائدي؟
مضيفاً ان الواقع الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي الجديد الذي نشأ عقب نكبة عام 48 و الذي ساهم فيه و مهد له انظمة رجعية آنذاك قد جعل اللاجئين اكثر تفهماً لتحليل اسباب الهزيمة و أكثر استعداداً للمبادرة و العمل و اكثر قابلية للمواجهة و التحدي فقد اثبتت التجربة الكفاحية التاريخية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني ذلك، سواء كان على صعيد مقاومة الاحتلال او على صعيد التحدي للمؤامرات التي احيكت ضد المقاومة، و قد دفع اللاجئون ثمن ذلك غالياً و على الرغم من اننا لا نهوى مسالة تفتيح الجراح و حفظ الاسى، الا ان ضغط الذاكرة الوطنية التاريخية اكبر من كل النوايا و من كل عوامل النسيان و ها هو يضغط على زناد تفكيرنا فيقودنا عنده الى مذابح صبرا و شاتيلا التي نفذها اليمين الفاشي في لبنان مما خلف جرائم فظيعة لم يعرفها التاريخ الحديث من الصعب ان تنسى من ذاكرة التاريخ العالمي عموما و من ذاكرة التاريخ الفلسطيني خصوصاً او من عقليه الظاهري و الباطني.

و السؤال الذي يطرح نفسه الآن و بعد خمسة و خمسين عاماً من عمر جراح النكبة هل حقاً ان مرور الزمن من الممكن ان يجعل الجيل الجديد ان ينسى هذا الجرح او ان يقل تحمسه في التمسك بحق العودة؟ و تجيب المعلمة الهام التي تعمل في مدرسة اناث مخيم عايدة الاساسية على ذلك بسرد قصة حقيقة حصلت معها، حينما طلبت من طالبات الصف الخامس ان يرسمن صوراً معبرة عن الذكرى الماضية ليوم الارض فتفاجئت ان كافة الرسومات تناولت بطريقة او باخرى النكبة رغم انها ليست موضوع الرسم، فرسمت طالبة خيام بداخلها يخرج اطفالاً يتمردون عليها و يرفعون مفاتيحاً و هي رموزاً لقراهم، فيما رسمت طفلة اخرى شوارع لقرية كتب عليها (( عائدون يا ديربان )). و ديربان قرية ابائها و اجدادها، و رسمت طفلة ثالثة مظاهرة لمواطنين رفعوا لافتات كتب عليها (( لا سلام بدون عودة اللاجئين )).

واختتمت معلمة الفن حديثها بالقول ان ذلك يؤكد ان قضية اللاجئين تعيش في وجدان و عقول شعبنا و لا يمكن ان تنسى رغم كل الظروف القاهرة.


[الصفحة السابقة]