حول دور
الجماهير العربية في إسرائيل
الفلسطينيون في
مناطق العام 1948 … كيف تنظرون لدورهم في تحقيق الاستقلال الفلسطيني
ومواجهة شارون؟
أهلنا وشعبنا في فلسطين 1948 هم قوة
استراتيجية ثابتة في النضال الوطني الفلسطيني ، وقد كان لصمودهم وثباتهم
على أرضهم دور حاسم في دفع المشروع الصهيوني وركائزه الأيديولوجية
والسياسية إلى المأزق التاريخي ، وكشفوا في العمق مأزق ديمقراطيته العنصرية
، لقد شكّل صمود هذا القطاع من شعبنا منذ العام 1948 حتى الآن أسطورة في
المقاومة والقدرة على التحمل ثم الانتقال إلى الفعل والمبادرة.
لقد حاول المشروع الصهيوني بكل الوسائل
تمزيق بنية هذا القطاع الشعبي الفلسطيني اقتصادياً وسياسياً وديموغرفيا
وثقافياً وقد مارس ضده كل وسائل التخريب والتشويه لتحويله إلى مجرد تجمع
مفرغ من مضامينه الوطنية والقومية ، غير أن صلابة المقاومة وابتداع آليات
الدفاع الذاتي والقدرة على امتصاص الضربات وتصليب روحه الثقافية وتعزيز
انتمائه القومي ، أثبت فشل المحاولات الصهيونية التي وجدت نفسها في لحظة
واحدة ( كما حصل العام 1976 في يوم الأرض ثم أثناء الانتفاضة الفلسطينية
الراهنة 2000 – 2001 ) أمام شعب واضح في انتمائه واستعداده للتضحية ، لقد
مثّل سقوط 13 شهيداً من شعبنا في مناطق الـ 48 خلال انتفاضتهم مع أهلهم في
الضفة والقطاع تجسيداً رائعاً لوحدة الشعب ووحدة طموحاته السياسية والقومية
، وكشفت حكومات إسرائيل عن جوهر سياساتها العنصرية تجاه هذا المجتمع الذي
أطلقت على صدور أبنائه الرصاص والموت بدمٍ بارد.
ورغم الحديث الباهت عن المواطنة
والمساواة في دولة تقوم أصلاً على التمييز الديني والعرقي والسياسي ، فلعل
دور الجماهير الفلسطينية الحاسم في منطقة الـ 48 يتركز في هذا اتجاه
الاستمرار في الكشف عن فشل المشروع الصهيوني بحل المسألة اليهودية وفق
الأيديولوجية الصهيونية وكشف لا ديمقراطية إسرائيل وعجزها عن أن تكون دولة
عادلة تجاه مواطنيها كونها تقوم على رؤية وممارسة وعقيدة تفتقد أصلاً إلى
العدالة والاعتراف بتمايز وحقوق الآخرين.
وفي سياق تراكم المقاومة وتعزيز
الانتماء ووحدة الشعب الفلسطيني وقضيته تتشـابك نضالات ومصير تجمعات الشعب
الفلسطيني المختلفة والتي بمجملها تحدد استراتيجية المقاومة في مواجهة
السياسات الصهيونية سواء كانت موجهة ضد الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع
عبر استمرار الاحتلال والاسـتيطان ورفض قيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة
أو عبر رفض وعدم الاعتراف بحقوق الفلسطينيين في مناطق الـ 48.
كل هذا يقود موضوعياً إلى وحدة الشعب
الفلسطيني ووحدة مصيره وقضيته ، والمهم استخدام الإمكانات الكبرى التي
يملكها كل تجمع وفق خصوصياته وأولوياته بصـورة عملية وديمقراطية بعيداً عن
عقلية المصادرة والهيمنة.
نعم … أنا
متفائل بالمستقبل
نود أن نختتم
بالسؤال : هل أنت متفائل بالمستقبل ، وما هي نصيحتكم للأجيال الشابة؟
نعم بالتأكيد ، وأقول ذلك ليس من باب
المجاملة ، ولكن لأنني أرى حركة الواقع والتاريخ ، وألمس جيداً إرادة شعبنا
وصلابته وعُمق وعيه الوطني والقومي ، كما أرى إمكانات أمتنا العربية ودورها
الحضاري التاريخي.
صحيح أن الواقع صعب ، وحالة الضعف
والتمزق تثير عند بعض الناس الإحـباط ، لكن كل هذا مؤقت وعابر ، والأساس هو
في روح الإنسان العربي والطاقات البشرية والاقتصادية والثقافية التي
يختزنها الوطن العربي ، وكل هذا لا يمكن إلا أن يدفع باتجاه التغيير
وباتجاه الفعل لاستعادة التوازن بين هذه الإمكانات وبين الدور السياسي
والحضاري للأمة العربية.
هذه العملية بالتأكيد لن تكون بضربة
واحدة وإنما ستأتي عن طريق التراكم وعن طريق النضال والكفاح على مختلف
الصُعد ، والكفاح بما يشمل التصدي لمهام تحرير الوطن العربي اقتصادياً
وسياسياً وثقافياً من التبعية للدول الإمبريالية وأيضاً التصدي للمشروع
الصهيوني الذي يستهدف الأمة بكل أبعادها.
وإلى جانب المهام القومية والسياسية
تأتي وبنفس القدر مهام البناء الاجتماعي وترسيخ القيم الديمقراطية التي
تشكل المدخل لمواجهة التناقضات الداخلية وحلها بصورة ديمقراطية وبما يحفظ
حقوق الإنسان العربي وحريته وكرامته ويحفظ مطالبه المادية الأساسية وأيضاً
يحمي حالة التنوع الديني والثقافي والسياسي والاجتماعي فيه ، بحيث يتحول
هذا النوع من عامل تمزيق وبوابة للتدخلات الخارجية الاستعمارية إلى عامل
ثراء وغنى ثقافي وحضاري واجتماعي.
ضمن هذا السياق وهذه الرؤية لا تزال
قناعتي بوحدة الأمة العربية ودورها الحضاري الإنساني راسخة لم تتزعزع ، بل
إن الحالة الراهنة وعجز مشاريع التنمية القطرية عن الإجابة على التحديات
والأسئلة القومية يؤكد أن خيار الوحدة العربية هو الخـيار الاستراتيجي
الثابت ، أما كيف ذلك فهذا يحتاج إلى تفاعل وإطلاق الحوار بين الشعوب
العربية ونخبها الثقافية ومؤسساتها الاجتماعية للسـير نحو هذا الهدف الذي
يترافق مع مفهوم النهوض والتقدم.
وبهذا المعنى أعتقد أن على القوى
السياسية في كل بلد عربي والمثقفين العرب التحرك لتوفير شروط ومقدمات تحقيق
هذا الهدف سواء من حيث الرؤية الفكرية الثقافية أو على صعيد الرؤية
السياسية أو الرؤية التنظيمية ، عليها مغادرة عقلية الانعزال القطري باتجاه
الانفتاح على العمق القـومي وصياغة خطط عملية تنطلق مما هو قائم وتسير
بالتدريج نحو هدفها الأعلى ، وهنا يصبح ضرورياً الارتقاء بأداء مؤسسات
العمل العربي المشترك لتحقيق بعض الخطوات المرحلية مثل تطوير السوق العربية
المشتركة التي يمكن أن تشمل جميع الدول العربية أو تقتصر على بعض التكتلات
المرحلية كمجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي وبلاد الشام ووادي
النيل.
أمام هذه المهام والأهداف والطموحات
الكبرى يأتي دور الأجيال الشابة العربية ، وبالتأكيد ليس من حقي أو من حق
أحد مصادرة حق تلك الأجيال في تحديد دورها ومهامها ومعالجة أسئلتها الكبرى
، ومع ذلك فقد بذلت الأجـيال التي سبقتها جهودها وكانت لها تجربتها
بإنجازاتها واخفاقاتها ، فعليها أن تقرأ جيداً تجارب الذين سبقوها وتستخلص
الدروس حتى لا تكرر الأخطاء أو الخطايا ، كما عليها أن تستند لما راكمته من
خبرة وتضحيات وما تركته من إمكانات ولكن بهدف استثمارها بصورة أفضل وأكثر
فاعلية.
مهام جسيمة تقع على عاتق شبابنا العربي
، مهام مواصلة النضال التحرري ومهام البناء الاجتماعي ، غير أن هذا مشروط
بمدى وعي تلك الأجيال شباباً وشابات لدورهم وبذل الجهد لبناء الذات ووعي
خصوصية الأمة العربية بحضارتها وتاريخها وثقافتها ، وتعزيز الشعور بالكرامة
واحترام الذات الوطني والقومي والفردي ، وإبداع الأدوات الملائمة للسير
بهذه الأمة نحو أهدافها.
وهنا تحضر مسألة التعليم وتعزيزه وتطوير
العملية التربوية والتعليمية وتعميق الثقافة بالذات والآخرين ، الأمر الذي
يحمي تلك الأجيال من عمليات التشويه الثقافي وسحق الثقافات التي تجري من
قبل نظام العولمة وفق المفهوم الاقصائي الرأسمالي ، واستبدال حالة الاستلاب
الثقافي بعملية التقابل الحضاري والثقافي بين الشعوب والأمم على قاعدة
الاحترام والتكافؤ وليس النفي أو الهيمنة والسيطرة الثقافية.
إنني أدعوهم للانفتاح الثقافي الذي يحفظ
الذات ويستفيد ويفيد الثقافات الأخرى ، وهذا يأتي عن طريق تنمية الفعل
العقلي والمادي وتطوير نظريات وآليات نقد تستند للواقع وحماية مصالح
الإنسان العربي وحقوقه ، بما هي مصالح وحقوق سياسية اقتصادية وثقافية.
في النهاية إنني على ثقة مطلقة بشبابنا
وبالمستقبل ، وسيتمكن هذا الشباب من التصدي للمهام الكبرى وسيحمل الراية
بكل جدارة ، أقول هذا وأنا أرى هذا الشباب العربي يقدم نماذج رائعة في
ميادين العلم والبناء والبطولة في فلسطين ولبنان وفي كل بلدان العالم
العربي الكبير.