|
الرفيق الأمين العام أحمد سعدات
في حوار مع صحيفة الفيثروتيبيا اليونانية
لماذا رفضت
جبهتكم الهدنة؟
كما أن المقاومة ليست هدفاً، فإن الهدنة أيضاً ليست غاية،
فالهدنة بمعنى توقف القتال، يجب أن تفتح الباب لمشروع سياسي ومفاوضات تؤدي
إلى إنهاء قضايا الصراع، وفي واقعنا إنهاء الاحتلال ونيل شعبنا لحقوقه
الوطنية في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة كما تنص قرارات
الشرعية الدولية. وما هو مطروح علينا كأفق سياسي هو خارطة الطريق، وهي
بالجوهر خطة أمنية وليست مشروع سياسي يضع الآليات لإنهاء الاحتلال للأراضي
الفلسطينية التي احتلت عام 1967 وإنهاء الاستيطان وضمان قيام دولة فلسطين
الديمقراطية بعاصمتها القدس، كما أنها بنيت على قاعدة إدانة نضال ومقاومة
الشعب الفلسطيني للاحتلال، وقلبت المنطق لتضع الاحتلال واستمراره وعنفه
نتيجة للمقاومة في لغة الخارطة (الإرهاب) وليس سبباً لها، لذا فهي ترتكز في
الجوهر على إنهاء الانتفاضة والمقاومة المشروعة لشعبنا ونقله إلى دائرة
مفاوضات حددت الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية مرجعية لها وليس قرارات
الشرعية الدولية، كمفاوضات يتحكم فيها المزاج الإسرائيلي ومزاج حكومة شارون
العنصرية وليس المنطق السياسي، وهذا عملياً سيؤدي إلى إعادة إنتاج نفس مأزق
مفاوضات أوسلو التي وصلت إلى طريق مسدود في كامب ديفيد عام 2000، على هذا
الأساس جاء موقفنا برفض الهدنة لا عشقاً للقتال والعنف، بلا نضالاً من أجل
أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته في حماية الشعب الفلسطيني الذي يتعرض
لأبشع أشكال العدوان الصهيوني وأكثرها همجية، قدم شعبنا خلالها أكثر من
2500 شهيد، 85% هم من بين المدنيين العزل، وأكثر من 25% منهم أطفالاً دون
سن الثامنة عشرة، وأكثر من 41000 جريحاً بينهم أكثر من 3000 مصابين بإعاقة
دائمة، فضلاً عن أشكال التدمير المنهجي لكل ما هو فلسطيني، الشجر والحجر
والأرض والمؤسسات...
إن مفتاح الهدنة ليس رهناً بمبادرة
فلسطينية هنا أو هناك، بل بإنهاء العدوان والعنف والإرهاب الصهيوني الذي
يمارسه جيش الاحتلال، لذا يجب أن يتركز الضغط الدولي والإقليمي على
الاحتلال كطرف معتد يملك آلات هائلة للقتل والدمار، وليس على شعبنا المجرد
من وسائل الدفاع عن النفس، وأقصر طريق للأمن والسلام والاستقرار في المنطقة
والعالم، هو إنهاء الاحتلال تنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية، وأعتقد أن
هذا مطلب عادل وليس عدمي أو مبالغ فيه، وأقل ما يمكن أن يطلبه شعبنا الذي
يتعرض للعدوان الصهيوني منذ أكثر من 55 عاماً.
هل الهدنة
بهدف تفكيك المنظمات المسلحة، أم لإنقاذ إسرائيل من أزمتها الخانقة؟
الضغط الأمريكي المتعدد الأشكال لوقف الانتفاضة والمقاومة
الفلسطينية يستهدف أولاً احتواء الحالة الفلسطينية، وليس بالضرورة حل
إشكالاتها أو معضلات الصراع، حتى لا تشوش على برنامجها ومخططاتها في
المنطقة والإقليم، وثانياً إنقاذ حكومة شارون وإسرائيل من أزمتها السياسية
والاقتصادية والأمنية، ووفق هذا المنظور فإن وقف العنف بالمفهوم الأمريكي
يعني حصراً تفكيك وإنهاء البنية التحتية للمقاومة ومعاقبة رجالها وتقديمهم
للقضاء، فالمقاومة من وجهة نظرهم جزء من الإرهاب العالمي الذي يتوجب
محاربته، وهي أيضاً تجلي للاعتداء "الفلسطيني" على الاحتلال المسالم، وهذا
جوهر خارطة الطريق وأساس لانطلاقها وتحركها من المرحلة الأولى إلى الثانية،
ويلتقي بل ويصر على المفهوم أيضاً إسرائيل، وهذا ما يثبته مؤتمري شرم الشيخ
والعقبة كإطار مفاهيمي وناظم للمهام الأمنية الفلسطينية.
هل تعتقدون
فعلاً أن أمريكا ستمارس سياسة متوازنة أم لها؟
منطق الصراع يستدعي أن يكون الدور الأمريكي متوازناً حتى
يستطيع تحقيق النجاح، لكن الواقع والمواقف الأمريكية تجاه القضية
الفلسطينية لم تكن متوازنة على الإطلاق، بل ويمكن القول أنه منحازاً
ومسانداً للعدوان الإسرائيلي على شعبنا ومشجعاً له، فعلى مدار سنوات
الانتفاضة شكّل الموقف الأمريكي غطاءاً سياسياً و قانونياً لهذا العدوان،
كما أن خارطة الطريق رسمت وصممت وبنيت على أساس رؤية الرئيس بوش التي
أطلقها في حزيران 2002، وجاءت للالتفاف على قرار الأمم المتحدة الذي شكّل
الإنجاز الأهم للنضال الفلسطيني وتقييده بآليات تنسجم والرؤية والسقف
السياسي لحكومة شارون بالحل الانتقالي "دولة في حدود مؤقتة" حتى لو كان هذا
المفهوم لا يوجد ما يقابله في القانون الدولي، ومفاوضات ماراثونية طويلة
الأمد. وفي تقديري أن هذه السياسة تنسجم مع إطار المصالح الأمريكية
والسياسة الأمريكية عموماً في المنطقة المحددة بالسعي لإطباق السيطرة على
المنطقة وإقليم الشرق الأوسط وثرواته النفطية على الخصوص كمفتاح لتحقيق
سيطرتها على العالم وتأكيد سيادتها عليه.
إن السياسة الأمريكية في المنطق ينطبق عليها مفهوم إدارة الأزمة وليس وضع
الآليات لحل هذه الأزمة.
أي
الخيارات القيادية في فتح تشعرون أنها أقرب لكم، أبو مازن أم مروان
البرغوثي؟
سياستنا تقوم على التعامل مع أحزاب وقوى سياسية وليس مع
أفراد، وعلى هذا الأساس نحترم خيارات هذه القوى الديمقراطية في تحديد
شخوصها القيادية، ونتعامل معهم كممثلين بمعزل عن تفضيلنا أو رغباتنا، وحول
السؤال المحدد الذي يقارن بين الأخ محمود عباس والأخ مروان البرغوثي، فكلا
هاتين الشخصيتين القياديتين أعضاء في منظمة وهيئات فتح، والفرق بين
مواقفهما طفيف، من حيث التزامهما برؤية فتح التكتيكية ومنهجها السياسي
البراغماتي التكتيكي، فلا فرق بين موقفيهما فيما يتعلق بالحل الدبلوماسي
القائم على المفاوضات، ولا في تحديد هذا الخيار كأساس لاستراتيجية فتح في
إدارة الصراع، والفرق في التعاطي مع الانتفاضة والمقاومة وكذلك الدور لكل
منهما يظل آنياً، مادام سيحتكم في نهاية المطاف لمرجعية القرار الرئيسي في
فتح "اللجنة المركزية" التي يتمتع فيها الأخ أبو مازن بموقع الرجل الثاني،
وكذلك في منظمة التحرير الفلسطينية، فيما لم يحظى الأخ مروان سوى بعضوية
الصف الثاني كعضو في المجلس الثوري للحركة. وفي هذه الحال فإن لأبي مازن
قدرة في التأثير على قرار الحركة، وإنصافاً للحقيقة فإن مواقف الأخ
والمناضل مروان البرغوثي السياسية التكتيكية فيما يتعلق بالانتفاضة
والمقاومة وكذلك مواقفه العملية الجسورة كان لها تأثيراً وقوة دفع أثرت
إيجابياً على ترسيخ الانتفاضة وتطويرها. وها هو يدفع ثمناً باهظاً لتضحياته
وحسم خياراته الأمر الذي يوجب على جميع القوى الفلسطينية الإنخراط الفاعل
في النضال من أجل تحريره كأحد عناوين ورموز الانتفاضة الشعبية والحركة
الوطنية الأسيرة في إطار عملية النضال الضرورية من أجل تحرير كافة الأسرى
الفلسطينيين والعرب غير المشروط داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية، فقضية
الأسرى تشكل إحدى الثوابت الرئيسة لمركبات القضية الوطنية الفلسطينية
وتستوجب النضال المركز من أجل تحقيقها.
هل نحن
فعلاً أمام تفكيك للمستوطنات؟
الاستيطان يشكل جوهر أيديولوجي للحركة الصهيونية، التي تشكل
دولة إسرائيل التجسيد المادي لها، فالحركة الصهيونية هي بالأساس حركة
سياسية عنصرية استيطانية كولونيالية لا تختلف في جوهرها وأهدافها عن كل
الحركات الاستيطانية العنصرية في جنوب أفريقيا أو زيمبابوي أو ناميبيا
كأمثلة ملموسة، كما أن إسرائيل كتعبير مادي لهذه الأيديولوجية بدأت ونمت
وتطورت بالاستناد على الاستيطان ومصادرة أراضي الفلاحين الفلسطينيين، وهذه
السياسة لا زالت قائمة في الجزء المحتل من فلسطين عام 1948 فما يعرف بقرى
الأربعين غير المعترف بها أو قضية المهجرين من قراهم في هذا الجزء من
فلسطين لا زالت قائمة ولا زالت تشكل أحد أهم أركان البرنامج النضالي للحركة
الوطنية ولجماهير شعبنا في فلسطين، فكيف سيكون الحال عند الانتقال لمناقشة
الاستيطان في المناطق المحتلة عام 67. لقد شكل خطاب شارون رئيس الحكومة
الصهيونية والأب الروحي للاستيطان الصهيوني في هذه المناطق عن جوهر السياسة
الإسرائيلية في خطابه في مؤتمر العقبة. فحول موضوع الاستيطان قال " إن
إسرائيل دولة يحكمها قانون ونحن سننفذ قرارات القانون الإسرائيلي فيما
يتعلق بالنقاط الاستيطانية العشوائية ". أي أن مرجعية شارون في التعاطي مع
قضايا الاستيطان هو القانون الإسرائيلي وليس القانون الدولي الذي يعتبر كل
عمليات الاستيطان والسمتوطنات التي أقامتها إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع
غزة غير شرعية وتخالف المواثيق الدولية واتفاقيات جنيف عموماً. ووفق هذا
المنطق ومادامت إسرائيل متمسكة بهذا الفهم ودولة خارج القانون وتلاقي
التشجيع والدعم الأمريكي الواسع ومن أطراف في المجتمع الدولي، فإن
الاستيطان سيستمر وسيعقد أية مبادرات جادة لإنهاء العنف والصراع في
المنطقة.
هل تشعرون
أن تصريح شارون "إنهاء الاحتلال" تعبير عن فشل الحل العسكري أم مجرد تكتيك
سياسي؟
نعم لقد عبرت كلمات شارون عن هذا المنطق، الذي يعكس واقع
عملية الصراع، فالحرب على المقاومة والشعب الفلسطيني حتى في ذروة التصعيد
العسكري الإسرائيلي لم تحقق أهداف خطط حكوماته بمسمياتها المختلفة، فهي لم
تهزم المقاومة ولم تحقق الأمن والاستقرار للمواطن والجندي والمستوطن
الصهيوني. لكن الإقرار بالحقيقة شيء والعمل على ترجمة هذا المنطق شيء آخر:
فجوهر سياسة شارون وحكومته لا تدفع نحو إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية،
ولا إنهاء إخضاعها بالقوة لشعبنا الفلسطيني، والترجمة العملية لهذا التصريح
هو أن سياسة القمع الصهيوني ليست كافية، ويجب أن تدعم برؤيا سياسية لاحتواء
الانتفاضة، هذا هو منطق شارون، فهو يدعو حكومته للموافقة على خارطة الطريق
كإطار لعملية الاحتواء السياسي المكمل للقمع وفق التحفظات والتعديلات
الإسرائيلية عليها، لأنه مقتنع أيضاً أن أمريكا ستأخذ فعلاً بهذه التعديلات
في سياق تطبيق خارطة الطريق، وهذا ما أكدته المسيرة المحدودة لتنفيذ
المرحلة الأولى لها، التي يبدو أنها ستقسم إلى أكثر من مرحلة وهو ما تريده
إسرائيل.
هل ترفضون
خارطة الطريق ككل أم أجزاء منها؟
نحن نرفض جوهر خارطة الطريق، وليس اجزاء منها، لا لأننا
نرفض السلام، بل لأننا لا نرى بهذا المشروع أساساً وآليات يمكن أن يؤسس
لإنهاء الصراع وتحقيق تسوية متوازنة قابلة للحياة وتؤمن أهداف نضال شعبنا
المشروع المرسمة بقرارات في إطار الشرعية الدولية وهيئة الأمم المتحدة.
فجوهر هذا المشروع بني على أساس قلب منطق الصراع، وأصبح فيها الاحتلال
نتيجة للمقاومة الفلسطينية وليس سبباً لها، وتحولت المقاومة المشروعة
لشبعنا وفق التشريعات والمواثيق الدولية " إرهاباً أسوداً "، فهي إذن وفق
هذا المنطق خطة أمنية أكثر من كونها مشروعاً سياسياً وآليات لتحقيقها، فهي:
أولاً: تجعل من الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية مرجعية عليا للمفاوضات،
وليس قرارات الشرعية الدولية، وتجعل التقدم الأمني شرطاً لأي تحريك لعجلات
المشروع.
ثانياً: وهي تعيد نسخ نفس آليات اتفاق أوسلو بالعودة للمرحلية، والتفاوض
على قرارات الشرعية الدولية، حول القدس والحدود واللاجئين....، فهي إذن
ليست آليات عملية لتنفيذها وفق جداول زمنية محددة، وتجعل التحكم والمنطق
الإسرائيلي من موقع اختلال موازين القوى طرفاً مهيمناً ومحدداً لمدى هذه
المفاوضات ونتائجها، وعليه فإن المآل الطبيعي لها هو الفشل إذا ما أفترضنا
حسن النوايا الفلسطينية بعدم التنازل عن الثوابت الوطنية الفلسطينية،
وستبقى عوامل الصراع والتفجير قائمة.
ثالثاً: وبطرحها مفهوم غريب عن القانون الدولي " الدولة بحدود مؤقتة " فهي
ترجح أن تستقر رؤية شارون لتسوية حل مرحلي مؤقت، ومفاوضات حول القضايا
الجوهرية طويلة المدى.
رابعاً: وأخيراً فقد تضمنت تجاوزاً لأبسط حقوق الإنسان الفلسطيني وحقه في
تقرير مصيره السياسي وتحديد خياراته الديمقراطية وتشكل النظام السياسي الذي
يحتاجه ويريده، فقد أقحمت هذه القضايا إلى جوهر المشروع، بل واشترطت
الإعلان عنها تنفيذ الجزء الأهم الذي يترجم مقولة بوش " قيادة فلسطينية
جديدة تكافح الإرهاب "، هذا الجانب يحمل في طياته قراءة مستقبلية تشكل نظام
وقانون الانتخابات التي ستفرضها أمريكا على شعبنا ودرجة القيود التي ستضعها
تحت عنون " مكافحة الإرهاب ".
لهذه الأسباب مجتمعة، وبعيداً عن التفاصيل، ولرغبتنا الحقيقية بتحقيق
السلام ونحن الشعب الأحوج له وللأمن والاستقرار رفضنا خارطة الطريق.
هل إطلاق
سراحكم ضمن بنود المفاوضات؟
موقفنا في الجبهة أن موضوع إطلاق سراحي ورفاقي الأربعة كما
الأخ فؤاد الشوبكي هو خارج عن إطار أي تفاوض وحول أي موضوع، ولا يجوز أن
يكون موضوعاً للتفاوض مع الإسرائيليين، فنحن معتقلين لدى السلطة الفلسطينية
ووفق قانونها كما تقول، وعليه فإن عليها تحمل مسؤولية إطلاق سراحنا واحترام
سيادة القانون واحترام استقلالية القضاء الفلسطيني كما نصت قوانينها، خاصة
بعد أن قضت المحكمة العليا الفلسطينية إطلاق سراحي وسراع الأخ فؤاد
الشوبكي، وبعد أن أنهى الرفيق عاهد أبو غلمة عضو اللجنة المركزية للجبهة
مدة حكمه.
كما أن غياب أي سند قانوني أو وطني أو أخلاقي يقضي بمحاكمة أي فلسطيني على
خلفية مقاومة الاحتلال يقضي بالإفراج الفوري عن الرفاق الثلاثة الآخرين.
وموقفي وموقف الجبهة هو الرفض القاطع للربط بين الاستحقاق الوطني والقانوني
وأي موضوع يتعلق بموقفنا السياسي أو من موضوع الهدنة، ونعتبره في حال حصوله
ابتزازاً رخيصاً ومتعاون، وحتى أكون دقيقاً لم يحصل شيء من هذا النوع. فكل
ما طرحه من قابلتهم من رموز السلطة أنهم طرحوا موضوعي مع الإسرائيليين
لتوفير ضمانات أمنية لإطلاق سراحي، ولم يتلقوا رداً، وكان موقفي هذا شأنكم
ومسؤوليتكم، وأنا لا أحتاج لأي ضمانة من أحد، فالضمانة يجب أن تقدم وتوفر
لشعبنا وليس فقط لقيادته.
كيف ترون
الوضع في العراق بعد الاحتلال؟
سواء أكانت المقومة العراقية من حزب البعث أو الجيش العراقي
كرموز للنظام القديم، الذي تم الإطاحة به، فهي مقاومة وطنية مشروعة لأنها
موجهة ضد قوى احتلال أجنبي لا يخفي أهدافه أو أطماعه بالسيطرة على العراق
والأمة العربية والتحكم والسيطرة على ثرواتها، فليس كل مكونات رموز النظام
السابق قمعية أو فاشية، فهم أولاً وأخيراً عراقيون ومن حقهم الدفاع عن
استقلال وسيادة ووحدة أراضي العراق، وأي حديث أو توصيف آخر سيكون هروباً من
تشخيص الواقع وتناقضاته وفارغاً من أي منطق صائب، خاصة إذا جاءت من اطراف
عراقية قد تطلق على نفسها معارضة، أنهمك أجزاء منها بالنبش عن خطايا النظام
القديم وتجاهلت أخطار الاحتلال الأجنبي القائم على الأرض هرباً من
استحقاقات مواجهته، فضلاً عن عجزها السابق بأن تكون أداة تغيير لم تسميه
النظام القديم بخيارات وطنية عراقية مستقلة دون انتظار أن يأتي التغيير من
الخارج وبشكل الاحتلال الأمريكي البريطاني حاملاً له، فالقمع لا يختلف إن
كان ملمسه ناعماً أو خشناً.
ما هو
تقييمكم للدور الأوروبي واليوناني؟
ليس من الموضعي الحكم أو تقييم الدور الأوروبي من خلال جولة
ربحتها أمريكا في انتصارها العسكري الأولي في العراق، فقد سبقه انتصار
أخلاقي أوروبي بالتمسك والدفاع عن القانون الدولي وهيبته ومكانه الأمم
المتحدة، وإن هذا الدور الذي عبر عن الموقف الرسمي لدول الاتحاد الأوروبي
تخندقت حوله كل الأمم المحبة للسلام والمدافعة عن مواثيق الأمم المتحدة
باعتبارها إنجاز إنساني يجب تطويره والبناء عليه وليس نسفه وتدميره. وإذا
ما أرادت أوروبا أن تدافع عن مصالحها ومكانتها وحتى استقلالها عليها أن
تتمسك بهذا الموقف وأن تجعله أساساً لوضع الملف العراقي في هيئة الأمم
المتحدة، والدفع نحو إنهاء الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق ومنح الشعب
العراقي حقه في التعبير عن خياراته الديمقراطية، بمعزل عن المطب الذي عمل
موضوعياً على تشريع احتلال أمريكا للعراق لدى مناقشته مشروع قرار رفع
العقوبات عن العراق، وإذا انقسم الموقف الأوروبي حول العراق وهذا يستدعي
الأسف، فهو على الأقل موحداً إزاء الموضوع الفلسطيني، وهذه نقطة قوة تستوجب
التصدي لكل محاولات تهميش الدور الأوروبي في معالجة الصراع العربي
الإسرائيلي كما ترغب به إسرائيل وترحب به أمريكا، ومع تثميننا للموقف
الأوروبي الثابت حيال القضية الفلسطينية وحق تقرير المصير لشعبنا وإنهاء
الاحتلال والاستيطان فإننا نلمس أن الدور الأوروبي لا زال ضعيفاً ويجري
اختزاله في كل محطة، سواء في إقرار خراطة الطريق وتثبيت إطار المفاهيم
الأمريكية الإسرائيلية حول المقاومة الفلسطينية، أو في متابعة محطات
التفاوض، وعليه فمن وجهة نظري فإن سحب ملفيّ العراق وفلسطين إلى الأمم
المتحدة يجري معالجتها على أساس قرارات الشرعية الدولية ومواثيقها سيعطي
قوة للموقف الأوروبي، وخاصة أن السياسة الأمريكية ستظل قاصرة عن إيجاد أي
مخرج سلمي لهاتين الأزمتين، المسألة الأخرى التي تحتاج إلى مراجعة في
الموقف الأوروبي هو خضوعها للضغط المعنوي الأمريكي والصهيوني فيما يتعلق
بموضوع الإرهاب ومفهومه، وواقع الاتحاد الأوروبي في خطأ منهجي وأخلاقي حين
سمحت لنفسها بوضع منظمات فلسطينية تناضل ضد الاحتلال ومن أجل تطبيق قرارات
الشرعية الدولية والأمم كأساس لإنهاء هذا الاحتلال، كمنظمتيّ الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين وكتائب شهداء الأقصى الذراع العسكري لفتح في لائحة
الإرهاب لدى الاتحاد الأوروبي، فهل يعقل أن يكون الاحتلال واعتداءاته
أعمالاً مشروعة، فيما يصنف النضال والمقاومة المشروعة إرهاباً.
إن أوروبا مطالبة بالتحرر من سطوة الضغط الأمريكي خاصة وأنها حاضنة لثروة
ثقافية وحضارية إنسانية فيها غنى و تنوع، ويقابلها حضارة الجنس والعنف
الأمريكية.
وهنا أختم حديثي بتثمين موقف الشعب اليوناني ومنظماته التقدمية في وقفتها
مع الشعب الفلسطيني ونضاله، كتعبير عن روابط الصداقة التاريخية بين الشعبين
العربي الفلسطيني واليوناني مطالباً الحكومة اليونانية بدور أعلى في النضال
من أجل استقلال الموقف الأوروبي ودعمه لنضال شعبنا وأمتنا المشروع من أجل
الاستقلال والسيادة والديمقراطية والتقدم الاجتماعي.
هل اقتربنا
من الحلم الفلسطيني؟
أنا أشعر أننا انجزنا خطوات مهمة على صعيد تحقيق الحلم
الفلسطيني، ولكنني لا أجده على مرمى حجر، فالقضية الفلسطينية اليوم لها
وضعها ومكانتها على الدولية وهي ليست هامشية، كما أن انتفاضة أيلول قد حققت
نقلة نوعية على صعيد موضوع الدولة المستقلة بعد صدور القرار 1397، فالدولة
اليوم لم تعد موضوعاً تفاوضياً، بل مضمون هذه الدولة وهذا تقدم مهم، لكن في
المقابل فإن طبيعة صراعنا ضد احتلال استيطاني عنصري يحمل سمات وممارسات كل
أنظمة الفصل العنصري التي شهدها العالم، مدعوماً بالأداة والقوة الإعلامية
السياسية لأكبر دولة في العالم الولايات المتحدة، يجعل من نضالنا شاقاً كما
يجعل أي إنجاز لشعبنا كتحرير اللقمة من فم الأسد الذي تحيط به حراب
الحراسة. ولعل أهم شرط لتقدمنا على صعيد إنجاز الحلم السياسي، هو امتلاك
المنهج والرؤية السياسية السليمة، وعدم الفصل بين الثوابت المبدئية
واستحقاقات الحركة السياسية في كل لحظة، والدفاع بقوة عن مضمون حقوقنا
الوطنية والمفاهيم الدبلوماسية التي يجري استخدامها في التعبير عنه، وهنا
أقول وأؤكد أن الحلم الفلسطيني سيكون مجزوءاً إذا ربط بالاستقلال والدولة
وفصل عن حق العودة الذي يشكل جوهر القضية الفلسطينية، وأن استخدام مفهوم
الحل الدائم أو السلام الدائم والعادل والشامل لوصف عملية إنهاء الاحتلال
والحديث الخجول عن حق العودة والتلعثم في تفسيره بين العودة أو التعويض لن
يخدم تحقيق الحلم الفلسطيني، بل وأوسع من ذلك حلم شعوب المنطقة في تحقيق
السلام والأمن والاستقرار في المنطقة والإقليم والعالم، وعليه فإن نضالنا
من أجل تحقيق قرارات الشرعية الدولية يجب أن لا نخجل أو نرهب خوفاً من
خسارة العالم إذا ما قلنا أنا تشكل مدخلاً للسلام العادل وليس تحقيقاً له،
وأن جسر تحقيق السلام العادل والإنساني والديمقراطي هو تطبيق حق العودة
لشعبنا، خاصة وأن قرابة المليون وربع من شعبنا يعيش في المناطق المحتلة عام
1948 ولا يمكن فصله عن شعبنا أو إسقاط واجبنا نحوه، أما الحل الدائم الذي
يحمله مشروعنا التحرري الوطني الإنساني والديمقراطي فهو الحل الديمقراطي
الشامل القريب من نموذج الحل في جنوب أفريقيا وناميبيا وزيمبابوي، وهو الذي
سيؤمن المعالجة الديمقراطية والإنسانية لكافة المعضلات، الذي ينبذ كافة
أشكال التمييز العنصري أو القومي أو الديني أو الجنسي، وأعتقد هذا المشروع
بملامحه ومحتواه الإنساني التقدمي وفي مواجهة مشروع الاحتلال المؤسس على
أيديولوجية عرقية استيطانية عنصرياً لن يكون يسيراً، ويحول عملية تحقيق
الحلم إلى مشروع سيحققه الاشتباك التاريخي المفتوح بين مشروعنا الإنساني
والمشروع العنصري الصهيوني، وما دام هذا الحل كان ممكناً في بقعة في
العالم، فلماذا يكون مستحيلاً في فلسطين التي يتجمع فيها كل تراث الحضارة
الإنسانية العالمية.
هل هناك
نقاط التقاء مع اليسار في إسرائيل؟
إذا ما استثنينا الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي انحسر وجوده
في الشارع الإسرائيلي وبين اليهود، لم يعد هناك أحزاب يمكن أن تسمى أنوية
لحركة يسارية، وبتقديري أن سياسات الأحزاب التي أطلقت على نفسها يساراً
عبرت عن نفسها بشكل مرتبك ولم تسقط من حساباتها ردات فعل المستوطنين
والأحزاب العنصرية التوراتية، وظلت في خندق دفاعي عن الحلم الصهيوني ولم
توجه مغالطات هذه الأحزاب، أو تنمية الثقافة العنصرية للجمهور اليهودي،
وهذا ما أفقدها قدرة الدفاع عن اطروحاتها وبرامجها، وأثر على مواقفها من
قضايا الصراع كالقدس مثلاُ، فهي لا تسعى ولا تناضل من أجل الدفاع عن
القانون الدولي الذي يعتبر شرقي القدس المحتلة، بل تسعى ومع العديد من
المارقين الفلسطينيين لتعويم المسألة تحت شعار "القدس عاصمة للدولتين
الفلسطينية و الإسرائيلية ومفتوحة للجميع" فكيف سيتم البت بمسألة السيادة
من خلال هذا الشعار المفتوح، في نفس الوقت الذي يعبر فيه أحد أهم رموز
اليسار الصهيوني يوسي سريد بالقول " إن قبول إسرائيل بحق العودة انتحار
سياسي ".
فكيف ستدفع هذه الحركة التي يمثلها السيد يوسي سريد عجلة السلام إلى
الأمام، وهو يدرك أن الحق بالعودة قد رسم في القرار الدولي الصادر عن
الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 أي القرار رقم "194"، كما يعرف أن
قبول إسرائيل عضواً في المم المتحدة اشترط عليها العمل على تأمين حق العودة
للاجئين الفلسطينيين، إضافة لذلك فأي يساري يمكن أن يقيم تدني نتائج حركته
في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة "بسبب عدم الابتعاد عن عرفات في الوقت
المناسب" والحديث هنا أيضاً لسريد. والتوصيف عموماً يصيب حركة ميريتس
الحركة التي حملت ملامح يسارية وانتقدت استمرار الاحتلال وأقامت حركة
السلام الآن، وهاجمت ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وتجاوزاته لحقوق الإنسان
الفلسطيني.
عموماً ما يمكن أن يسمى باليسار في إسرائيل ضعيف جداً، وأما النويات
المنسجمة فيه فقد اختار العديد من رموزها الانخراط في الأحزاب اليسارية
العربية كمنظمة أبناء البلد. ولأن طابع الصراع وتشابكه وتنامي الميول
العنصرية الصهيونية بات يهدد أي ميل نحو السلام، فإن الحاجة تطرح نفسها
أكثر من أي وقت مضى لولادة تحالف فلسطيني عبري تقدمي، يناضل ضد كل أشكال
التمييز وسياسة الأبارثهايد والفصل العنصري والاحتلال ليس في فقط في
المناطق المحتلة عام 1967، بل وأيضاً في فلسطين المحتلة عام 1948، التي
تعاني من القمع والتمييز بكافة أشكاله وصنوفه.
8/7/2003
|