بعد مرور عام على تشريدهم ومعاناتهم
أهالي مخيم جنين يطالبون بالبدء الفوري بعملية إعادة بناء المنازل التي دمرها الاحتلال

عام مضى على تشريد عائلة المواطن عبد الكريم أبو ذياب بعدما هدمت قوات الاحتلال منزله خلال مجزرة مخيم جنين في نيسان الماضي, ومنذ تشريدهم القسري الثاني يتنقل كما يقول أبو ذياب من منزل لاخر في مدينة جنين بانتظار أن تحل قضية عودته واكثر من 455 عائله واجهت نفس المصير للمخيم الذي يعيش في قلبه ووجدانه ويعاني بشكل بالغ بسبب حرمانه من العودة إليه.

حق العودة شريان الحياة

أبو ذياب الذي لا زال عاطلا عن العمل بقرار إسرائيلي أيضا كما يقول استقبل ذكرى نيسان بحزن شديد وهو يسترجع شريط ذكريات الأيام الجميلة في المخيم الذي ولد وعاش وتربى وتزوج فيه. ويقول "لا توجد كلمات تصف حياتنا في المخيم رغم تأثرنا بإجراءات الاحتلال وقضية كوننا لاجئين, ولكن كل ذرة تراب هنا جبلت بدمنا وعرقنا وتعبنا على مدار عشرات السنين فقد أمضيت سنوات احفر بالصخر واعمل في شتى المهن داخل الخط الأخضر حتى تمكنت من تشييد بيت متواضع عشت فيه وأسرتي اجمل الأيام ورسمنا أحلام كثيرة لم تغب عنها أحلام العودة لديارنا الأصلية التي شرد منها آباؤنا وأجدادنا في نكبة عام 1948 قسرا" فقضيه العودة للاجئ بمثابة الحياة والشريان النابض الذي لا يمكن التخلي عنه مهما كانت الظروف.

هدموا المنزل وشردونا

وابرز الصور التي تلازم مخيلة أبو ذياب ما عايشه من أحداث مؤلمة وقاسية في نيسان عندما اجتاحت إسرائيل المخيم وفرضت حظر التجول وحاصرتنا كما يقول وعزلتنا عن العالم 12 يوما, متنا في كل ثانية فيها ألف مرة جراء القصف المتواصل ليل نهار, فقد عايشنا لحظات رهيبة بلا طعام أو كهرباء أو ماء, ولم تكتف قوات الاحتلال بذلك بل هدمت منزلنا, ويضيف لن أنسى تلك اللحظات, فبعد يومين لم نذق فيهما طعم النوم صغار وكبار من شدة القصف فوجئنا بالبلدوزرات تهدم المنازل وبلحظة تحول شقى وتعب العمر لدمار طردونا في الليل والبرد إلى الشوارع التي كانت غارقة بدماء الشهداء والجرحى واعتقلوا جميع الرجال وشردوا النساء لجنين, وحتى اليوم لا زلنا مشردين ولا ندري إلى أي مدى ستستمر هذه المأساة التي لا يشعر أحد بها سوانا.

نموذج آخر

ويشكل أبو ذياب نموذجا لمئات العائلات الفلسطينية التي استخدمت إسرائيل بلدوزرات ضخمة في هدمها وتدميرها على مدى عدة أيام متواصلة للوصول للمقاومة التي تحصنت داخل أزقة المخيم ورفضت الاستسلام رغم القصف والحشودات العسكرية الهائلة التي اجتاحت المخيم, ويروي الأهالي صورا قاسية للأحداث التي رافقت عملية الهدم. فالمواطن أبو رمزي القريني وجد نفسه وعائلته محاصرا بين الدبابات والبلدوزرات التي شرعت بهدم منزله كما يقول دون سابق إنذار, فما تعرضنا له من مآسي جراء القصف والحصار "كوم" وعملية الهدم "كوم" كبير آخر، فقد استيقظت وأسرتي في الوقت الذي بدا فيه المنزل ينهار, ولولا رحمة الله لدفنا تحت الأنقاض. ويضيف: " لم يستمع الجنود لصراخ زوجتي التي حاولت إيقاف عملية الهدم ولو لم نقفز من الشباك لكنا الآن في عداد الضحايا". نجا القريني وعائلته ولكن الجنود اعتقلوا ولديه اللذان لا زالا داخل السجون فيما هدم منزله المكون من ثلاثة طوابق وبعد أن أمضى أيام في ضيافة بعض الأصدقاء في جنين استأجر كما يقول شقة صغيرة يعيش فيها مع آسرته بانتظار البدء في إعادة بناء المخيم.

إلى متى؟

وفي ذكرى المجزرة توجه المواطن سعيد حمدان مع أطفاله إلى أنقاض منزلهم في ساحة المخيم الرئيسية وبدت عليه ملامح السخط والغضب فقال: " لم يعد بإمكاننا استيعاب ما يجري منذ عام ونحن نتجرع ألم التشريد والأبعاد، تحملنا هدم منازلنا وتشريدنا على أمل الشروع في عملية البناء ولكن دون جدوى حتى الوعود لم نعد نسمع بها لذلك اعتقد ان هناك مؤامرة كبيرة تستهدف اللاجئين في المخيم المنكوب وإلا لماذا لا زالت عملية البناء تراوح مكانها؟". وأضاف كنت أقيم مع عائلتي ووالدتي في طابقين شيدناه بالدم والجهد والتعب على مدار سنوات طويلة ثم جاءت قوات الاحتلال وهدمتها بكل بساطة في لمح البصر وعلى مراى ومسمع من العالم دمروا منازلنا وحياتنا وتعب العمر دون أن يحرك ساكنا ولم يبق لنا شيء واليوم نعيش في شقة صغيرة مستأجرة لا يتوفر بها سوى الشيء اليسير من مستلزماتنا فحتى ملابسنا دفنت تحت الأنقاض .وقال حمدان بعد المجزرة والهدم سمعنا سيلا من الوعود من كافة الجهات وحتى اللحظة لم نتلق أي مساعدة ونعيش حياة التشرد القاسية لذلك اعتقد أن الصمت هو مشاركة مع المتآمرين على قضيتنا.

غضب وسخط

أما المواطن أبو علي عويس الذي هدم الجيش الإسرائيلي عمارته المكونة من ثلاثة طوابق وكان يقيم بها مع أسرته الكبيرة فبدا اكثر سخطا وغضبا وقال اعتصامنا رسالة وصرخة احتجاج للعالم المتامرك المتآمر مع شارون على قضيتنا, فعملية تدمير المنازل نفذتها قوات الاحتلال وفق مخطط مدروس لتدمير المخيمات التي شكلت معقلا للمقاومة أرادوا الانتقام منا وما تعرضنا له لا يختلف كثيرا عن نكبة عام 1948 وما لم نشاهده تلك الأيام عشناه اليوم في مخيم جنين الذي تحول لدمار في كل مكان.
عويس الذي يتنقل مستعينا بعكازة قال لم يعد بإمكاني بعد كل هذا العمر الطويل العمل مرة ثانية وحتى إن عملت لا يمكن بناء بيت جديد فقد أمضيت العمر في بنائه اكثر من 30 عاما وفي لمح البصر تحول كل شيء لأنقاض والهدم لن يرهبنا أو يركعنا أو يفرص علينا الاستسلام والركوع، ولكن ما يقلقنا ويحزننا أن يبقى مصيرا مجهولا ومعلقا والوكالة ترواغ في عملية البناء. واستأجر عويس كمئات اللاجئين في المخيم منزلا في مدينة جنين بأجرة شهرية 150 دينار أردني، ولكن البيت يفتقد لكل شيء ويضيف لا يمكننا في هذه الظروف شراء كل شيء فنحن بحاجة للملابس والأواني والمعدات المختلفة وتكاليفها كبيرة ولا يمكن شراءها في هذه الظروف الصعبة والقاسية لذلك نطالب الوكالة بحل سريع والبدء بإعادة اعمار المخيم.

الوكالة تتحمل المسؤولية

ولا يتردد أهالي المخيم في تحميل الوكالة المسؤولية عن تأخير البناء وقال بعضهم أن الوكالة تنتظر إشارة من شارون. وقال آبو اياد: لدينا معلومات بان إسرائيل احتجت على مشروع إعادة اعمار المخيم وهناك تسريبات عن تحرك إسرائيل بواسطة أمريكا للضغط على الوكالة لإلغاء المشروع وللضغط على دولة الإمارات العربية المتحدة لإلغاء قرارها بإعادة اعمار المخيم. واضاف الواضح أن الجميع يرضخ لإسرائيل التي تريد أن يبقى المخيم على حالته دون تقدير لمعاناة سكانه فبيتي هدم بشكل كامل ولم اعثر حتى على هويتي الشخصية وأوراقنا ومستنداتنا وملابسنا ونقودنا دفنت تحت هذه الأنقاض الشاهد الحي على جريمة العالم قبل إسرائيل بحق شعبنا، فالصمت يعني المشاركة في الجريمة.
أبو اياد قال انه يتوجه يوميا لأنقاض منزله حيث أقام خيمة يتواجد فيها في ساعات النهار ليؤكد للعالم انه لن يتخلى عن بيته حتى وان هدم واضاف حقيقة حياتنا بائسة وان استأجروا لنا المنازل فهي لا يمكن أن تعوضنا عن حقوقنا وبيتنا نريد العودة للمخيم.

النائب الشاتي الوكالة تتحمل المسؤولية

من جانبه قال النائب جمال الشاتي رئيس لجنة اللاجئين في المجلس التشريعي: آن أهالي المخيم وممثلي الفعاليات ولجنة إعادة الأعمار يسجلون منذ اشهر طويلة تحفظاتهم واحتجاجهم على التقاعس والتلكؤ بالعمل من قبل الطرف المنفذ لمشروع اعاده البناء وهو وكالة الغوث وفق الاتفاقية المبرمة بين جمعية الهلال الإماراتية والوكالة والتي ستتم ضمن جدول زمني ومرحلية في العمل. واضاف الشاتي يتضح التلكؤ والمماطلة في التأخير في عمليه تشكيل لجنة التنسيق العليا للمشروع كما ورد في الاتفاقية والذي أدى للتأخير في العمل، بالإضافة انه في الآونة الأخيرة تبين أن مدير المشروع الجديد الذي عين بعد اغتيال ايان هوك برصاص الاحتلال انه غادر المنطقة دون أي مبرر والذي تزامن مع بدء العدوان على العراق, مبينا إن هذه المغادرة ستشكل عائقا جديدا في متابعة تنفيذ المشروع الذي أعلنت الوكالة أنها ستباشر به في مطلع شهر أيار القادم, واضاف فرغم إن الوكالة أعلنت عن انجاز مشروع مخطط البناء فانه لا يوجد أي إمكانية للتطبيق بسبب غياب المدير الرئيس للمشروع واعتماد الوكالة لمقرها في الأردن كمركز للتخطيط والتصميم على المشروع. وهذا من شأنه أن يعيق سرعة العمل في مواكبه مستلزمات المشروع وخاصة انه لمسنا في الاجتماع الأخير الذي عقد بين الوكالة وكافة الشركاء المعنيين في المشروع أن ممثل الوكالة دعا لعدم التركيز على التواريخ وهذا بحد ذاته يجعلنا نتخوف بان التنفيذ سيعرقل ويؤجل مرة ثانية.

تحذير شديد

وفيما طالب الشاتي الوكالة بضرورة الالتزام بما أعلنت عنه خاصة في ظل تفاقم المعاناة اليومية لأهالي المخيم المشردين منذ عام فان النائب فخري تركمان رئيس اللجنة الشعبية لاعمار المخيم حذر بشدة من أي تأجيل أو مماطلة وقال الأول من أيار موعد مقدس لأهالي المخيم الذي ينتظرونه على أحر من الجمر ولن نسمح بأي تأخير أو مماطلة مهما كانت الأسباب فالأوضاع تزداد قسوة، والأهالي لم يعد بمقدورهم تحمل الظروف المعيشية الصعبة. كما أن اللجنة التي لم تتلق سوى مساعدات محدودة أنفقتها في تامين مساكن لعدد كبير من المشردين وتأمين احتياجات ضرورية وطارئة للأهالي أصبحت عاجزة عن الاستمرار في دفع الإيجارات , وقال المواطن محمود عمار على" الوكالة أن تدرك إننا نرفض تأجيل الموعد ليوم واحد، فحياتنا تحولت لجحيم وإذا لم نشاهد عملية بناء في الموعد المتفق عليه فسنتخذ سلسلة من الإجراءات الاحتجاجية وسيكون رد فعلنا قاسيا ويضيف أصبحنا نتخوف من ضياع وتشتيت قضيتنا من جديد والسؤال الذي يشغل بال كل فرد فينا هل سنواجه نفس المصير الذي عايشه أهلنا بعد النكبة؟ وهل سننتظر خمسون عاما أخرى لنعود لمنازلنا في مخيم جنين؟؟.


[الصفحة السابقة]