السلطة المولودة من رحم الاملاءات لا تحارب

النتائج التي تمخضت عن مؤتمري شرم الشيخ والعقبة لن تكن مفاجئة او غير متوقعة، مؤتمر شرم الشيخ مهدت له السياسة العربية الرسمية المستسلمة لمشيئة الإمبريالية الاميركية، الاستسلام وصل الى درجة التواطؤ والمشاركة مع العدوان على العراق وشعبه، وعليه فليس غريبا أن يصدر البيان في قمة شرم الشيخ والعقبة دون أدنى إشارة الى الاحتلال الأميركي للعراق او المطالبة بانهائه.

تبني المفاهيم الاميركية وخاصة فيما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية والعربية وعدم تسويغها لهذه المقاومة ووصفها بالإرهاب واعتبارها الخطر الحقيقي الذي يهدد أمن وسلام المنطقة العربية وليس الاحتلال الأميركي للعراق والإسرائيلي لفلسطين،وبعبارة مختصرة ومكثفة فقد رسم مؤتمر شرم الشيخ شرعية الهيمنة الاميركية والإطار المفاهيمي لها ولطبيعة النظام السياسي الذي تريده في المنطقة العربية والشرق الأوسط.

واذا كان مؤتمر شرم الشيخ قد وضع الأساس لحل قضايا المنطقة وفق الرؤية والاستراتيجية الاميركية فان مؤتمر العقبة شكل امتدادا طبيعيا لها، بل رسم المفهوم والقراءة الإسرائيلية لخارطة الطريق،وأدى الى هبوط وانزلاق بالموقف الفلسطيني الى ما دون وصول خارطة الطريق على سوئها والمسئول عن هذا الهبوط ومجموعة الأخطاء التي عكسها بيان ابو مازن ليس طبيعة الأداء ولا تدني مهارات الوفد الفلسطيني بل المنهج السياسي الذي قاد السلطة الفلسطينية ككل «الرئاسة،مجلس الوزراء،المجلس التشريعي» الى قبول خارطة الطريق، وعليه ان إلقاء اللوم على أبو مازن دون المؤسسة الفلسطينية التي تقود السلطة هو قفز على الحقائق.

فالوفد الذي مثل السلطة الفلسطينية في مؤتمر العقبة هو نتاج تشكيل وزاري فرض على الشعب الفلسطيني وعلى مؤسساته التشريعية، فبدون قبول هذه الاشتراطات ما كان لخارطة الطريق أن ترى النور. وان وفدا تولد عن عملية رضوخ تام لاملاءات أميركا وإسرائيل لا يمكن أن يكون محاربا في ساحة مؤتمر او حلبة تفاوض، لذا كان من الطبيعي أن يلتزم ابو مازن بانضباط صارم لكل ما هو ملزم في خارطة الطريق.

الالتزامات الفلسطينية
أن يقبل أية إضافة او تعديل على النص من قبل شارون وبوش دون ان يكون له الحق في الاطلاع على نص خطاب شارون، فإسقاط حق العودة من الخطاب وعدم الإشارة الى الأسرى ووصف الانتفاضة والمقاومة بالإرهاب والتعاطف باستخدام كل إمكاناته المتاحة لمحاربته واعتذاره الضمني عن عدم الحديث عن معاناة الشعب اليهودي في رسالته للماجستير وحصر معاناة الشعب الفلسطيني مع بدايات احتلال الضفة والقطاع عام 1967 جاء ليعكس ما فرض عليه وما تحمله خارطة الطريق من نصوص.

ان الخطيئة الجزئية التي يمكن تسجيلها على الأداء الفلسطيني في مؤتمر العقبة تكمن في قبول الوفد الفلسطيني تعديل شارون لنصوص خارطة الطريق.

فمقابل إعلان ابو مازن تعاونه بوقف المقاومة واستعداده لإيقافها بكل السبل والإمكانات المتاحة تعهد شارون باستمرار حربه على الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة وعدم المساومة على هذه الحرب حتى تحقيق الانتصار، وجعل أمن إسرائيل مرجعية لعملية التفاوض بدلا من قرارات الشرعية الدولية، اما الخطيئة الأكبر فهي قبول خارطة الطريق والترويج لاجابياتها والاستعداد لمحاربة مقاومة الشعب الفلسطيني من اجل فتح الأبواب للمفاوضات على أساس بنود هذه الخطة السياسية.

وقد شكلت محاولة اغتيال د. عبد العزيز الرنتيسي الفاشلة الانعكاس والترجمة للرؤية الإسرائيلية التي استفادت من مناخ المؤتمرين المواتي لبرنامجها السياسي القمعي للشعب الفلسطيني وانتفاضته ومقاومته، فجميع المؤتمرين أكدوا ان محاربة الإرهاب تشكل المهمة المباشرة لتذليل العقبات أمام تطبيق خارطة الطريق وتحسين فرص تحقيق السلام والأمن والاستقرار، فقد عبرت هذه المحاولة عن ذروة شعور إسرائيل بالنشوة والاستعلاء والغطرسة وكما دلت تجارب الشعوب والحركات الثورية المكافحة أنه كلما كانت تبدي مرونة او استعدادا لتقديم تنازل ما مهما كان طفيفا يزداد ضغط القوى المعادية وتصاعد منسوب حربها ضد هذه الحركات وشعوبها المكافحة من اجل الحرية،كما تعكس هذه المحاولة الاستفزازية استهتارها بالقانون الدولي وباتفاقاتها مع السلطة الفلسطينية، فجوهر السلام كما تراه «إسرائيل» هو أمنها وأمن احتلالها للأرض والشعب الفلسطيني.

واذا كانت البدايات قد تجلت بهذا المستوى من الهبوط فالموقف الفلسطيني ان القادم سيكون أسوأ،وهنا اطرح سؤالا على الشعب الفلسطيني وقواه والمؤسسات السياسية والمجتمعية، هل توازي هذه الخطة غير مشروع لاستثمار رخيص لما أنجزته الانتفاضة والمقاومة على مدار ما يقرب ثلاث سنوات، وهل تضعنا «خطة الطريق» على الطريق التي تقودنا الى تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني الوطنية بالعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، اما السؤال الثاني الذي يطرح نفسه على مؤسسة السلطة الفلسطينية «الوزارة والرئاسة» هل ما يستحق الحوار فعلا هو التهدئة ووقف المقاومة الفلسطينية فقط،لاعلان النوايا الحسنة، الموقف الشعبي والفصائلي الذي يصل الى حد الإجماع يقول عكس ما تريده السلطة الفلسطينية، ووضع الرؤية السياسية وأساليب النضال وخطوة الإصلاح الديمقراطي الوطني على طاولة الحوار.

إذا شئنا فعلا تحقيق أعلى درجة لتحشيد مقومات الصمود للشعب الفلسطيني لمواجهة استحقاقات اللحظة السياسية وتحدياتها الراهنة، اما حصر الحوار في بند الهدنة فلا يحتاج سوى الى ميثاق شرف لتنظيم الخلافات الفلسطينية وفق أسلوب ديمقراطي يفوت الفرصة على العدو من نقل الصراع الى الداخل الفلسطيني، والشعب الفلسطيني بكافة قطاعاته وتعبيراته السياسية على قدر عال من المسئولية بالحفاظ على وحدته وتلاحمه الوطني.

* نشر المقال في الملحق السياسي لجريدة البيان الإماراتية بتاريخ 27/6/2003

احمد سعدات
الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
27/6/2003


[الصفحة السابقة]