العقوبات الذكية-الغبية على العراق

 

الدكتور عبد الستار قاسم

مع كل الأسى الذي يصيب المشاعر العربية جراء الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على العراق وذلك الحزن العميق الذي تعبر عنه الجماهير العربية والإسلامية إلا أنه ليس بالضرورة كله ضار بالنسبة للعراق خاصة وللأمة ككل أو كله مفيد بالنسبة للولايات المتحدة وأصدقائها المؤيدين للعراق. رُبَّ ضارة نافعة، ورُبَّ نافعة ضارة. وكم من المرات يظن المرء أنه يقوم بعمل مفيد ليستنتج غير ذلك، وكم من المرات يكره المرء شيئا عساه يكره شيئا تكون نتيجته عكس ما يتوقع.

أخذا بعين الاعتبار عددا من العادات والقيم العربية وبعض نماذج العمل والتعامل السائدة في الوطن العربي قد يتوصل المرء إلى استنتاج بأن استمرار الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية على ما هي عليه ليس من مصلحة الأمة، وأن الأمة، أمام تخلفها عن الأمم، بحاجة إلى زلزال يهز أركانها ويجبرها على تغيير ما هي عليه وفيه. فمثلا هناك إهدار كبير للوقت في الوطن العربي إلى درجة أن قيمة الوقت تكاد تكون غير موجودة، وهذا واضح في عدم التزامنا، بصورة عامة، بالمواعيد. نحن نبدد الكثير من الوقت في نشاطات غير مفيدة أو ضارة مثل المجاملات الاجتماعية المفرطة والزائدة عن حدود المعقول، وكذلك في السمر الذي يتميز بتناول أطراف الحديث المكرر والممجوج والذي تغلب عليه المغيبة، وربما يتم تكريسه للعب الورق أو النرد وما شابه. ننهمك كثيرا مثلا في مسألة زواج ونوظف الكثير من أوقاتنا وأموالنا من أجل نشاط من المفروض أنه طبيعي لا يتطلب تعقيدات في المراسيم. وهناك عدم استغلال جيد للأرض والمقدرات الاقتصادية المختلفة إلا ما ندر. لننظر مثلا إلى تلك المساحات الزراعية الشاسعة في الوطن العربي غير المزروعة على الرغم من إمكانية القيام بذلك بقدرات وطاقات محلية، أو إلى تلك المساحات المزروعة بنباتات غير ضرورية أو ضارة مثل القات. لننظر مثلا إلى الإفراط باستخدام مصادر الطاقة وكأنها باقية معنا إلى أبد الآبدين، أو إلى الاستهلاك الذي يفوق قدراتنا الإنتاجية. وإلى ذلك من القضايا الكثيرة التي يتم الحديث عنها يوميا في مختلف أنحاء الوطن العربي كسلبيات يتوجب تصحيحها.

ليس القصد هنا البحث في أسباب هذا الوضع العربي المتميز بالتراخي والتكاسل والاعتماد على الغير وغير ذلك من الصفات غير العظيمة، وإنما التأكيد على أن الشعوب العربية بحاجة لأن توضع في ظروف صعبة وقاسية جدا حتى تنفض عن نفسها الغبار وتبدأ العمل بجد نحو حياة يرسم معالمها الجهد والعرق العربيين. كل الكلام الجميل الذي كتبه الكتاب وصاغه المفكرون وتحدث به الخطباء والوعاظ لم يؤثر كثيرا لا في الشعوب العربية ولا في قياداتها من أجل السير في طريق التغيير. وجد العرب أنفسهم يجلسون على ثروات خبأها لهم باطن الأرض "فتمغّطوا" على فراش نعمة أسبغها الله عليهم دونما حرص وأسرفوا، ومرت عليهم الظروف القاسية المتميزة بالهزائم أمام الأعداء وبالتجزئة ونهب الثروات من قبل الغير ولم يتحركوا دفاعا عن أنفسهم وعن مصالحهم. ربما يتحركون نحو العمل بجد ونشاط عندما يصابون بلقمة خبزهم ويصبح رغيف الخبز صعب المنال.

تمر فترات على أبناء الأمة في عدد كبير من الدول العربية يحتقرون فيها العمل في الأرض، والفلاح في نظر هؤلاء محتقر وغبي. وتمر عليهم أوقات يأنفون فيها القيام بأعمال النظافة لأنها حقيرة، وكذلك بالنسبة لمهن وحرف إنتاجية متعددة. يفضل أغلب أبناء الأمة الانخراط في أعمال غير إنتاجية أو شبه إنتاجية كالوظائف الإدارية والأعمال التجارية التي تتخذ من الاستهلاك معبدا لها. لا شك بأننا بحاجة إلى أوقات قاسية تدفعنا إلى حمل المنجل والفأس لنتعانق مع الأرض ونرويها بعرقنا. ونحن أيضا بحاجة إلى شظف من العيش لكي نتعلم أن العمل حتى لو كان في جمع القمامة ليس عيبا. كسر هذا الكبرياء المزيف أساسي من أجل صنع الكبرياء الحقيقي الذي يرفض مدّ اليد للآخرين والاعتماد عليهم ويرفض الهزائم وتطاول الأمم علينا وعلى أرضنا وثرواتنا.

للحصار مضار بالتأكيد، لكن لو نظرنا إلى الذين بدءوا بالانخراط في العمل الزراعي في العراق منذ الحصار لوجدنا أن أعدادهم تتزايد باستمرار. أما مساحة الأرض الزراعية فقد تضاعفت وتحسنت أساليب الزراعة واستخدام مياه الري. وارتفعت وتيرة الابتكار مثل صناعة الأدوية وتطويرها، وتطورت نوعية التعليم وأصبحت أكثر حرصا على التعليم الإبداعي بدل التعليم التلقيني. شمّر العراقيون عن سواعدهم وسيقانهم في نمط حياة جديد يقوم على الإنتاج في مختلف الميادين. وهذا بالضبط ما يحتاجه العراق وتحتاجه دول عربية كثيرة. التحول في القيم حيوي من أجل بناء الأمة وانطلاقها نحو المستقبل الذي يصنع لها احتراما ويقيم لها وزنا بين الأمم. قيم عربية موجودة الآن لا تساهم إلا في انحطاط الأمة وتخلفها والمتمسك بها خائب لا محالة، لكن حياة الرتابة تقسو على الفرد وتحيل حياته إلى جمود تتحكم بها المقاييس المعدة مسبقا حول كيف عليه أن يتصرف ويتعامل ويقيم العلاقات. أما الحياة التي تتطلب الإبداع والإنتاج فلها مقاييس أخرى حركية وحيوية وديناميكية، وحسابها لا يتم بناء على الالتزام بقيم الجمود وإنما بناء على قدرة الفرد على تحقيق الاختراق من أجل التميز في العطاء.

ولهذا أنا لست من الذين يبكون العراق بسبب الحصار. إن كنت أتحدث ضده فذلك لأسباب سياسية تتعلق بعداء الولايات المتحدة للعرب، وأحيانا لأسباب إنسانية انفعالية تتعلق بمشاهد المرارة التي يعيشها أهلنا في العراق. هذا لا يعني أنني من المؤيدين للحصار لكنني لست من الذين يرغبون في شق جيوبهم حزنا، ولا يعني أيضا أن ذلك ليس موقفا إنسانيا لأن الموقف الإنساني الصحيح هو الرغبة الشديدة في أن يتعلم أهل العراق وأبناء الأمة جميعا الاعتماد على أنفسهم. وهذا يعيدنا إلى المقولة القديمة القائلة: "لا تعلمني أكل السمك بل علمني كيف اصطاده."

يتعلم أهل العراق الدرس سريعا وأرى أن الدرس لن يكتمل قبل أن يتعلم جيل أن الحياة كفاح وعمل وأن لقمة الخبز لن تكون طيبة إلا إذا جُبلت بالعرق. مر على الحصار حتى الآن أحد عشر عاما، وأظن انه بعد مدة مماثلة سيكون العراق قد اجتاز كل الاختبارات وأصبح شعبه قادرا على شق طريقه بدون نفط، وسيكون قادرا على الدفاع عن نفسه بكفاءة عالية وربما على ردع الآخرين أيضا. بعد اثنين وعشرين عاما سيكون العراق قد طورا جيلا إنسانيا عظيما شغّيلا مختلفا عن الشعوب العربية التي تنخر التقاليد البالية عظامها. وفي أثناء ذلك سيتمكن العراق من تصنيع ما تحاول إسرائيل أن تمنعه من استيراده.

تحاول أمريكا أن تكسر إرادة العراق من خلال الحصار وأن تستعمل معاناة الناس للتشهير بالقيادة العراقية على اعتبار أن استمرار المعاناة مرتبط بعناد القيادة وعدم تليين موقفها. لست مطلعا تماما على فلسفة القيادة العراقية، لكنه من منطلق التخطيط الاستراتيجي لبناء الأمم الصلبة التي تحترم العمل أرى أن القيادة العراقية في رفضها لشروط تخفيف الحصار أو إنهائه تسير بالطريق الصحيح. إنه منطق سليم أن يتم العطف على الأطفال، ومن السليم أيضا أن يتفاعل الإنسان مع معاناة الآخرين ويحاول التخفيف عنهم، لكن الحرص على الأمة وبنائها بحيث تخدم الصغير والكبير، الطفل والشيخ، الرجل والمرأة أقوى حجة ومنطقا. جيد أن يذرف المرء الدموع على طفل، لكنه من الأرقى أن يذرف الدموع على أمة.

مقدرات العراق بدون النفط أكثر من مقدرات كوريا الشمالية، وعدد سكان العراق أكثر من عدد سكانها، فلماذا تستطيع كوريا شق طريقها ولا يستطيع العراق؟ تغيير جوهري في القيم سواء كانت إدارية أو سياسية أو اجتماعية أمر لا يمكن تجاوزه إذا أراد العرب الانطلاق نحو المستقبل، وهذا ما يساهم الحصار في صنعه. ربما لا يكفي العمل على جيل واحد من أجل إحداث تغيير قيمي يتسم بالديمومة إلا أنه كاف لصنع قوة دفع كبيرة نحو المستقبل يمكن الحفاظ عليها وتطويرها إذا تبنت القيادة العراقية برنامجا سياسيا يعزز مكانة الفرد السياسية ويفتح له مجالا رحبا للمشاركة السياسية. في هذا التبني لا يوجد ما يهدد الاستقرار السياسي لأن التاريخ السياسي للأمم يشهد أن عدم الاستقرار يعود أساسا إلى تهميش دور الجماهير أو إلغائه والتعامل مع الناس على أنهم قُصّر لا يفقهون.

ربما يكون من المهم أن تقع دول عربية تحت الحصار ويمنع عنها الغذاء والدواء ذلك لأن الشدائد تصنع الأشداء. وربما لا تعاقب الولايات المتحدة العرب عندما تحاصر دولة عربية أو إسلامية على الرغم من نواياها الشريرة وإنما تفتح بعنجهيتها أمام العرب آفاقا للتغيير. قد تصنع من خلال لؤمها وحقدها على العرب خيرا لا تريده ولا هو في وارد التفكير العربي. إن لفي الحصار دروسا هامة لا بد أن تطبع أثرها على الشعوب والدول المحاصرة كرها إن لم تقبل طباعتها طوعا.

مع الاحترام لكل الشعوب العربية والإسلامية في كل مكان ومع كل التبجيل والانحناء أمام عظمتها فإنه من صالحها على المدى المتوسط والبعيد أن تعاني من الشدائد خاصة فيما يتعلق بلقمة الخبز، وقد يكون الحصار أحد أدوات صنع الضائقة المطلوبة. يلحق ضرر كبير في الدولة المحاصرة على المدى القريب لأنها ستعاني من الانقطاع الفجائي لما تم الاعتياد عليه ومما يترتب على ذلك من إرباك اقتصادي واجتماعي وإداري وغير ذلك. إدارة حياة الاستقرار تختلف عن تلك التي تتميز بتموج وإعادة تأقلم وتكيف. وكذلك الأمر بالنسبة للأوضاع الاقتصادية التي تقلب الشدائد نظامها وأسسها وطرق إنتاجها. لكن في كل الأحوال، تضغط المحن والتحديات القاسية باتجاه الإبداع مما سيكون له الأثر البعيد على صناعة وصياغة التاريخ.

العراق على حق في رفض المبادرات الهادفة إلى إلغاء الحصار أو تخفيفه بشروط لأن في ذلك خسارته. يخسر العراق إباءه إذا قبل الشروط ويتحول بذلك الحصار من مأزق يقود إلى الإبداع إلى مجرد معاناة لا معنى لها وكان يمكن إنهاؤها باستسلام مبكر. العراق هو الرابح في إصراره على موقفه لأن أمريكا لن تكون قادرة على السيطرة على الحصار حتى لو كانت العقوبات ذكية، وبإمكانه تسجيل انتصار حقيقي لا يفخر به شعب العراق فقط وإنما كل جماهير الأمة. ولا يخفى على أحد حاجة الأمة الماسة للشعور بنوع من الفخر والعزة. ومن ناحية أخرى، يساهم الحصار في استمرار العملية الإبداعية التي "يجب" أن تُتوج بتطوير تحد استراتيجي للغرب الذي يحرص على استمرار ضعف العرب. ومن هنا حتى هناك، من المفروض أن يستمر العمل السياسي باتجاه حشد الرأي العام العربي ضد سياسة الولايات المتحدة التي تصر على إذلال العرب واستمرارها في الهيمنة عليهم وابتلاع ثرواتهم.


[الصفحة الرئيسية]