كلمة الرفيق جميل المجدلاوي
في مهرجان تأبين الشهيد القائد أبو علي مصطفى

قبل أربعين يوماً ... في السابع والعشرين من آب أغسطس 2001 ، زُفّ إلى فلسطين ، فارسٌ غنى له كلّ الوطن ... كل أبناء الوطن ... ونُصبت لعُرسِه الزيناتُ في أربعِ أرجاءِ الأرض ... على مدى الدمع الفلسطيني ، والدم الفلسطيني ... وهل من مكان في هذه الدنيا لم تغسلهُ دمعةٌ أو قطرةُ دمٍ فلسطينية ؟!

نزفُّ عريسَنا في العادة على صهوة حصان ... لكن عريسنا امتطى هذه المرة صهوةَ صاروخين أراد الصهاينةُ أن يكونا نهاية لحياة رفيقنا ، قائدِنا ، شهيدنا ، أبو علي مصطفى ...

وإذا بروح شهيدنا البطل ، تمتطيهما ، لتحلق عالية ... عالية ... تطوفُ كلّ سماءِ الوطن ، تنيرُ كل سماء الوطن ...

وإذا بقمر الشهداء ... يطل على كل وادٍ وكل سهلٍ ، وكل جبل ، يأخذ مكانه بين الكواكب والنجوم التي تطرز سماء فلسطين ، وتطل على كل الأرض العربية ، شهيدة وشاهدة تدافع عن بلاد العرب ، ومقدسات العرب ، تنير طريق الحرية والاستقلال والعودة ، طريق صونِ كرامة هذه الأمة.

أخي الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة

ممثل السيد الرئيس أبو عمار

الإخوة والأصدقاء ممثلي الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة

الإخوة قادة العمل الوطني الفلسطيني كل باسمه وبصفته

الأخوات والإخوة

الرفيقات والرفاق

أيها الحضور الكريم ...

        سيقرأُ أحفادُنا في يومٍ من أيام التاريخ القادم ، أن هذه البلاد قد شهدت غزوة استعمارية صهيونية ، أقامت لها كياناً على أرض فلسطين أسمته إسرائيل ، وكانت إسرائيلُ هذه مدعومة من كل قوى الاستعمار والعدوان ، لتكون سوطاً يلهب وجه وظهر هذه الأمة ، وتستنزف قواها ، وتمنع وحدتها وتقدمها.

        وسيسجل التاريخُ ، أن شعبنا قاوم هذه الغزوة الاستعمارية الصهيونية ... وأنه قدم آلاف الشهداء جيلاً بعد جيل.

        ستقرأ أجيالٌ قادمة ، في سِفْر هذا التاريخ صفحاتٍ مجيدة ، تحكي قصة انتفاضة القدس والأقصى ... انتفاضة الحرية والاستقلال والعودة ... ومن بين هذه الصفحات ، سيطل وجه شهيدنا قائدنا البطل ، الرفيق الأمين العام قمر الشهداء أبو علي مصطفى.

        انتمى شهيدنا شاباً لم يكمل السابعة عشرة إلى حركة القوميين العرب وأمضى في سجن الجفر الصحراوي الشهير خمس سنوات ... إزداد فيها قوة وصلابة وقناعة بأن النضال الدؤوب والمنظم هو الطريق لاستعادة الكرامة والوطن والحقوق.

خرج من الجفر ليقْدم دون تردد أو ارتباك على إعادة بناء وتنظيم خلايا الحركة وليكون مسؤولاً عن منطقة شمال الضفة وهو في أوائل عشرينات عمره ... وظلت حياته سيرة كفاح متواصل ... ليتكرر اعتقاله عام 1966 ، وليخرج من السجن على أبواب نكسة حزيران ، فيمسك بزمام المبادرة ، ويكون من مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ويدخل إلى الأرض المحتلة ويشارك ويشرف على تأسيس الخلايا الأولى للجبهة في الداخل.

أبو علي مصطفى :

  • صلب كالصخر ، ولكنه الانسان الطيب ، الدافئ ، الحنون ، حلو المعشر.

  • القائد المقاتل الذي خاض كل معارك الثورة الفلسطينية ودائماً من خندق الاشتباك الأول ، القائد الذي كان يقول دائماً اتبعوني.

  • النزيه والصادق ، الجرئ ، الواضح ، السهل الممتنع.

  • النظيف ، والزاهد زهداً صوفياً قلّ نظيره

قابلته أول مرة في صيف عام 1968 وكان قادماً إلى القاهرة للمشاركة في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني ، وعندما دعوناه لنجلس معاً في كافتيريا المطار رفض ، فجلسنا على المقاعد الخارجية في مطار القاهرة ، هذا كان أول لقاء تشرفت فيه بمعرفة القائد وجهاً لوجه ، وودعته لآخر مرة في صيف العام 2000 بعد أن حضر جلسة المجلس المركزي ، وكان آخر عشاء تناولناه معاً ، سندويتشات فلافل من أبو السعيد ...

        وظل أبو علي ، على مدار ما يزيد عن الثلاثين عاماً بين مقعد في مطار القاهرة الدولي ، وفلافل أبو السعيد هو ، هو المناضل الكبير ، البسيط ، والمتواضع ، نظيف اليد ... رغم كل المياه التي جرت في نهر الحياة ، ورغم الثروات التي جرت وتجمعت في جيوب وأرصدة الكثيرين ، ظل أبو علي هو ، هو النظيف النزيه.

  • أبو علي قائدٌ يحترم المؤسسة وينضبط لقرارها ، كان له رأياً واضحاً في اتفاقيات أوسلو وكل ما يترتب عليها من نتائج ، وعندما صدر القرار بعودته للوطن ، قال أعود إلى خندق الاشتباك المتقدم ، وهكذا فعل.

  • كان وحدوياً ، ولكنه كان واضحاً وحازماً ، فالوحدة لا تقوم إلا على أسس وطنية ، وفي إطار مؤسسة محترمة وديمقراطية.

  • كان متواضعاً ، في حياته ، وفي نضاله ، فلم يكن يتعالى عن أي مهمة.

  • حاسماً ، وحازماً ، ولكنه ديمقراطياً ، يتمتع بميزة الاستماع الهادئ ، الصبور ، يحترم الرأي الآخر ويتأثر به ، ويؤمن إيماناً عميقاً بنسبية الحقيقة.

  • كان أبو علي ، التجسيد الملموس لصلابة الكادحين ، وإبداعهم عندما يمتلكون رؤية الثورة وعلمها ، وقد أصبح رفيقنا ، قائدنا ، وأميننا العام عن استحقاق وجدارة ، وهو القادم من صفوف الفقراء. لم يتجاوز المرحلة الثانوية ولكنه آمن أن الثورة علم وعمل ، فدرس علم الثورة وأبدع فيه.

أخى ، ورفيقي ، وصديقي ، وقائدي أبو علي:

ستظل حاضراً فينا ، في كل رفاقك ، واخوتك ، في كل المناضلين الفلسطينيين في كل المناضلين العرب ، في كل المناضلين من أجل الحق والعدل والسلام والتقدم في هذا العالم.

لقد توحد فيك أيها الرفيق العزيز الحقُّ والفكرُ والقولُ والعملُ

لقد أراد المجرمون باغتيالك أن ينالوا من روح الشعب ، من روح الانتفاضة والمقاومة ، فتواصلت الانتفاضة ، وتصاعدت المقاومة ، وأقسم رفاقك ، والمناضلون والمجاهدون على اختلاف طيفهم ، أن دماءك دين في أعناق الجميع.

أرادوا باغتيالك أن يربكوا الجبهة ... فكانت المؤسسة التي كنت أحد أبرز بناتها ، هي صمام الأمان ... وضمان الاستمرار والتواصل ...

فانتخبت اللجنة المركزية للجبهة قبل أيام ، وفي جو مفعم بالوحدة والتضامن الرفاقي ، والديمقراطية رفيقيك

أحمد سعدات                   أميناً عاماً للجبهة

وعبد الرحيم ملوح              نائباً للأمين العام

 

صناع الانتفاضة البواسل

أيها الحضور الكريم

        سأكتفي في الحديث السياسي بما ورد في كلمة الرفيق المؤسس الحكيم ، وسأتناول مباشرة ما حدث في غزة يوم الاثنين الماضي وهو شيء خطير ومحزن ، ويمكن إذا تكرر أو استمر أن يهدد كل منجزات هذا الشعب.

        إذا لم نمسك بزمام المبادرة ، ونقف بمسؤولية أمام ما جرى ، نقف بمسؤولية أمام إطلاق النار على المتظاهرين ، وأول من هو مطالب بالمراجعة المسؤولة هي السلطة وقيادتها ، ولا يجوز لها أن تكتفي بمطالبة الجميع بالالتزام بالمؤسسة والقانون ووحدانية القيادة.

        نحن بدورنا نقول ، نعم للمسؤولية ، ونعم لسيادة القانون ، ونعم لقيادة فلسطينية واحدة ، ولكن كل هذه " النعمات " لها أسس ، أقول أسس حتى لا أقول شروط ، ومن أول هذه الأسس الاحترام الحقيقي للديمقراطية ، فقد تجاوز شعبنا بآلاف الشهداء ، وآلاف الجرحى ، وآلاف المعتقلين ديمقراطية ، قل ما تشاء وأنا أفعل ما أشاء ، غهذه ليست ديمقراطية ، هذه مخادعة لن يسلّم بها شعبنا.

        وحتى تكتمل الديمقراطية ، ينبغي الإقرار بالتعددية ، والتعددية السياسية تتجسد ملموسيتها في الإقرار والإلتزام بمبدأ تداول السلطة وهذا له طريقان ، طريق مؤقت ، هو تشكيل قيادة وطنية تعكس الإئتلاف الوطني الذي يقود ويساهم كتفاً إلى كتف في فعل الانتفاضة وفي قيادتها الميدانية ، وهذا وضع مؤقت ، أؤكد أنه وضع مؤقت ، أما طريق تداول السلطة الديمقراطي فهو ما يقوم على أساس الانتخابات الجماهيرية الحرة والمباشرة ، فلا يوجد رئيس من المهد إلى اللحد ، ولا يوجد وزير من المهد إلى اللحد ، ولا يوجد عضو مجلس تشريعي من المهد إلى اللحد ، لنحتكم إلى الديمقراطية ، وشعبنا على قدر المسؤولية.

        الأساس الثاني بعد الديمقراطية ، هو حرمة الدم الفلسطيني ، والدم الفلسطيني حرام على الجميع ، ولهذا فإننا في الجبهة الشعبية مع إخواننا ورفاقنا في لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية ، لا نريد أن نزايد على أحد ، ولا نريد أن نتمايز بشكل مفتعل ، أقول إننا في الجبهة مع باقي الإخوة والرفاق طالبنا ونطلب تشكيل لجنة تحقيق نثق بها وتحاسب المسؤولين عن احزاننا جميعاً ، لجنة التحقيق التي نطالب بها تتشكل من:

أولاً : السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ، فمهما كان تقييمنا لها ولأدائها ، فإننا ندعو إلى تغييرها ديمقراطياً ، ولا ندعو إلى الفوضى.

ثانياً : ممثلين عن لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية.

ثالثاً : شخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة والمصداقية.

        وتقوم لجنة التحقيق بعملها على أساس من الوضوح والشفافية ، ومصارحة الجماهير بنتائج عملها ، حتى لا يتوه الشعب ، وحتى لا تضيع الدماء بين تعدد الروايات ، وبهذا نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق الاستفادة واستخلاص الدروس مما وقع يوم الإثنين 8/10.

أيها الإخوة

أيها الرفاق

        لا نريد لشعبنا وأنفسنا أن نتوه أو نضلل في ظل ضجيج الطائرات الأمريكية ، لا نريد أن نتوه في صخب هذا التحشيد الظالم الذي تحشده الولايات المتحدة الأمريكية ، متذرعة بما حدث في أمريكا يوم 11 أيلول الماضي ، وهذا الذي حدث خاطئ ولا نقبل به ، إننا لا نقبل هذا الإرهاب الأعمى الذي لا هدف له ، ولكننا لا نقبل أن يكون ذلك ذريعة لحشد ظالم جديد ، مثلما حشدت أمريكا في بداية تسعينات القرن الماضي ، لا نقبل لها أن تفتتح هذا القرن بحشد جديد يستهدف إحكام قبضتها وهيمنتها على هذا العالم تحت ذريعة محاربة الإرهاب.

        إن أشد تجليات الإرهاب هو ما تجسده وما تمارسه إسرائيل بحق شعبنا ، إن الإرهاب الكوني هو ما تجسده العولمة المتوحشة في نهبها لخيرات الأمم والشعوب ، إن محاربة الإرهاب تتطلب النضال من أجل عالم تسوده المساواة والعدل والتقدم ، لا عالم يسوده قطب واحد ، يسلط عصاته على رأس البشرية كلها ، إن ما تفعله أمريكا ظلم لا نقبل أن يكون شعبنا جزء منه.

أيها الحفل الكريم :

في أول لقاء لي مع أمي بعد استشهاد رفيقنا الغالي قالت لي :

يسلم خاطركم يمّه ... والبركة فيكم إنت ورفاقك ... ثم أردفت دامعة

يا حسرة يامة ... والله أبو علي ... أبو علي بصحيح ... سبع وقليلين أمثاله.

 

 

السلام عليك يا أبا علي

السلام عليكم يا كل الشهداء

المجد لكم

الوفاء لكم


[الصفحة التالية]