الرفيق جميل المجدلاوي
عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
في مقال نشر في مجلة رؤية العدد التاسع عشر ( حزيران 2002 ) تحت عنوان

الإصلاح والتغيير
بين نقد الواقع .. والطموح الممكن

كشف الاجتياح الإسرائيلي الواسع لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية ، الضعف والخلل في الأداء الرسمي الفلسطيني الذي يكاد يصل إلى العجز التام في أجهزة ومؤسسات السلطة عن القيام بواجباتها على الصعيدين الوطني والاجتماعي في القدرة على تجسيد حدٍ أدنى من الصمود في وجه العدوان الإسرائيلي ، أو في استمرار قيام وزارات السلطة وأجهزتها بالحد الأدنى من واجبها في إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني.

لقد كانت ذروة هذا العجز التسليم الفاضح للمقاطعتين ، مقاطعة بيتونيا التي استسلم كل من فيها وهم الجسم الرئيسي من الأمن الوقائي في الضفة الغربية الذي يصفه مسؤوله بأنه الحماية الأولى للسلطة ومقاطعة رام الله التي جمعت إضافة إلى الرئيس أبو عمار كل من الحاج إسماعيل مسؤول الأمن الوطني والعميد الطيراوي مسؤول المخابرات العامة في الضفة والعميد فيصل أبو شرخ مسؤول قوات الـ17 بالإضافة إلى مئات من المقاتلين ، والتي كان رفع الحصار عنها وعن كل من فيها في إطار صفقة سُلّم على إثرها الأمين العام للجبهة الشعبية الرفيق أحمد سعدات الذي يمثل الشخص الثاني في الأهمية بالنسبة لـ م.ت.ف ارتباطاً بموقع ومكانة الجبهة في المنظمة ومعه رفاقه الذين تتهمهم إسرائيل بقتل رحبعام زئيفي أحد أبرز رموز الإرهاب والتطرف اليميني في إسرائيل ، إضافة للعميد فؤاد الشوبكي أحد المعاونين القريبين جداً من الرئيس أبو عمار.

إن هذه الصورة البائسة التي ظهرت فيها مؤسسة السلطة لا تلغي الصمود الرائع للشعب الفلسطيني ومقاتليه من مختلف فصائل وقوى المقاومة وأجهزة السلطة ، هذا الصمود ، والعطاء النادر الذي مثَّل مخيم جنين والأسواق القديمة في نابلس تجسيداً حياً وملموساً له.

إن الواقع المتردي لأوضاع السلطة الفلسطينية لم يكن مفاجئاً أو غائباً عن إدراك الغالبية العظمى من قوى وفصائل العمل الوطني الفلسطيني ولا عن هيئات المجتمع المدني الفلسطيني على اختلاف طيفها ومجالات عملها واختصاصها ولا تكاد تخلو وثيقة سياسية فلسطينية من تناول هذا الوضع بالنقد والنقد اللاذع في كثير من الأحيان ، وقد كانت الرسائل والمذكرات التي رفعتها القوى الوطنية والإسلامية في كل من الضفة والقطاع للرئيس أبو عمار ، وما تضمنه العديد من بياناتها للشارع الفلسطيني خلال أشهر الانتفاضة العشرين الماضية ، واضحة بما فيه الكفاية لدق ناقوس الخطر أمام الرئيس أبو عمار وقيادة السلطة ، خاصة وأن الأخوة في حركة فتح كانوا من بين القوى التي تتبنى هذه الوثائق.

الواقع الفلسطيني واتفاقيات أوسلو :
لم يكن توقيع اتفاقيات أوسلو خارجاً عن السياق الموضوعي العام لتطور
الظواهر الاجتماعية وتحليها فتناول الكثيرون الأسباب العديدة التي دفعت القيادة المتنفذة في م.ت.ف لعقد اتفاقيات أوسلو ، وركّز البعض عن حق على الدور الهام إن لم نقل الحاسم الذي لعبته شريحة بيروقراطية في قيادة م.ت.ف ومؤسساتها بدأت تضيق ذرعاً باستمرار الصراع مع العدو الصهيوني على ما كان عليه ، وشرعت في تنظيم أمورها لتصبح جزء من الطبقات والشرائح الاجتماعية السائدة في المنطقة بكل ما يتطلبه ذلك من بحث عن كيانية وسوق خاص بها يجعلها قادرة على التواصل والتماثل مع ما تطمح إلى محاكاته من الطبقات السائدة في المنطقة.

وقد جاءت اتفاقيات أوسلو بشكل عام ، واتفاقيات باريس بشكل خاص لتعطي العدو الإسرائيلي دوراً مهماً ورئيسياً في بلورة قسم هام من الشريحة الاجتماعية التي تنفذت لاحقاً في السلطة وفي إدارة المجتمع الفلسطيني ، حيث ظل العدو الإسرائيلي يسيطر على الموانئ والحدود والمعابر ، ويتحكم في العديد من جوانب الاقتصاد الفلسطيني وهكذا أخذت تتزايد ثروات ونفوذ أقسام واضحة من بيروقراطية السلطة على اختلاف إداراتها وأجهزتها المدنية والعسكرية والأمنية ليتشكل طراز خاص من الكومبرادور الفلسطيني الذي يضم الشرائح الرأسمالية الطفيلية وبقايا كبار الملاك والرأسمالية التقليدية القديمة وبيروقراطية السلطة ، واتسم الكومبرادور الفلسطيني بسمات التبعية والإرتباط مع المركز الأجنبي مع خصوصية ارتباطه بالعدو الإسرائيلي سوقاً ونظاماً رسمياً بحكم علاقاته مع السوق الإسرائيلية من جهة وما تفرضه اتفاقيات أوسلو من علاقات وقيود من جهة أخرى.

وقد بدت هذه الشريحة وكأنها في سباق مع الزمن ، تراكم الثروة بكل الطرق والوسائل " المشروعة وغير المشروعة " حتى أصبح الفساد والتطاول على المال العام وفرض الخاوات وكل أشكال الابتزاز بما في ذلك الدخول الواسع على ميادين النشاط الاقتصادي للأجهزة كلها واقعاً لا يمكن إخفاؤه ومدار حديث وتندر القطاع الواسع من الجماهير في الضفة والقطاع.

وإذا كانت القاعدة في إخفاء الفساد تتطلب العمل وفقاً لمبدأ " إذا بُليتم فاستتروا " فقد كان ثراء هذه الشريحة وقسمها الطارئ والبيروقراطي بشكل خاص أوضح من أن يمكن إخفاؤه ، ويظهر بيوتاً وقصوراً وسيارات فارهة للزوجات والأبناء ، وخَدَماً في البيوت وشركات على كل شاكلة ولون.

وهكذا بدأت تتبلور ملامح المرحلة الجديدة في النضال الفلسطيني باعتبارها مرحلة تحرر وطني وديمقراطي ، يتداخل فيها النضال من أجل طرد الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني مع النضال الديمقراطي لبناء المجتمع الفلسطيني بما يستجيب لمعركة الاستقلال ويحقق كرامة الإنسان الفلسطيني في مجتمعه الوليد الذي تقوده السلطة الوطنية الفلسطينية.

إن التدقيق في طابع المرحلة يُظهر بوضوح أولوية النضال ضد الاحتلال باعتباره التناقض الرئيسي العدائي والتناحري الذي يجب أن تتوحد كل الجهود لحلّه لصالح الشعب والقضية الوطنية ولكنه يشير بوضوح أيضاً إلى البعد الديمقراطي الاجتماعي في النضال الفلسطيني الذي يتطلب محاصرة وعزل هذه الشريحة الكومبرادورية الفاسدة والرخوة في مواجهة الاحتلال والساعية دوماً إلى تبرير المواجهة معه مع السعي للوصول إلى أفضل تسوية ممكنة تحفظ لها ماء الوجه ولكنها تحافظ في كل الأحوال على الروابط التي تضمن لها تواصل الثروة والنفوذ وزيادتهما. ووجدت هذه الشريحة على الدوام في الرئيس أبو عمار خير غطاء وحماية لها بما له من تاريخ وتراث نضالي ، وبما يُشكله من رمزية وشرعية فلسطينية وعربية ودولية.

وفي ظل التفرد الذي قاد به الرئيس أبو عمار السلطة والشعب الفلسطيني ، وغياب المؤسسة الواضحة المحكومة بقانون وأنظمة عمل جدية وملزمة ، وبفصل واضح بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية ، ظهرت هذه الشريحة وعملت على أن تكون القوة الأولى والرئيسة في حماية السلطة بعد أن افتعلت وروجت  خلطاً قسرياً بين السلطة وواقعها هذا وبين المشروع الوطني الفلسطيني باعتباره مشروعاً للتحرر والعودة والاستقلال.

وجاءت انتفاضة الأقصى ، انتفاضة على الاحتلال وعلى واقع الحال الفلسطيني بإبداع شعبي فلسطيني خاص يوجه جلّ شحنة الغضب ضد الاحتلال ، ويفتح صفحة المناداة والعمل من أجل تغيير الواقع الفلسطيني برمته.

وقد جرت الكثير من المياه ، وسال الكثير من الدم في نهر الحياة والنضال الفلسطيني وقدم شعبنا مئات الشهداء وعشرات آلاف الجرحى في انتفاضة الأقصى المجيدة ، وواكب الانتفاضة العديد من المحطات والتفاهمات والاتفاقات ومشاريع الحلول ، وتفاهمات تينيت ، تقرير ميتشل ، مفاوضات كامب ديفيد ، وطابا وتكاد تكون هذه المفاوضات أوضح المحطات وأكثرها اقتراباً من ملامسة مشاريع التسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، وفي ظل غياب الشفافية وتضارب التصريحات الرسمية لأطراف هذه المفاوضات وازدواجية الخطاب الرسمي الفلسطيني بشأنها ، بين الحديث عن الصمود ورفض العروض الأمريكية والإسرائيلية وبين تأكيد أنه لم يكن هناك عروضاً جدية في مفاوضات كامب ديفيد فقد ظلت حقيقة الصورة غير واضحة ، إلا أن التقييم العام السائد هو عدم استجابة الطرف الفلسطيني لوجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية ، وهو ما نقل إلى الإدارة الأمريكية الجديدة في إطار التعبئة والتحريض على القيادة الفلسطينية ووصفها بالنعوت السلبية التي لا زالت تتردد حتى الآن على لسان الرئيس بوش وباقي أعضاء إدارته.

في هذا المناخ جاءت الانتخابات الإسرائيلية بالمجرم شارون على رأس حكومة إسرائيل بالشراكة مع حزب العمل الإسرائيلي وأحزاب أخرى جعلت الحكومة الإسرائيلية مسنودة بغالبية كبيرة داخل الكنيست حدت من فعل وفاعلية المعارضة الضعيفة أصلاً ومكنت شارون من أن يعمل لفرض برنامجه بقوة الحرب والعدوان ، وفي ظل دعم وتأييد أمريكي شامل الأمر الذي شجع شارون على العدوان الواسع وصولاً إلى اجتياح كل مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة وإعادة احتلالها من جديد وفرض المتابعة الإسرائيلية الساخنة لكل من تعتبره مطلوباً لها مسقطة بشكل شامل أية حصانة لما يسمى بمناطق A ولكل مؤسسات السلطة ، بهدف هزيمة الإرادة الفلسطينية والإجهاز على البقية الباقية من الممانعة الفلسطينية في الاستجابة لكامل الشروط الإسرائيلية التي تفرض برنامج شارون للحل مؤقت طويل الأمد تنسحب إسرائيل بموجبه من 42% من أراضي الضفة وتحافظ على المستوطنات وتبقي السيادة الفعلية لإسرائيل ليعيش الشعب الفلسطيني في كانتونات وجزر معزولة تشكل النسخة الإسرائيلية من سياسة التمييز العنصري.


[الصفحة التالية]