حكومة تحت الضغط والتهديد

تمكن أبو مازن، بعد خمسة أسابيع من المشاورات كما سماها، من الإعلان عن تشكيل حكومته ذات المواصفات الأمنية، والتي أتت بعد أن هدد مرات عديدة بالاستقالة في المعركة التي دارت بينه وبين الرئيس حول شخوص الحكومة. والصراع أساسا دار بين الرجلين على الأسماء، دون أن يكون برنامج الحكومة هو موضع النقاش، مع عدم الإغفال ولو للحظة واحدة أهمية الدور والتأثير الذي يقوم به الشخوص إيجابا أو سلبا . لقد حمل برنامج الحكومة في طياته العديد العديد من القضايا والهموم التي يرى الشعب الفلسطيني ضرورة وجود إدارة تتولى معالجتها. لكن الجوهري في مهام هذه الحكومة ما حمله برنامجها من التهديد والوعيد للقوى الوطنية والإسلامية إذا لم تذعن لمطالب الحكومة بوقف المقاومة، وفي حال رفضها تسليم سلاحها "الغير شرعي" على حد زعم أبو مازن. وهذا الوصف للسلاح الفلسطيني المقاوم بالغير شرعي، يذكرنا بمواقف الحكومة اللبنانية والأردنية قبلها. ولكن في تلك الفترة كان أبو مازن يعتبر ذلك السلاح هو من اجل المقاومة وكان يرفض هذا الوصف من الدوائر اللبنانية والأردنية. لكن أبو مازن ذهب اكثر من الحكومات العربية بوصفه للنضال الوطني الفلسطيني بالإرهاب. وهنا يبرز السؤال المشروع، ما هي المقاومة في رأي أبو مازن؟ هل هي الانصياع للأوامر الإسرائيلية( وليس الأمريكية، لان الأمريكان ينقلوا ما يطلبه الإسرائيليين) بالشروع بالحرب الأهلية ؟ أم بالاعتقالات للمناضلين ؟، هل هي وضع الحراسات على أبواب المستوطنات ليعيش قطعان المستوطنين بالهدوء والأمن، هل المقاومة في اعتقاد أبو مازن تكون بالتفريط بحقوق الشعب التاريخية والمشروعة، من خلال تطبيق مشروع خارطة الطريق. ولكن الانكى من ذلك، كيف سيتم وقف التحريض، هل يكون بإفهام أبناء واخوة ورفاق الشهداء أن هؤلاء هم "إرهابيون"، أم سيطلب منهم كتابة قصائد المديح للجيش الصهيوني وقادته المجرمين.

إن حكومة أبو مازن والظروف المحيطة بتشكيلها، بعد مجموعة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية، واخيرا العربية والتي تمثلت بوصول عمر سليمان ، مدير المخابرات المصرية للمزيد من الضغط على عرفات لتمرير الحكومة بالشكل الذي طرحه أبو مازن، وخاصة بوجود وزارتين للأمن، وزير للداخلية ، ووزير دولة للشؤون الأمنية، تزيح الستار عن جوهر الأزمة المتعلقة بالتشكيل، والمهام القذرة المطلوبة من الأجهزة تنفيذها.

إن الحكم على نجاح هذه الحكومة أو فشلها مرهون بممارساتها على الأرض، من دعم لصمود الشعب واستمرار الانتفاضة والمقاومة، والتمسك بالوحدة الوطنية وبالثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني في إقامة الدولة ذات السيادة وعاصمتها القدس وتحقيق حق العودة للاجئين إلى بيوتهم وأراضيهم التي هجروا منها. هذا على الصعيد السياسي. أما على الصعيد الداخلي فلا شك إن إشاعة الديمقراطية، ومحاربة الفساد المستشري في أجهزة السلطة إصلاح القضاء مع سيادة القانون، وتأمين لقمة العيش الكريمة للمواطنين هي من الأولويات المطلوبة.
فهل حكومة أبو مازن تستطيع أن تؤمن ذلك؟ إن برنامجها وتركيبتها يقولان لا.


[الصفحة السابقة]