مأساة العراق
تدفع الشارع العربي لمزيد من الاحتقان
مضى أكثر من
عقد من الزمن على الحصار الجائر على العراق … فهل تتوقعون نهاية قريبة له ،
وعلى ماذا تعتمدون في استنتاجكم؟
جرح العراق النازف منذ أكثر من عشر
سنوات يعكس حالة الانحطاط التي يعيشها العالم العربي ، فالعراق ليس محاصراً
من الولايات المتحدة وحلفائها فقط ، وإنما بالأساس من الأنظمة العربية
والنتيجة هي الاستمرار في تدمير إنسان العراق وإمكانات العراق والكل يراقب
، البعض يشمت والبعض يناشد ولكن دون الجرأة على اتخاذ خطوة عربية عملية
واضحة وحاسمة ، بل إن معظم المبادرات والتمرد على الحصار المفروض بقوة
الإرهاب والعدوان الأمريكي البريطاني جاء " وباستثناء بعض المبادرات
الشعبية العربية " من خارج العالم العربي ، الأمر الذي يثير الاستفزاز
والدهشة في عقل كل مواطن عربي.
على أية حال ، مهما طال الحصار الغاشم
فإنه في النهاية سينتهي بالتأكيد ، إن له أثماناً إنسانية واقتصادية
وسياسية ونفسية ، ولكنه سينتهي ، غير أن الخطير في موضوع الحصار المفروض
على شعبنا الصامد في العراق هو ذلك الخطاب والممارسة الرسمية العربية التي
تنساق وراء مخطط التدمير الأمريكي ، مع أن الكل يدرك أن أسباب الحصار ليست
لها علاقة بكل ادعاءات الولايات المتحدة ، فالحصار يستهدف بالأساس تحطيم
مقدرات الشعب العراقي وإخراجه من ساحة المواجهة وابقائه كنموذج لعملية
التأديب التي تمارسها أمريكا ، وهنا تسقط كل الادعاءات حول تهديدات العراق
لجيرانه ، بسبب امتلاكه لأسلحة دمار شامل ، فمعظم الدول في هذا العصر تملك
أسلحة دمار شامل وأولها في المنطقة الكيان الصهيوني ، وهنا لا تنبس
الولايات المتحدة وحلفاؤها بكلمة حول هذا الموضوع ، مع أن الكيان الصهيوني
هو السبب المباشر لمعظم الحروب في المنطقة منذ ثلاثينات القرن الماضي.
إنني أعتقد أن استمرار الحصار هو
بالأساس عملية سياسية للاستمرار في حالة التوتر والتمزق العربي الداخلي ،
وقد لاحظنا جيداً كيف قامت أمريكا قبيل القمة العربية في عمان بقصف بغداد
بهدف فرض موضوع العراق على القمة لإعادة ترتيب الأولويات بعد أن دفعت
الانتفاضة الفلسطينية وتضحيات الشعب الفلسطيني بقضية الصراع الصهيوني إلى
رأس جدول الاهتمام والتوحد الشعبي في الشارع العربي ، وهكذا تتواصل عملية
الاستنزاف الداخلي ، الأمر الذي يتيح للمشروع السياسي الأمريكي – الصهيوني
العمل لفرض شروطه والوصول إلى أهدافه ، ومن جانب آخر فإن أميركا تستخدم
العراق كذريعة لاستمرار هيمنتها وسيطرتها ونهبها لثروات النفط العربي
وإحكام القبضة على قرارات السياسة العربية وتكريس وجودها العسكري وقواعدها
العسكرية في العمق العربي.
في النهاية ، إن مأساة العراق تتفاعل في
الوجدان العربي ، وهي تدفع الوضع نحو مزيد من الاحتقان والغضب الذي سينفجر
في لحظة ما ، خاصة وأن المواطن العربي بات يلمس ويدرك يومياً المعايير
المزدوجة أخلاقياً وسياسياً في ممارسة الولايات المتحدة التي لا تتورع عن
استخدام الفيتو لمنع توفير حماية للشعب الفلسطيني ، في الوقت الذي تسمح
لنفسها قصف العراق في أي وقت تشاء ، من هنا فإنني لا أملك أجنده زمنية
لانتهاء الحصار ، لأن ذلك لن يحصل إلا إذا تمكن الشارع العربي من رفع وتيرة
غضبه ورفضه إلى المستوى الذي يهدد الوجود والمصالح الأميركية في المنطقة
بما في ذلك هز عروش الحكام العرب الذين لا يعيرون شعوبهم وإحساسها بالإهانة
أي اهتمام.
غياب
الديمقراطية يعمق أزمة الحركات السياسية العربية
أزمة الحركة
الشعبية العربية هل هي سـياسية أم فكرية أم تنظيمية أم كلها مجتمعة ، وهل
ثمة بوادر إيجابية للخروج من هذه الأزمة؟
بالتأكيد ، الأزمة لها طابع شمولي ،
فالسياسة والفكر والتنظيم حلقات في سلسلة تتبادل التأثير فيما بينها سلباً
وإيجابا ، فلا يمكن الحديث عن سـياسة ثابتة إذا كان الأساس الفكري لتلك
السياسة يعاني من اختلال وذات الأمر ينطبق على علاقة الرؤية السياسية
بالرؤية التنظيمية.
وأزمة الحركة الشـعبية العربية بدون شك
ليست مفصولة عن الأزمة التي تعاني منها القوى والأحزاب السياسية العربية
التي من المفترض أن تشكل الرافعة للحركة الشعبية.
وأبرز تجليات الأزمة تتمظهر في الفشل
المتراكم لتوحيد تلك الحركات ، وهذا يعود إلى غياب الفكر الديمقراطي في
التعامل مع قضايا الخلاف التي تتحول بسبب هذا الفهم إلى حالة من القطيعة
بين القوى والحركات الشعبية ، فالعلاقة بين القوى القومية واليسارية
والإسلامية اتسمت عبر التاريخ بالصراع على حساب الوحدة مع أنها جميعاً من
المفترض أن تتصدى لذات التحديات والمخاطر والمهام الخارجية والداخلية.
إنني أدرك أن الاختلاف والتعارضات هي شئ
طبيعي ، كونها تعكس التنوع الفكري والطبقي ، وتبعاً لذلك البرامج والرؤى
السياسية ، غير أن هذا التنوع يجب أن يقوم على مبدأ الوحدة والتكامل مع
ضمان حق الاجتهاد والحوار الديمقراطي ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر ضرورة
تثبيت مبـدأ النقد والمراجعة والتجديد في سياسات وأداء مسيرة تلك الحركات
بما يستجيب لتحديات الواقع وما يفرضه من مهام وطنية وقومية سياسيا
واجتماعياً.
إن الحركة الشعبية العربية والأمة
العربية تملك إمكانات هائلة بشرياً واقتصادياً وثقافياً ، والمهم كيف يمكن
استثمار هذه الإمكانات لتحويلها إلى قوى مؤثرة دفاعاً عن مصالح الشعوب
والأمة العربية ومن أجل نهوضها وتقدمها.
وحالة الحراك الاجتماعي والفكري
والانفجارات الشعبية في أكثر من بلد عربي وانشدادها إلى النموذجين المشرفين
للنضال الشعبي ، أقصد الانتفاضة الفلسطينية وحالة الصمود الجبارة التي
يمثلها الشعب الفلسطيني وتجربة حزب الله المثيرة للاعتزاز ، كلها تؤشر إلى
أن قدرة الحركات الشعبية والقوى السياسية عندما تمتلك الرؤيا الواضحة
والإرادة الصلبة للاستعداد للتضحية قادرة على قلب المعادلات وتعديل موازين
القوى وتوجيه ضربات موجعة للاحتلال الصهيوني بل وإيقاع الهزائم به.
يضاف لما تقدم تجربة القوى الشعبية
العربية في مقاومة سياسة وثقافة التطبيع ، حيث سجل الشعب المصري والشعب
الأردني إنجازات ومواقف تثير الاعتزاز ، إننا أمام عملية تاريخية لها
ترجماتها واشتراطاتها السياسية والتنظيمية والفكرية للخروج من الأزمة
واستمرارية الصراع وجدية المهام الاجتماعية والاقتصادية ستدفع موضوعياً
وذاتياً باتجاه المزيد من الفعالية والوحدة والتجذير للحركات الشعبية
العربية.