|
كلمة
مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في ذكرى مرور عام على اعتقال الأمين
العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات
الأخوة
والأخوات
اليوم، وفي ذكرى مرور عام على اعتقال الرفيق أحمد سعدات الأمين العام
للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لا يمكننا إلا أن نتوقف برهة من الوقت ...
نتذكر ونفكر، نتذكر تجاوزات البعض، ونفكر فيما تمخضت عنه هذه التجاوزات من
عدم احترام لقرارات المحاكم. نتذكر العدالة الضائعة، ونفكر في كافة
المعتقلين بصورة غير قانونية. نتذكر المس باستقلال القضاء، ونفكر في قرارات
صدرت عن المحاكم ولم تنفذ. نتذكر خروقات البعض وانتهاكاتهم، ونفكر في مدى
حاجتنا وتعطشنا لسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
مراراً
وتكراراً، تحدث أحرار هذا الوطن عن الإصلاح والديمقراطية وسيادة القانون
واحترام حقوق الإنسان في ظل سلطتنا الوطنية الفلسطينية، تحدثوا عن تأسيس
وطن حر وديمقراطي، وعن الغد الأجمل والأكمل، تحدثوا عن احترام الذات
الفلسطينية، واحترام الإنسان. وفي حديثهم عن الإصلاحات، شددوا على ضرورة أن
تنعكس هذه الإصلاحات على حياة الفلسطينيين ليلمسوا التغيير ويشعروا به نحو
الأفضل. تحدثوا عن إصلاحات تضفي التعديلات المطلوبة على المنهجية والأداء
والسلوك، إصلاحات بهدف الإصلاح الحقيقي والفعال، إصلاحات تطال مؤسسات
السلطة ووزاراتها بما يحقق المصلحة العامة لأبناء شعبنا الفلسطيني. وكان
حديثهم هذا، هو لسان حال كل فلسطيني غيرو على وطنه ومصلحة أمته.
وعندما بدأنت
إسرائيل حديثها عن إصلاح البيت الفلسطيني، ساندتها أمريكا وأوروبا، وكان
لهم مفهومهم الخاص عن الإصلاح، الذي أرادوا به إعادة هيكلة مؤسسات السلطة
بما يضمن أمن الاحتلال والمستوطنين، وبما يكفل قمع الحريات، وبما يضمن
حماية الاحتلال الذي يرونه ضحية، ويدين المقاومة التي يرون فيها المجرم.
الأخوة
والاخوات
كثر الحديث عن الإصلاح، تعددت الآراء والمفاهيم، وتضاربت وجهات النظر
والأفكار، والأمر في حقيقته أبسط من هذا كله، نعم، الأمر بسيط، ويبدأ من
هنا، من قضية اعتقال الرفيق أحمد سعدات، كنموذج واضح، وحالة اختبار معلنة،
فإما إصلاح حقيقي يتواءم والمفهوم الفلسطيني للإصلاح والذي يتمحور حول
إعادة بناء مؤسسات السلطة بما يضمن ترسيخ مبادئ المحاسبة وسيادة القانون
واستقلال القضاء واحترام قراراته، وإما إصلاح مزيف يتواءم والمفهوم
الأمريكي الإسرائيلي الذي يتمحور حول إعادة بناء مؤسسات السلطة بما يخدم
مصالح إسرائيل الأمنية.
يوم أمس، عقد
في لندن المؤتمر الذي دعت إليه الحكومة البريطانية لمناقشة أمور تتعلق
بإصلاح السلطة الوطنية، وللقارئ المتمعن في الأحداث وتتابعها، أن يجد في
مثل هذا المؤتمر أمر "مضحك ومبكي" في آن واحد. لماذا؟ لأن بريطانيا التي
دعت لعقد هذا المؤتمر من منطلق أنها معنية بإصلاح السلطة، هي ذاتها
بريطانيا التي أرسلت رجالها ليشرفوا على تطبيق الاتفاق غير القانوني القاضي
بمواصلة اعتقال الرفيق سعدات. وهي ذاتها بريطانيا التي ضربت عرض الحائط
بقرار المحكمة العليا الفلسيطينية القاضي بالإفراج الفوري عن سعدات.
المتأمل
لوقائع الأمور بدءاً من اعتقال سعدات في 15 يناير 2002، مروراً بنقله من
مقر المقاطعة برام الله إلى مقاطعة أريحا بإشراف بريطاني أمريكي في 1 مايو
2002، وصولاً لاستمرار اعتقاله بحراسة بريطانية رغم صدور قرارا يقضي
بالإفراج الفوري عنه من المحكمة العليا الفلسطينية، لا يمكنه إلا وأن
يتساءل:
كيف لهم أن
يتحدثوا عن استقلال القضاء الفلسطيني وقرار محكمة العدل العليا الفلسطينية
التي تعتبر أعلى هيئة قضائية في فلسطين، لا يحترم ولا ينفذ؟!!
كيف لهم أن يتحدثوا عن سيادة القانون وزعيم ثاني أكبر فصيل في منظمة
التحرير الفلسطينية موقوف بصورة غير قانونية؟!!
وما هي طبيعة الإصلاحات التي تدفع أمريكا تجاهها؟ وهل هي مهتمة بتنظيم
البيت الفلسطيني وترتيبه بما يحقق الديمقراطية والاستقلالية بين
الفلسطينيين؟ وإن كانت كذلك، فلماذا تحث أمريكا تجاه انتهاك القانون
الإنساني الدولي حيناً وتحث تجاه الإصلاحات في الحين الآخر؟
إن وضعاً، لا يحترم فيه قائد ولا إنسان، يجعل من الحديث عن الإصلاحات وما
يفترض أن تتضمنه من استقلال للقضاء وسيادة القانون، أمراً مشكوكاً فيه.
الأخوة
والأخوات
الفلسطينيون اليوم، يتساءلون: هل المطلوب منهم أن يقبلوا الظلم واللا
عدل؟؟؟
هل من الضروري أن يبقى سعدات أسيراً ضحية لموازين القوى والاعتبارات
السياسية؟؟؟
أحمد سعدات لم يُتهم ...
ولم يُحاكم ...
وهو معتقل منذ سنة تقريباً، رغم صدور القرارا القاضي بالإفراج عنه من قبل
أعلى هيئة قضائية في فلسطين.
نعم .. هذا ما حدث في فلسطين، بإشراف أمريكي بريطاني، تجاوز البعض القرار
الصادر عن المحكمة العليا الفلسطينية، وللأسف، مر الأمر على خطورته، مرور
الكرام.
الأخوة
والاخوات
لعلكم تدركون خطورة التبعات التي يمكن لها أن تترتب على مثل هذا الحدث،
فبينما يلاحق كل من تسول له نفسه بإمكانية تجاهل قرارات المحاكم في مختلف
دول العالم، ينفذ هذا التجاهل في بلادنا برعاية أمريكا وبريطانيا، رغم أن
القانون الفلسطيني ينص على ضرورة ملاحقة كل من يتهرب من تنفيذ قرارات
المحاكم وكل من يتجاوزها، ورغم أن أمريكا وبريطانيا، لم تتوقفا منذ حين عن
الحديث عن إصلاح السلطة، فعن أي إصلاح يتحدثون؟؟ وأي إصلاح يريدون؟؟
لقد كان
القضاء الفلسطيني رائعاً، عندما قال كلمته عالية، وواضحة، مقراً بأنه لا
أساس قانوني لاعتقال سعدات، ومطالباً بالإفراج الفوري عنه، آنذاك، جدد هذا
القرار الصادر عن المحكمة العليا الفلسطينية في 3 يونيو 2002، آمال
الفلسطينيين التي طالما تمحورت حول هزيمة الظلم والانتصار للعدالة وإحقاق
الحق وإعادته لنصابه. لكن، ومع الأسف، تجاوزت السلطة الوطنية قرار المحكمة،
ولم تفرج عن سعدات. استجابت لضغوط خارجية، وعلى رأسها ضغوط أمريكا
وبريطانيا، وأعلن المجلس الوزاري الفلسطيني عن قراره القاضي بعدم الإفراج
عن سعدات في تدخل سافر وغير مقبول بشؤون القضاء الفلسطيني.
وإلى الآن،
يقبع سعدات معتقلاً، رغم صدور القرار القاضي بالإفراج عنه، أما القرار
الصادر عن المجلس الوزاري الفلسطيني والمناوئ لقرار الإفراج عن سعدات، فقد
شكل رغم كل المحاولات التي بذلها البعض لتجميلهوإعطائه مظهراً لائقاً
ومقبولاً، ضربة قوية وفشل لا يمكن التغاضي عنه لاختبار جدية المصادقة على
قانون السلطة القضائية الفلسطينية، حيث أن المجلس الوزاري وعبر رفضه
الإفراج عن سعدات، جعل من الحديث عن جدية استقلال القضاء، أمراً مشكوكاً
فيه، رغم المصادقة على قانون السلطة القضائية. وهو ما يدفعنا للتساؤل:
أي مستقبل
لفلسطين نريد ونؤسس؟؟
شريعة القانون وسيادته، أم شريعة الغاب وطغيانها؟؟
سعدات نموذج
واضح على تآمر المجتمع الدولي وتواطؤه، ببساطة، لأن المجتمع الدولي، وعلى
رأسه الحكومة البريطانية التي تدعو الآن لمؤتمر لندن للبحث في إصلاح السلطة
الوطنية الفلسطينية، هو ذاته المجتمع الدولي الذي أشرف على مسلسل اعتقال
سعدات رغم أنف القضاء الفلسطيني، والحراس البريطانيون الذين يقفون على
أبواب سجن المقاطعة بأريحا حيث يحتجز سعدات ورفاقه، ليشرفوا على تواصل
اعتقاله، خير شاهد على ما نقول.
إن رضوخ
المجتمع الدولي لرغبات إسرائيل، عمّق من مؤامرة الصمت التي تنفذها الجكومات
الأوروبية منذ بدء انتفاضة الأقصى وإلى الآن. وإن الدور البريطاني في
اعتقال سعدات وحراسته في سجنه، ليس إلا خرقاً فاضحاً للمادة السابعة من
اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي تحدثت عن
إمكانية عقد اتفاقات خاصة لتسوية بعض المشاكل بكيفية خاصة، بشرط ألا يؤثر
الاتفاق الخاص تأثيراً ضاراً على وضع الأشخاص المحميين الذبي تنظمه
الاتفاقية، وألا يقيد الحقوق الممنوحة لهم بمقتضاها.
وعلى هذا، لا
يمكننا كفلسطينيين، إلا أن نقول لكل الدول والحكومات التي لعبت دوراً في
اعتقال سعدات ورفاقه: أين هي ديمقراطيتكم، وأين هو حرصكم على رعاية حقوق
الإنسان وحرياته، فيما أنتم تشرفون على اتفاقيات غير قانونية، تجرد
الفلسطينيين من حقوقهم، وتتناقض مع ما نصت عليه الشرعية الدولية؟
ومع ذلك، يبقى
أمل القوى الديمقراطية الفلسطينية ومن خلفها الشعب الفلسطيني بكافة شرائحه
وفئاته، أصيلاً وعميقاً في سيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وسيبقى الشعب الفلسطيني وقواه، منتصرين ومناصرين للقانون وشرائعه، لأن هذا
ما نطمح إليه، وما نناضل من أجله، وهو أيضاً ما نستحق. هذا عهد، لا يمكننا
إلا أن نفي به، من منطلق الوفاء لتضحيات شهدائنا ومعتقلينا.
راجي الصوراني
مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
|