|
مبادرة للسلام أم للاستسلام؟!
منذ عام 1985، أيام كان رئيسا لتحرير جريدة "الموقف"
المقدسية، وسري نسيبة، يطلق أفكارا لها نفس الطابع، فمن تقليعة الاندماج
بالدولة العبرية، والمراهنة على التكاثر البشري، والخلل الديمغرافي،
والاستعداد للخدمة في الجيش الصهيوني، إلى لقاءات عميراف، مرورا بتكسير
أغصان الزيتون وزرعها في فوهات بنادق حرس الحدود، وصولا إلى دعوة التخلي عن
حق العودة، حتى بناء تيار سياسي جوهره شطب هذا الحق، وكل ما حوله من
ديباجات حول الدولة، وخطة الهدف التي يطرحها ليست سوى لزوم الديكور المرافق
للفكرة الأساس في المشروع.
هذه المرة، لم يطلق سري نسيبه مبادرة فردية للنقاش والحوار، ولا هي مجرد
نزوات عنت في باله فسجلها على الورق ودفع بها إلى صحيفة أو وكالة أنباء، أو
تحدث بها في محاضرة أو ندوة أو مؤتمر أكاديمي. هذه المرة سري نسيبه يحاول
أن يبني حزبا لأفكاره، يريد أن يشكل قوة اجتماعية، تعادي قوة اجتماعية أخرى
أكبر، هي قوة اللاجئين الفلسطينيين من خلال دعوته لشطب حق العودة. والأمر
لا يقتصر على مجرد الدعوة لبناء هذا الإطار، بل إن أسسه العملية قد وضعت،
سواء من ناحية الهيكلية التنظيمية أو من ناحية التعبئة لصناديق هذه
الهيكلية، فقد وجد له مشايعون في مناطق مختلفة في الضفة، ربما يكونوا
أفرادا، طامحين إلى مراكز أو مصالح مادية أو ...الخ، ولكن حدث أن صار لسري
نسيبة جماعة بعد أن مثل "السيف فردا". ومعذرة لسيف عمرو بن معد يكرب
الزبيدي.
هذه المرة يقدم سري نسيبة وثيقةـ وليس مقالا، تبدأ لا بفرضية، بل بعبارة
"نحن الموقعين أدناه". بمعنى أنها تشمل قرارا لمجموعة اتفقت على عقد ما
بينها وسمت نفسها تيارا فكريا عقلانيا يؤمن بالسلام وحرية الرأي
والديمقراطية، إلا أن ما رشح عن المداولات الداخلية لهذه المجموعة هو أنها
وضعت هذه التسمية بدلا عن تسمية مضمرة متفق عليها، هي "التيار الديمقراطي
داخل فتح". والتي رأى البعض أن إطلاق هذه التسمية سيستنفر فتح والرئيس
عرفات شخصيا ضدهم، مع أن كل الشخوص الموقعة هي من كادرات فتح المعروفة في
أوساط العمل الميداني الجماهيري سابقا.
ولا ينكر سري نسيبة ومجموعته، أن هذا التيار "الفكري"، ربما يتحول إلى حزب
مستقل إذا لم يستطع الحفاظ على نفسه كعشيرة ضمن عشائر فتح المختلفة كما
يسميها الوزير نبيل عمرو، ولذلك لا زالت هذه المجموعة تسمي نفسها "المبادرة
الشعبية لأجل السلام"، وقد بدأت حملتها بإعلانات يومية بحجم صفحة في إحدى
الصحف اليومية الأكثر انتشارا، ترى من دفع هذه المرة أجور الإعلان؟!! ومن
أي مال عام؟!!.
لقد طرحت مبادرة سري نسيبة خطة "هدف" بدل خارطة الطريق، مستجيبين لشرط
شارون بإلغاء حق العودة مقابل تطبيق خارطة الطريق وهي بالتالي قد أدت عرضها
كمبادرة تريد أن تقدم مزيدا من التنازلات للكيان الصهيوني، لا بل وزاد سري
نسيبه على ذلك وإرضاءا لشركائه في المعسكر الإسرائيلي تأكيدا على قانون
العودة الصهيوني بتركيزه على نص "يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى الدولة
الفلسطينية فقط، ويعود اليهود إلى دولة إسرائيل فقط". بمعنى أن هجرة اليهود
إلى فلسطين هي حق لهم يقدمه سري نسيبه مجانا، تماما كما يتغاضى عن أكثر من
مليون فلسطيني في مناطق 48 رفعوا سقف مطالبهم إلى عدم اعتبار دولة إسرائيل
دولة اليهود في كل العالم، أو دولة يهودية نحو اعتبارها دولة كافة
مواطنيها، ليقول لا إن إسرائيل دولة لليهود فقط؟!!.
أما قرارات الأمم المتحدة ومنها قرار 194، فهي ليست سوى أرضية للاعتراف
بمشكلة لاجئين قائمة، فيما لا تشكل نصوص القرار مواد قابلة للتنفيذ، أي أن
هناك تخل شامل عن نفس القرار بعودة اللاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها
والتعويض لهم عما أصابهم نتيجة هذا التشريد.
خطورة هذه النزوة من سري نسيبه ومجموعته، ليس فقط في مضامينها السياسية
وليس "الفكرية"، إنما في تحول هذه النزوة إلى إطار يحاول الخروج على
الإجماع الوطني الفلسطيني على ثوابت باتت معروفة في مقدمتها حق العودة
وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. عدا عن ذلك فإن هناك وجه آخر
للخطورة، وهو أن دعوة سري نسيبه تلقى قبولا داخليا لدى رئيس الوزراء
العتيد، والذي بات يملك صلاحيات مدعومة أمريكيا وأوروبيا وعربيا رسميا،
إضافة لقبول إسرائيلي مباشر وغير مباشر.
والسؤال المطروح الآن هو على الإخوة في حركة فتح، والتي ينتمي إليها كافة
الموقعين على مبادرة سري نسيبه ومنهم من يحمل صفة تنظيمية عليها بدءا من
عضوية المجلس الثوري للحركة "عبد الإله الأتيره أو أنهم يتمتعون بمراكز
تنظيمية مرموقة في مناطقهم أو في مؤسسات شعبية وحكومية، حيث نجد بينهم من
يعمل في أجهزة أمن أو وزارات، أو رؤساء اتحادات نقابية، دفعت بهم فتح إلى
هذه المراكز. هذا السؤال، هو ما هو موقف الحركة من هذه المبادرة، وهل تبقى
الحركة أسيرة التكتلات حتى لو كانت تكتلات وخارجة عن الإجماع الوطني، هل
تستمر الحركة في اتجاهاتها البراغماتية "دع مائة زهرة تتفتح"؟ حتى تفتحت
الأشواك بدل الزهور؟!.
فالمطلوب من فتح المناضلة موقف واضح وصريح ومن هيئة رسمية فيها تجاه مجموعة
سري نسيبه، حيث يمكن حصار هذه المبادرة في إطار الحركة قبل أن تنتشر في
أوساط أخرى. فحصار فتح لها منذ البداية، سيعزلها، ويرفع منها الحماية
التنظيمية، ويتركها تناطح صخور الإصرار الوطني على التمسك بحق العودة.
ومطلوب من اللجنة التنفيذية للمنظمة والتي يرتكز برنامجها الوطني على ثوابت
يدعو سري نسيبه لخرقها وتجاوزها، أن تصدر موقفا من هذه الدعوة المشبوهة
والمستسلمة.
بعد ذلك سيتصدى الشارع الفلسطيني لهذه الثلة ويحولها إلى مجرد ناد صغير
يتقوقع حول شيخ المريدين، أو مجرد حالة متكسبة على التطبيع مع الكيان
الصهيوني.
|