ما الذي لا يعرفه الاميركيون عن "إسرائيل"
غرين هالسل
صحيفة "الشروق" الامارات العربية - 19/1/1998
كثير من الغربيين عموما، ومن الاميركيين على وجه التحديد ، لا يعرفون حقيقة "اسرائيل"، كيف قامت ، وكيف طردت الفلسطينيين ، وكيف تشوه التاريخ والحقائق.
وعلى العموم، تعتمد "اسرائيل" على جيش من السياسيين والصحافيين المتعاطفين معها في العالم ككل ، وفي الغرب بخاصة، وحيث يعمد هؤلاء على نقل الصورة البهية "لاسرائيل"، والصور البشعة عن العرب، "المتخلفين" و"الديكتاتوريين" ، والاميين"، مما يسهم في رواج وجهة النظر "الاسرائيلية" لدى الرأي العام الغربي.
ولا يعرف الكثير من الاميركيين على سبيل المثال، كيف تسهم الولايات المتحدة في تمويل المشروعات "الاسرائيلية" العسكرية والزراعية والصناعية ، وكيف تقتطع هذه المساعدات من جيوب الأميركيين ليأخذها "الإسرائيليون".
ان صياغة العقل الغربي والاميركي بالتحديد، بما يلائم الرؤية "الاسرائيلية" العدوانية والتوسعية، امر بات بعض المتنورين الاميركيين يدركونه، ومن جملة هؤلاء "غريس هالسل" الكاتبة والباحثة الاميركية المعروفة ، والتي تتحدث في هذه المحاضرة، عن عناوين بارزة حولتها الآلة الاعلامية، "الاسرائيلية" الى ثوابت مقدسة ، وها هي هالسل تقوم بتفكيك بعض هذه الثوابت لعل الغربيين من خلالها يقتربون من الحقيقة، او من بعضها على الاقل.
ان محور محاضرتي، - ما الذي لا يعرفه المسيحيون الاميركيون عن "اسرائيل" - ، ربما يمكن تسميته، وكاميركية بالطبع، وبشكل مبدئي: ما الذي لا يعرفه غالبية الأميركيين عن "اسرائيل"؟ ولماذا لا يعرفونه؟
وهكذا ، فان هذه المحاضرة هي ، في جزء منها، حول معرفتي بالقضية، وكيف اطلعت على ما يختص "باسرائيل" ، وعلى ما يختص "باسرائيل" وعلى ما يختص بالصهيونية.
بينما كنت لا ازال في العشرينات من عمري، بدأت العمل في صحيفة "تكساس". ومن ثم بدأت تحصيل العيش كصحافية حرة متجولة في العالم . ومن اطيب ما اذكره انني قدمت لابي مبلغا في المال لاجل ذلك، فقد كان احد رعاة البقر الاوائل، واحد سائقي القطعان في قطار شسهولم. ومع بدايتي المدرسية شجعني على السفر الى خارج المدينة. ولطالما حثني على السفر بالقول:"سافري يا بانتي. استغلي الفرصة".
وقد سافرت، بادئ ذي بدء، الى اوروبا وعشت هناك، ومن ثم ذهبت الى الشرق الأقصى، وعشت في اليابان لمدة عام كامل،ومن ثم في هونغ كونغ لمدة سنة اخرى، ومن ثم الى جنوب اميركا حيث مكثت في البيرو لمدة ثلاث سنوات.
وبشكل لا يعقل، لم اكن طيلة تلك الفترة اعرف شيئا عن الشرق الاوسط، او ربما على القول: "ان ما افترض معرفته كان غير صحيح".
لقد كانت نموذجا للعديد من المسيحيين الاميركيين، اذ انهم يرون انفسهم بالف خير، وانهم على صواب في تأييدهم "لاسرائيل" والصهيونية حتى منذ نعومة الاظفار والطفولة.
وترعرعت وانا اسمع بروايات حول القدسية والخصوصية والروحانية "الاسرائيلية". وكان هذا قبل ظهور اثنية سياسية حديثة بذات الاسم على خارطتنا. وكنت احضر قداس الاحد في المدرسة، واصغي الى معلم كان يرسم لنا خارطة للارض المقدسة. وقد تراكمت تلك الروايات عن الله وعن الشعب المختار الذي يناضل ضد الأعداء الذين " لم يكونوا مختارين".
مع هذه القعدة المعرفية، تشبثت ، بشكل ما ، برأيي بدءا من عملية إدراكي وفهمي لما حصل منذ ايام العهد القديم، واهم من ذلك ما حدث اثناء اضطهاد اليهود من قبل المانيا النازية وبداية وصولهم الى فلسطين.
وكطفلة كنت قد قرأت عن الله، واو بالاصح "اله اليهود"، وعن اعدائهم الالداء، ومن دون تفكير اسقطت ذلك على "الإسرائيليات" القديمة في الإنجيل، ومن ثم في "اسرائيل" الحديثة . وهذا ، بالطبع ، ما كان القرن العشرون الصهيوني يريدني ان اقوم به.. فلم يكونوا يهودا متدينين، انما كانوا قوميين، وهمهم الاكبر الارض التي يمكنهم مصادرتها من الآخرين.
لكنني لم اكن اعرف هذا، لم اكن اعرف الحقيقة على ارض الواقع، ولم يشرح لي ذلك احد. وعلى غرار العديد من المسيحيين الاميركيين، كنت اصدق الصهاينة الاوائل عندما يقولون ان فلسطين كانت ارضا من دون شعب وعندما ابيد اليهود في عهد هتلر، واضطهدوا، بدأوا بالهجرة نحو فلسطين اعتقادا منهم بانهم يخضعون لمشيئة روحية كنت اسمعها عن "اسرائيل" المقدسة، حينما كنت طفلة.
وفي احد الايام سمعت شقيقتي تضرب مثلا بسيطا اثناء كلمة لها، لكن كلماتها المقتضبة دفعتني الى السعي الى معرفة ما لم اكن اعرفه، وهذا ما حصل.
هذه فلسطين
ففي العالم 1972 كنت جالسة في مطار بورتو فالارتا في المكسيك. وقد كنت ازور شقيقتي هوتانس وزوجها ارنولد، وهما نيويوركيان، امضيا اشهر الشتاء في مكسيكو. وبينما كنا ننتظر عودة طائرتي ، اشترى ارنولد صحيفة "مكسيكو تايم" الناطقة بالانكليزية، ناولها لي ثم تركنا لبعض الوقت ، جلسنا نتجاذب اطراف الحديث. وقد القيت نظرة على العناوين التي قادتني الى مقال عن العرب واليهود في الشرق الاوسط فقلت لشقيقتي:" بصراحة، انا لا فاهم شيئا من هذا"، وبكل هدوء وثقة بمعرفتها بالتاريخ، تناولت شقيقتي قلما، واشارت الى الخارطة قائلة ": هذه فلسطين، ثم اشارت خارج فلسطين الى اثنية جديدة قائلة: وهذه "اسرائيل" التي انشئت العام 1948 ، مستثنية من ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة وعرب شرقي القدس.
وتوقفت قليلا بصمت بالغ متأملة، ثم اضافت: "هذا هو الموضوع الوحيد الذي لا يمكننا انا وارنولد ان نناقشه".
وبكل دهشة سألتها:" ولكن لماذا؟". لفقد كان الاثنان ليبراليين منفتحي العقل يؤيدان كل الحقوق العادلة للزنوج والهنود. ولطالما ايدا المضطهدين والفقراء والعمال . وعلى مدى ثلاثة عقود من زواجهما كنت معجبة بانهما افضل زوجين يتمتعان بروح النقاش بشكل نموذجي، ايا تكن طبيعة النقاش ، فما الذي كان مميزا حول هذا الموضوع ليجعله بهذا المستوى من القدسية ويبعده عن النقاش؟
بالطبع لم اكن افهم ذلك، لكنني اعتقدت بان بامكانها تفسيره.
سألتها ، مع علمي بخلفية ارنولد اليهودية، قائلة: "هل هذا مقدس لاسباب دينية"؟
ردت قائلة: كلا ، الدين ليس مشكلة، فطالما اصر ارنولد على ان اليهودية ليست دينه، لكنه انسان بحاثة كما تعلمين، وهو علماني، اذ اننا تزوجنا في عقد مدني، ولم يكن زواجنا ابدا في كنيس. وكذلك كان شأن والديه. وهكذا لم تكن اليهودية كدين سببا لعدم استطاعتنا مناقشة قضية الشرق الاوسط.
قلت لها: وهل شرح لك مرة لماذا لا يناقشون موضوع العرب واليهود؟
قالت : كلا ، لا يبدو ان لديه القابلية للحديث عن ذلك، فهو غير مستعد للتساهل بكلمة نقد ضد "اسرائيل"، انه لا يعرف الكثير عن التاريخ، ولا يريد حتى ان يعرف اكثر مما لديه . انه يقول ببساطة انه لا يجب علينا مناقشة المسألة لانها مسألة تثير انفعاله.
الى القدس
فجأة ، سمعت النداء على المسافرين في رحلتي، فعانقت شقيقتي واسرعت في اتجاه الطائرة. لكن كلماتها بقيت ترن في ذاكرتي. ولسنوات عدة بقيت افكر فيها، واسأل : لماذا عليه ان يصغي الى شقيقتي اذا ما انعقدت الولايات المتحدة من اجل هذه المسألة ، ولكنه لا يصغي اليها ولا يتساهل ازاء اي اقتراح بانتقاد "اسرائيل"؟
وحدث يوما ان قررت الذهاب في رحلة استكشافية، ولم اكن اعرف احدا مسيحيا او مسلما او يهوديا، عندما ذهبت الى القدس العام 1979
استأجرت غرفة في نزل المدينة القديمة، وقد خططت للكتابة عن الديانات الثلاث تاركة امر السياسة بعيدا، ولم اكتب في السياسة.
قال لي احد الفلسطينيين وهو يدخن النارجيلة في المدينة القديمة نحن نأكل السياسة صباحا وظهرا ومساء.
وبما انه كان علي ان اعلم، ادركت ان السياسة هي عن الارض وعما يرافق المطالبين بهذه الارض، فالمظلومون الفلسطينيون، الذي كانوا يعيشون هناك منذ قرون طويلة، والعدد الهائل من اليهود الذي بدأوا بالتوافد بعد الحرب العالمية الثانية، بالعيش المشترك بين اليهود "الاسرائيليين" والفلسطينيين المسيحيين والمسلمين، شاهدت وسمعت وشممت واختبرت مخططات شرطة دولة "اسرائيل" المستخدمة ضد الفلسطينيين.
وادت بي ابحاثي الى تأليف كتاب بعنوان : "يوم في القدس".
ولم يكن يومي توضيحا لرؤيتي لليهود "الاسرائيليين" والفلسطينيين المسلمين والمسيحيين، بل تعمقت الى اكثر من ذلك وتناولت الفهم الخاص للقضية في وطني.
واريد هنا مناقشة اربعة محاور تعلمت من تجاربها، وكلها تتناول مظاهر العلاقات بين الولايات المتحدة و"اسرائيل". انها علاقات تضلل المسيحيين الاميركيين بشكل خطير.
اولا: وسائل الاعلام، وكيف توصلت ما لم اكن اعرفه.
بينما كنت في صدد البحث وكتابة يوم في القدس، قمت بزيارة الى الولايات المتحدة وحملت معي عشرات المقابلات المسجلة مع الفلسطينيين، وكان واحد من اصل كل اربعة شباب فلسطينيين التقيتهم قد اخبرني بانه اعتقل من دون اية تهمة، وسجن وتعرض للضرب المبرح. كان هذا في السبعينات، ولم اكن قرأت المزيد من مثل هذه القصص في وسائل الاعلام الأميركية.
اوليست هذه القصص جديدة؟ وهالني انني ارى ان الكتاب الاميركيين كانوا،وبكل بساطة، يجهلون ما يجري ، وقمت بتسليم رسالة الى فرانك مانكيفيتش، مدير محطة الاذاعة الاميركية الشعبية "ويتا " WETA . واوضحت له فيها انني سجلت مقابلات مع فلسطينيين تعرضوا للتعذيب بوحشية، وانني اريد اعطاءها له.
لكنني لم احصل على اي رد منه. واجريت معه اتصالات هاتفية عدة. وربما كنت ابين الحقيقة للجميع ، كما تقول السيدة كوهين، والتي قالت ان رسالتي قد ضاعت، فكتبت رسالة جديدة.
في ذلك الحين بدأت ادرك ما لم اكن اعرفه: هل كانت يهودية تعرضت للاضطهاد والتعذيب ؟ هذا سيكون في منتهى الجدة. لكن المقابلات مع العرب الذي تعرضوا للتعذيب قد ضاعت في محطة الراديو الشعبية الاميركية.
وقضية نشر كتابي "يوم في القدس": كانت تجربة مفيدة جدا.
بيل غريفين، الذي وقع معي بالمشاركة مع دار ماكميلان للنشر، كان كاهنا كاثوليكيا، وقد اكد لي ان احدا غيره لا يستطيع التقديم للكتاب. وبينما كنت اقوم بابحاثي لجمع المادة، كنت التقي غريفين بشكل متكرر، واعرض عليه تفاصيل ابوابه، فيقول عن مادتي "رائع".
ويوم كان من المفترض نشر الكتاب، ذهبت في زيارة الى دار ماكميلان وانتظرت في احدى صالات الاستقبال. وقد شاهدت غريفين في الغرفة المجاورة، يقوم بتنظيف طاولته، وجاءت سكرتيرته مارغي لاستقبالي، همست في اذني باكية ان اوافيها الى غرفة السيدات، وعندما اصبحنا وحيدتين قالت لي:"لقد تم طرده" مشيرة الى ان السبب في ذلك هو انه وقع اتفاقية على كتاب يؤيد الفلسطينيين وقالت ان غريفين ليس لديه الوقت كي يراني.
وفي وقت لاحق، التقيت باحد المسؤولين في دار ماكميلان، ويدعى وليام كوري، الذي ابلغني قائلا: لقد امرت بحمل مخطوطك الى السفارة "الاسرائيلية"، وجعلهم يقرأونه من اجل تصحيح الاخطاء، وكانوا غير راضين، لانهم قالوا لي :"انت لن تنشر هذا الكتاب، اليس كذلك؟" فقلت: "هل هناك اخطاء ؟ فقالوا :" ليست اخطاء بهذا المعنى لكنه لا يجب نشره لانه معاد "لاسرائيل" ".
ولكن بشكل ما ، وعلى الرغم من العوائق والموانع للحؤول دون نشره ، بدأت وسائل الصحافة تتناوله وتنشر اجزاءه.
وبعد نشره العام 1980 دعيت لالقاء محاضرات في عدد من الكنائس الاميركية، وردة الفعل المسيحية كانت عدم التصديق بشكل عام.
ومن جهة اخرى ، كان "الاسرائيليون" يصادرون الارض ويدمرون منازل الفلسطينيين، ويقومون بالاعتقالات العشوائية والتعذيب للمدنيين الفلسطينيين .
وللحديث عن هذا الظلم، لطالما سمعت السؤال عينه، هو :"كيف انني لم اعرف ذلك؟ " او قول احدهم :" لكنني لم اقرأ عن هذا في صحيفتي".
وبالنسبة الى تلك المحاضرات الكنسية، كنت اروي تجربتي الخاصة عن وسائل الاعلام الاميركية، واقول لهم عن مشاهدتي لجحافل من المراسلين الاميركيين الذي يغطون دولة "اسرائيل" بادق تفاصيلها، واشير الى انني لم اشاهد مثل هذه الكمية من المراسلين في عواصم العالم مثل بكين وموسكو ولندن وطوكيو وباريس.
وتساءلت: لماذا تستخدم دولة صغيرة لا يتجاوز تعداد مواطنيها الاربعة ملايين مراسلين صحافيين اكثر من الصين التي يتخطى شعبها البليون نسمة؟
ولم يكن المسيحيون الاميركيون يجهلون الوجه الحقيقي "لاسرائيل" فقط، انما كانوا يجهلون الوجه الحقيقي الاخر لها، وهذا يؤدي الى مشكلتين: بينهما كانت وسائل الاعلام ترسم صورة بهية "لاسرائيل" ، كانت تميل الى رسم صورة بشعة عن العرب، وتتجه الى التقليل من شأن الاسلام. واذا ما كان هناك أي موضوع يمكنها التقاطه مثل حقوق الانسان ودور المرأة و"الدكتاتوريين": العرب، كانت تبادر وسائل الاعلام للعب الدور البارز في اظهار ذلك من اجل تصوير صورة سلبية تخلق مواقف سلبية وتعزز الازدواجية، على غرار كلمات الارهاب والارهابيين.. فعندما تتحدث وسائل الاعلام الاميركية عن الارهاب، انما كانت تتحدث عن الفلسطينيين بشكل عام، ولم تكن لتشير الى ان "اسرائيل" تشن حربا منظمة من الرعب ضد الفلسطينيين منذ خمسين سنة. ولم تكن الصحافة الاميركية تشير الى الارهاب اليهودي، او الارهاب المسيحي بواسطة دينه، انما كانت وباشكال متعددة تقول عن اي مسلم انه ارهابي مسلم. اما عبارة مناضل مسلم، وعبارة ارهابي اسلامي فلطالما كانت تظهر في وسائل الاعلام الاميركية، وكانهما تعبيران مبرمجان لمثل هذا التعبير الازدواجي.
ولطالما زخرت وسائل الاعلام الاميركية بروايات عن الدولة اليهودية على مدى نصف القرن المنصرم، ولم يكن العديد من الأميركيين يعرفون ان هناك مسيحيين في الشرق الاوسط، بل ان هناك "العديد" من المسيحيين في الشرق الاوسط ، وبشكل يفوق عدد اليهود في العالم باسره. اما الان فالاميركيون يطلعون على حياة المسيحيين في الشرق الاوسط، والصهاينة يقولون لهم انهم، وكيهود ، يقومون بحمايتهم من العرب ومن المجاهدين المسلمين.
وقد رد الفلسطيني المسيحي نعيم عتيق بالقول : ان الاسلام ليس مشكلة لقد عشنا مع المسلمين منذ 1400 سنة ، ان المشكلة هي "اسرائيل".
لكن وسائل الاعلام الاميركية لم تنشر الا القليل عن مثل هذه المقابلات.
يضاف الى عدم معرفة المسيحيين الاميركيين بامور وسائل اعلامهم الخاصة، عدم معرفتهم بكيفية اغراقهم بشكل منظم بانباء عن المحرقة النازية على مدى خمسين عاما. وبشكل او باخر، انها محور الانباء كل يوم في اميركا ، فالصهيونية والصهاينة يستخدمون تلك الذريعة لاشعار المسيحيين بالذنب، ولاسكات اي انتقاد "لاسرائيل" وسوف اورد لكم مثالا على ذلك.
بين العامين 1960 و 1970 وقبل ان اذهب الى الشرق الاوسط، قمت بتأليف عدد من الكتب مثل "الشقيقة القذرة" و "بسي ذات الشعر الاصفر" و "الممنوعات"، ، والتي كانت تتناول قضية السود وقضية الهنود الاميركيين وقضايا الفارين الى الولايات المتحدة في المكسيك.
وقد حازت هذه الكتب على اهتمام السيدة ارثر هايز سالزبرغر المعروفة بانها والدة صاحب صحيفة " النيوريورك تايمز"، وكان والدها قد أسس هذه الصحيفة ثم تولى شأنها زوجها، وبعد ذلك توالى نشرها ابناها وقد دعتني لزيارة شقتها الفاخرة في الشارع الخامس في نيويورك لتناول وجبة الغداء وحضور حفل مسائي. وفي مناسبات عدة كنت ضيفة اخر الاسبوع لديها في منزلها في غرينهونويتش في ولاية كونيكيتكوت.
لقد كانت منفتحة العقل وتقدر جهودي في ما اسعى الى الحديث عنه، حتى انها مضت الى ابعد من ذلك لتقول لي في احدى رسائلها: "انت ابرز امرأة عرفتها على الاطلاق". وقد كان لدي انطباع بسيط عن هذا الامر منذ البداية، لكنه حصل عندما اكتشفت، ومن وجهة نظرها، خطأ كان يتداول. وفي نهاية احد الاسابيع دعتني لزيارتها في منزلها في كونيكتيكوت، وقد حملت معي مسودة كتابي "يوم في القدس". وبما انني نويت المغادرة، قالت انها ستكون منشغلة طيلة الليالي المقبلة بقراءة الكتاب، ورمقتني بنظرة تنم عن ثقة عالية قالت: "يا عزيزتي، هل نسيت المحرقة؟".
وعلى غرار الآخرين كانت تعلم بمقدار التعاطف مع اليهود الذي عانوا في ظل النازية، وكانت تتوقع مني ان اكون مشحونة بهذا التعاطف نحو اليهود، بحيث اتعامى اليوم عن معاناة الفلسطينيين.
وما يبدو غريبا: كيف يمكن للمسيحيين الاميركيين ان يسمحوا بوقوع خطأ كبير على الفلسطينيين من قبل "الاسرائيليين"، الذين يدعون انهم قد تعرضوا لمثل هذا الخطأ، انما ليس على ايدي العرب، بل على ايدي النازيين ايام حكم هتلر ضد اليهود.
وحتى الان لا تزال المحرقة سببا لعدم اتضاح الرؤية امام المسيحيين الاميركيين بشكل يجعلهم يؤيدون الدولة اليهودية بقوة مطلقة. وكما اشار معلق CBS هاوارد.ك.سميث، قائلا: "ان الشعب الاميركي قد اصدر حكمه في صراع الشرق الاوسط، ليس على اساس قيم العرب ومشكلات "اسرائيل" بل على اساس العلاقات المسيحية اليهودية ".
وللتأكد من ان احدا لن ينسى ، قام الصهاينة ببناء متاحف المحرقة في سائر انحاء الولايات المتحدة، وقد زرت ثلاثة متاحف كبرى للمحرقة في لوس انجلوس، وكذلك فان متحف المحرقة تجاه واشنطن ليس بعيدا كثيرا عن تمثال جورج واشنطن . والاميركيون يدفعون ملايين الدولارات كضرائب لمصلحة هذه المتاحف، تحت اسم الاضطهاد النازي لليهود على الرغم من كونه بعيدا من تاريخنا ، ولكنه يندرج تحت عنوان مساعدة الاميركيين على هزيمة النازية في الماضي.
ولا يتحمل دافعو الضرائب الاميركيون عبء الارض والابنية فحسب انما يجمعون 31 مليون دولار سنويا لصيانتها والحفاظ عليها، وهو يفوق بمقدار 11,397,000 مرة ما ندفعه لصيانة مركز كيندي، احد اهم المراكز الوطنية ، والمسارح القومية ، حيث تعرض الاوبرا ورقص باليه وتعزف الموسيقى الكلاسيكية.
وهناك مجال ثالث اعني به تجهيز وتزويد "اسرائيل" بالعتاد والمعدات، فالولايات المتحدة تعني بسوق "اسرائيل" اكثر من اي سوق اخرى في العالم. ومثالا على ذلك سعي الولايات المتحدة الى فرض العقوبات الاقتصادية معاقبة للعراق على تحديه لقرارات مجلس الامن في الامم المتحدة، بينهما تتجاهل ، وعلى مدى خمسين سنة، استخفاف "اسرائيل" بقرارات الامم المتحدة التي لا تعد ولا تحصى.
ثم يأتي مجال الخدمة العسكرية في الخارج.. فمنذ بضع سنوات ذهب مكسيكي اميركي الى مكسيكو وخلع بزته الرسمية، فخسر بذلك جنسيته الاميركية، بينما يسمح الاميركيون اليوم لعشرات الآلاف منهم بالذهاب الى "اسرائيل" وارتداء الزي العسكري "الاسرائيلي" والخدمة في الجيش "الاسرائيلي".
وكل ما افكر فيه ايضا هو قضية المسيحيين الاميركيين الذي يقعون في الازدواجية لدى تطبيق الحرية السياسية. ونستذكر انقاذ "اسرائيل" لليهود السوفييت . فاذا ما رغبوا في المغادرة عليهم الذهاب الى "اسرائيل" ، وقد قامت "اسرائيل" بالترتيبات اللازمة ، وتعاونت الولايات المتحدة معها في هذا المجال . ومما سمي "انقاذا" لم يكن يمت الى الحرية بصلة بالنسبة الى اليهود السوفييت، اذ كان يتعلق في مجمله بتكوين الديموغرفيا في "اسرائيل".
وباعتبار القوة التي يمنحني اياها كوني حائزة على جوازي سفر، كان لدي جواز لسائر ارجاء العالم، وجواز اخر للدخول الى "اسرائيل" ، كان هذا امتيازا وترفيها بالنسبة الي، وكان ترفيها بالغا بالنسبة الى الحكومة الاميركية.
وهناك مثال اهم على الدعم المزدوج، وهو الذي يتعلق بقضية اسلحة الدمار الشامل. فليس لدى المسيحيين الاميركيين سوى فكرة واحدة عن العرب والامم الاسلامية ، وفكرة اخرى بالنسبة الى "اسرائيل" تتضمن الابعاد الثلاثة لفئات اسلحة الدمار الشامل: الكيميائية والبيولوجية والنووية.
ولم تعترف "اسرائيل" قط بامتلاكها القنبلة الذرية. ولم يحاول احد جمع الادلة حول هذا الموضوع. حتى ان الاميركيين لم يكونوا يعلمون بما تختزنه "اسرائيل" من قنابل ذرية.
النوويات
وكالمعتاد، عندما عشت في "اسرائيل" نحو نهاية السبعينات، كنت استقل الباصات في نواحي البلد شتى، وكنت امر خلال رحلاتي تلك بالقرب من منشات في بئر السبع في صحراء النقب، والمعروفة تحت اسم ديمونا. وبدا ان جميع "الاسرائيليين" كانوا يعرفون ما لم اكن اعرفه آنذاك: وهو ان منطقة ديمونا كانت المنطقة التي طور فيها "الاسرائيليون" اول قنبلة ذرية في الشرق الاوسط.
وبقليل من البحث، علمت انه خلال عام من انشاء الدولة اليهودية قام الصهاينة بوضع برنامج للعمل على الطاقة النووية. ومنذ البداية كانت حكومة الولايات المتحدة الاميركية متورطة بتمويل الابحاث الفيزيائية للطاقة النووية في مؤسسة وايزمان من خلال المؤسسة الوطنية الاميركية للصحة وقوى الطيران الاميركية وقوى البحرية.
وفي العام 1957 انشأ الصهاينة مؤسسة في ابوللو في مقاطعة بنسلفانيا عرفت تحت اسم مؤسسة المعدات والعتاد النووي من اجل بناء قنابل نووية للدولة العبرية، وكان مؤسسو هذه المؤسسة ثلاثة هم : د. زالمان شابيرو ود. فردريك فورشر ود. ليونارد بيبكوفيتش ويعملون لدى مؤسسة الطاقة النووية الاميركية، والتي بدأت على الفور بمكافأة مؤسسة المعدات والعتاد النووي بالاتفاقات مع الحكومة الاميركية.
وعلى مدى فترة امتدت لست سنوات ، بدأت مؤسسة المعدات والعتاد النووي بالحصول على مئات الباوندات من الاسلحة الغنية بالاورانيوم.
وفي العام 1960 ، عندما قامت طائرة تجسس اميركية بتصوير المفاعل "الاسرائيلي"، قال المسؤولون "الاسرائيليون" انه كان مصنعا للنسيج. وفي هذه الاثناء، استمرت مؤسسة الطاقة النووية الاميركية بتزويد "الاسرائيليين" باتفاقات جديدة تتناول مواد استراتيجية نووية.
وبين العامين 1967 و 1968 ، اصدرت وكالة الاستخبارات المركزية CIA تقريرا مفاده ان الدولة العبرية تمتلك القنبلة. وللمصادفة الساخرة، وبعد عشر سنوات، قام "اسرائيلي" يدعى مردخاي فانونو وهو خبير كان يعمل في مركز ديمونا النووي، بتأكيد ما ورد في تقرير ال- CIA ، ولذلك قام "الاسرائيليون" باعتقاله وزجه في سجن انفرادي بتهمة الخيانة.
فكم تمتلك "اسرائيل" من الاسلحة النووية؟ يقدر مركز الدفاع في واشنطن ان لدى "اسرائيل" ما يزيد على 100 قنبلة نووية، وتذهب تقديرات اخرى الى القول انها تمتلك ما يزيد على 400 رأس حربي نووي.
و"اسرائيل"، على خلاف ايران، لم توقع على معاهدة عدم تطوير الأسلحة النووية، وكانت قد باشرت بمساعدة الهند بأسلحتها النووية منذ حوالي 20 سنة، بناء على ما ورد في مقال في الرابع من يونيو حزيران من العام 1998 في مجلة التايمز اللندنية.
ورابعا واخيرا، المجال الذي يشكل عدم معرفة المسيحيين الاميركيين "باسرائيل" ولا يعرفون الفارق بين من هو اليهودي؟ ومن هو الصهيوني؟
وعندما عين الرئيس بيل كلينتون يهوديا ليرأس وزارة الخارجية الاميركية- مادلين اولبرايت- فان غالبية المسيحيين الاميركيين لم يروا ضيرا في ذلك ، ولا يريدون احتقار اية ديانة.
واذا ما عين يهوديا ليرأس البنتاغون، فانهم يريدون ، مرة اخرى ، الا يكونوا بموقف التعصب من دين اي كان.
واذا ما كان لدى الرئيس 7 من اصل 11 من اعلى معاونيه في مجلس الامن القومي، بمن فيهم الرئيس، فانهم لا ينتقدونه على هذا ، فهم يريدون ان يكونوا منصفين عموما.
وعندما عين الرئيس اليهود لرئاسة الفريق المكلف بالتداول بامر الصراع العربي - "الاسرائيلي" المتفجر، فان المسيحيين الاميركيين لم يعلقوا على ذلك. لانهم لا يعرفون ان الفريق مكون من يهود فقط من دون اي تمثيل للعرب على الاطلاق.
وما لم يلاحظه المسيحيون الاميركيون هو ان هذه التعيينات ليست من اليهود فقط، بل انهم وتبعا لقول الصحافي "الاسرائيلي" بار يوسف هم "يهود متحمسون" لاي انهم مخلصون "لاسرائيل".
وفي مقال بعنوان "اليهود الذين يديرون بلاط كلينتون "، الذي صدر في احدى الصحف "الاسرائيلية" ، يقول بار يوسف : لانه مع هذا العدد من اليهود في المناصب العليا، اصبحت العاصمة الاميركية عالما يعرف تحت اسم "المركزي اليهودي السياسي والثقفي ". ويورد كلاما لاحد الحاخامات في واشنطن والذي يقول للمرة الاولى في التاريخ الاميركي ان اليهود الاميركيين لم يعودوا يشعرون بانهم يعيشون في الشتات، وان الولايات المتحدة لم يعد لديها حكومة النبلاء، بل ادارة اصبح اليهود شركاء في صنع قرارها على مختلف الصعد".
وكتب بار يوسف ان خير مثال على اليهودي المتحمس هو رحم ايمانويل.
وقد زار المراسل "الاسرائيلي" رئيس مستشاري كلينتون في مكتبه بالقرب من المكتب الرئاسي في المكتب البيضاوي، وقد كتب انه وجد ايمانويل مؤيدا كبيرا "لاسرائيل" .. فوالد ايمانويل كان عضوا في منظمة ارغون السرية التي كان يقودها مناحيم بيغن، ومن ثم سافر الى الولايات المتحدة حيث ولد له ايمانويل. وبما انه عاش، على الاغلب، في الولايات المتحدة، فقد قام الوالد بتربية الابن على عقيدة ترتكز على ان يقضي كل صيف في "اسرائيل" . وعندما اندلعت حرب الخليج تطوع هذا المواطن الاميركي المولد على الفور للخدمة لمدة شهر واحد في الجيش "الاسرائيلي" في كتيبة متطوعي ما وراء البحار. وقد سبق واشرنا الى القانون الاميركي الذي يسمح لمواطنين الاميركيين بالخدمة في صفوف الجيش "الاسرائيلي".
وبالكتابة عن مفاوض السلام في الشرق الأوسط، دينس روس، عرفه بار يوسف على انه يهودي متحمس اخر، مضيفا انه ولهذا السبب يرحب "الاسرائيليون" بروس باعتبار "انه صديق لنا".. فروس ترعرع في بيئة يهودية، ودرس في مدرسة يهودية . ويقول بار يوسف : ان هذا كان اكثر منه اجتماعيا في انه ذو خبرة يهودية. واضاف :"انها "اسرائيل" ، هي التي صنعت منه يهوديا متحمسا". وما ان بدأ روس بزيارة "اسرائيل" حتى قام بدراسة العبرية، واصبحت جذوره اليهودية اكثر اهمية . واهم من ذلك انه ابلغ بار يوسف بان كونه يهوديا فذلك يؤثر في موقفه من القضية برمتها.
ويخلص الكاتب "الاسرائيلي" في مقاله الى القول انه، وبينما تؤثر السياسة اليهودية، وتضغط ، كان من البديهي في اميركا، خلال العقود المقبلة، وفي ظل الادارة الاميركية الحالية، ان يؤثر اليهود بشكل كبير لا يضاهى.
وكلنا نذكر العام 1996 ، وقصف مقر الامم المتحدة في قانا، عندما قام "الاسرائيليون" بقتل ما يزيد على مائة مدني احتموا هناك.
ويوضح صحافي "اسرائيلي" يعدى ارييه شافيت لماذا يشعر "الاسرائيليون" بعدم الذنب في قتل المدنيين: "نحن نؤمن ايمانا، مطلقا، بأنه الآن ، ومع امساكنا بالبيت الابيض، وكون مجلسا لشيوخ في ايدينا. وكذلك "النيويورك تايمز" فان ارواح الآخرين لا تساوي من حيث القيمة ما تساويه ارواحنا".
ويوضح اسرائيل شاحاك، اليهودي المناوئ للصهيونية ان "الاسرائيليين" اليوم لا يركزون ديانتهم على ديانة العدل. وهم لا يقبلون بالشهادات القديمة كما كتبت، بل اكثر من ذلك، ان المتدينين اليهود يعودون الى التلمود، فبالنسبة اليهم ان قوانين اليهودية التلمودية اصبحت هي الانجيل، وان التلمود يقول ان اليهودي يمكنه قتل غير اليهودي دون الاحساس بالذنب.
والخطر بالطبع بالنسبة الى المسيحيين الاميركيين هو انهم جعلوا من "اسرائيل" ايقونة. اننا نقع في شرك الأخطاء التي تقترفها "اسرائيل" كما لو انها ارادة الله. واين نجد جوابا؟ ففي الولايات المتحدة ، من يعلمون بما يجري في الشرق الاوسط قلة قليلة جدا . اما الآخرون فانهم، وبسبب العقيدة الصهيونية التي تبث عبر وسائل الاعلام وسواها من الوسائل ، يرون "اسرائيل" جيدة ، ويرون العرب عموما والمسلمين خصوصا سيئين. كذلك فان المسيحيين الاميركيين الذي يدركون الوجه الحقيقي للصراع العربي - "الاسرائيلي"، هم أقلية في وطننا الام. ولدينا نموذج نحتذ يه في هذا المجال، انها رسالة المسيح بان نجد الشهود.
لقد مررنا بالعديد من التجارب لاننا ، وكأبناء لله الواحد ، نؤمن بحتمية العدالة اخيرا.
وفي هذه الاثناء ، ان من واجبنا الشخصي الحديث عن اولئك المضطهدين، الذي يتعرضون للضرب والسجن، فقط لانهم فلسطينيون، وليس الحديث برياء وكياسة عن تلك الايدي الآثمة، بل الحديث بكل صراحة وبكل جرأة وانتقاد اليهود، والدولة اليهودية، على الارهاب والمحرقة العنصرية التي يمارسونها. وللحصول على الشهود، ان على المرء ان ينتقد اميركا لدورها المزدوج بالنسبة للسماح للصهاينة بالسيطرة على اعلامنا - على كنائسنا ، وعلينا محاسبة وزرائنا الاميركيين على تشجيعهم لمبدأ ارض "اسرائيل" قبل الحديث عن الشعب الذي يعاني.
من السهل على اي منا الوقوف الى جانب القوة، وبالنسبة لكل منا على اية حال كابناء للاله الواحد، للرحمة والعدالة، علينا لعثور على اصواتنا وعلى شجاعتنا، والنطق بالحقيقة في وجه القوة.