"حزب الله" يسجل النجاح في كسر المعادلة الاسرائيلية مع تاجيل الرد بالكاتيوشا
المرحلة المقبلة ستشهد نوعا لافتا من عمليات المقاومة

المستقبل 12-2-2000


كيف تقوم المقاومة ما جرى خلال الايام القليلة الماضية وكيف ترى الى المرحلة المقبلة ؟

ولان " حزب الله " قرر منذ مدة التوقف عن تزويد الاعلاميين بـ " اجواء" وعن اعتماد صيغة " قالت المصادر القيادية" مفضلا توضيح المصدر، فقد جرت محاولة التقويم والاستخلاص مع رئيس " كتلة الوفاء للمقاومة" النائب السيد ابراهيم امين السيد بوصفه احد ابرز قياديي الحزب.

يقول النائب السيد ان الفترة الزمنية السابقة شهدت انهيار البنية العسكريةـ الامنية لميليشيا " الجنوبي" وكانت الذروة في اعدام العميل عقل هاشم،اي ان انهيار خطوط الدفاع الامامية عن قوات الاحتلال الاسرائيلي شكل العنوان الابرز لهذه الفترة،بحيث باتت المعركة تدور مباشرة " في اغلب الاحيان" بين المقاومة من جهة والجيش الاسرائيلي من جهة ثانية، ويضيف ان ذلك يعد انتصارا لا لبس فيه للمقاومة.

ويستطرد السيد بالقول ان قوات الاحتلال الاسرائيلي، بعد الانسحابات التي حصلت من جزين الى كفرحونة الى سجد، باتت اكثر انكشافا امام المقاومة فيما ضاقت المساحة والسبل امام اسرائيل،من هنا فان العمليات التي نفذتها المقاومة وادت الى انهيار البنية الميليشياوية،هي التي مهدت امام المواجهة " العارية" مع القوات الاسرائيلية، فكانت العمليات الناجحة للمقاومة خلال الاسبوعين الاخيرين، والتي اضطرت اسرائيل الى القول انها وحدها،اي عمليات المقاومة خلال الاسبوعين الماضيين تشكل ثلاثين في المئة من مجموع عمليات عام واحد.

ولا يتردد " السيد " السيد في القول ان التقويم لا بد ان يبدأ من تسجيل واقع ان العمليات الاخيرة للمقاومة اثبتت قوتها وجدارتها في الميدان، فضلا عن كونها دفعت حركة المطالبة داخل اسرائيل بالانسحاب من جنوب حتى من طرف واحد، الى امام وهذا ما يشكل في حد ذاته انتصارا للمقاومة، طالما انها اسهمت في التاثير سياسيا داخل اسرائيل .

على ان المرجع النيابي في " حزب الله " يميل الى الاعتقاد بان العدوان الاسرائيل الاخير وان وضعته اسرائيل في اطار الرد على العمليات الناجحة التي نفذتها المقاومة، انما كان اي العدوان متفقا عليه بين اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية، طالما ان اسرائيل ارفقت عدوانها العسكري بالقول انه رسالة سياسية الى لبنان والمقاومة وسوريا، وهي " رسالة " تطلب وقف المقاومة في جنوب لبنان، بحجة استحالة التفاوض في موازاة مقتل الجنود الاسرائيليين.

بكلام آخر، يقول النائب السيد ان العدوان ذو علاقة بالنتيجة التي آلت اليها المفاوضات، وهو خطط اسرائيليا واميركيا بهدف ازالة هذه " الورقة" من يد سوريا اي منع سوريا من الاستفادة من المقاومة، بحيث تنعقد المفاوضات بعد ذلك فيما لو حصل استئنافها بشروط اكثر ملائمة لاسرائيل، ويضيف ان " الحد الادنى" السياسي للعدوان الاسرائيلي كان يتمثل في احداث مناخ سلبي حيال المقاومة.

في التقويم اذا ان العدوان الاسرائيلي كان سيحصل وفق تخطيط اسرائيلي ـ اميركي متصل بالنتيجة التي آلت اليها العملية التفاوضية، ولو ان العمليات الناجحة للمقاومة " استخدمت" لتسويق العدوان من جانب اسرائيل وان " الرسالة" التي قالت اسرائيل انها توجهها عبر العدوان، تبدو بمثابة رد على طلب سوريا الحصول على تعهد اسرائيلي رسمي بالانسحاب من الجولان نحو خط الرابع من حزيران 1967 وان العدوان ـ الرسالة هو الرد بمطلب وقف المقاومة في الجنوب.

وفي السياق نفسه، يتوقف النائب السيد عند ما تطرحه اسرائيل في موازاة عدوانها لجهة تعديل " تفاهم نيسان" ويشدد في هذا المجال على ان مصلحة سوريا ولبنان والمقاومة تقتضي الا يعدل "التفاهم" لا بل يشدد على خطورة تعديله، وهو ـ اي التفاهم ـ ثمرة " حروب غالية مع العدو" وهو عى اي حال لا يتوقع ان توافق لجنة التفاهم على اجراء اي تعديل في بنود " تفاهم نيسان" .

غير ان "السيد" يطرح اثناء حديثه اشارة سياسية ذكية ، فيسأل : كيف تسعى اسرائيل الى تعديل التفاهم في وقت تعلن فيه الحكومة الاسرائيلية انها ستكون منسحبة من جنوب لبنان بحلول شهر تموز المقبل؟ ما الهدف من طلب التعديل اذا كان الانسحاب سيحصل لا سيما ان الفترة بين شباط الجاري وتموز المقبل قصيرة؟

ويجيب المرجع النيابي في " حزب الله " عن السؤال الذي طرحه بنفسه، فيقول ان طلب اسرائيل تعديل " تفاهم نيسان" يشير الى احد احتمالين: فإما ان اسرائيل لن تنفذ انسحابا " احاديا" او انها تطرح بالفعل شروطا جديدة على المفاوضات اذا استؤنفت، ويسارع الى القول ان الاحتمالين شكلا هما احتمال واحد في المطاف الاخير، فيرى ان لا انسحاب احاديا اسرائيليا، واسرائيل تطرحه على سبيل المناورة.

ويؤكد النائب السيد بعد ان " كشف " ابعاد طلب اسرائيل تعديل " تفاهم نيسان"، ان حزب الله والمقاومة متمسكان به، لكنه يلفت الى ما هو ادهى: فاسرائيل التي تدرك ـ على الارجح ـ ان تعديل " التفاهم" نصوصيا متعذر سعت الى تعديله ميدانيا، وهذا ما عبرت عنه اسرائيل بطرحها معادلة جديدة : البنى التحتية في مقابل مقتل الجنود بعد ان كانت معادلتها حتى الان البنى التحتية في مقابل الكاتيوشا.

ويشرح " السيد" وجهة تعاطي المقاومة مع التطورات الاخيرة ، فيوضح ـ تكراراـ ان سلاح الكاتيوشا استراتيجي وذو هدف استراتيجي، اي ان هدفه هو حماية المصالح الاستراتيجية ومنها منع تعديل " تفاهم نيسان" وحماية المدنيين وحماية المقاومة، واستخدام الكاتيوشا يكون لهذه الاهداف. على ان استخدام الكاتيوشا كما يوضح النائب السيد مسألة دقيقة جدا لجهة التوقيت ، ذلك ان التوقيت مهم جدا بالنسبة الى حفظ المصالح الاستراتيجية، منبها الى ان الخطأ في التوقيت مؤذ جدا.

ويقول ان المقاومة ردت على العدوان بسلسلة عمليات وقتلت جنودا اسرائيليين، ولم يحصل رد اسرائيلي يستهدف بنى تحتية، وعليه تكون المقاومة بردها ضمن هذه الحدود قد كسرت المعادلة الجديدة التي طرحتها اسرائيل اي البنى التحتية في مقابل مقتل الجنود. والاهم ـ سياسيا ـ هو ان المقاومة نجحت في كسر المعادلة التي ارادتها اسرائيل واحتفظت بالكاتيوشا سلاحا استراتيجيا جاهزا، اي ان المقاومة نجحت في الرد كسرا للمعادلة المطروحة اسرائيليا من غير اللجوء الى الكاتيوشا.

ويقول " السيد " ان الرد من غير الكاتيوشا كان دقيقا وصعبا لانه كان يخالف رغبة الراي العام ، لكن المصلحة السياسية اوجبت طريقة اخرى في الرد. وتوضيحا للمقصود بـ " المصلحة السياسية" يشير النائب ابراهيم امين السيد الى مجموعة نقاط. فيلفت الى ان عدم الرد بالكاتيوشا، سمح باعطاء فرصة لمنع اسرائيل من تحقيق اهدافها السياسية، وبفرصة لادانة العدوان عبر جعله مفضوحا اكثر من اي وقت مضى ، كما يلفت الى ان عدم الرد بالكاتيوشا اوقع الولايات المتحدة في " فضيحة " كاملة اذ ايدت العدوان بشكل سافر من دون ذريعة الكاتيوشا.

لذلك يعتبر النائب السيد ان الرد بالكاتيوشا كان يمكن ان يكون مجزيا على الصعيد المعنوي ، لكن في الوضع الحساس سياسيا ، فان الرد بعمليات نوعية من غير كاتيوشا ، نجح سياسيا في كسر المعادلة الجديدة المطروحة اسرائيليا وفي تعطيل التعاطي الاميركي وكشف موقفها بشكل سافر، وبدا " السيد" متسائلا: اليس جميلا ان تحقق كل ذلك، وانت محتفظ بالكاتيوشا مؤجلا الرد بواسطته الى توقيت مناسب لا يمكن تحديده منذ الان ؟

في التقويم اذا، عمليات ناجحة للمقاومة ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي وجها لوجه بعد انهيار البنية الميليشياوية الدفاعية عن اسرائيل وكسر لمحاولة اسرائيل ايجاد معادلة ميدانية جديدة واسقاط " تفاهم نيسان " وحشر اسرائيل واميركا سياسيا في سعيها الى تعديل شروط العملية التفاوضية وكل ذلك من دون الاضطرار الى الكاتيوشا.

ويبدي المرجع النيابي في " حزب الله" اعتقادا بانه على الرغم من تكاثر الحديث بعد تطورات الايام الاخيرة عن احتمال استئناف قريب للمفاوضات، فان الاحتمال هذا قائم لكن المعطيات التي تمكن من ترجيحه غير موجودة حتى الان ، فالولايات المتحدة تريد استثمار العدوان للضغط على سوريا في المفاوضات ، وصاحب القرار في اسرائيل لم يقرر اي اتجاه سيسلك ، اما سوريا فمتمسكة بموقفها في موضوع خط الرابع من حزيران ولا تقبل بشروط " مناخية" معينة لاستئناف المفاوضات ، من هنا يعرب "السيد" عن تقديره بان الشيء الذي تستطيع المقاومة ان تؤكده هو ان المرحلة المقبلة ستشهد نوعا ملفتا من عمليات المقاومة، اي كميدا من العمليات النوعية ، فلا خيار امام المقاومة غير هذا الخيار.

ويختم "السيد" بابداء الارتياح الى الاداء السياسي للدولة والسياسيين في السلطة وخارج السلطة والى االوحدة الوطنية التي تجلت مرة اخرى، ويعرب عن الارتياح الى " اللغة" السائدة، لغة ازالة آثار العدوان من ناحية ولغة المطالبة باستمرار المقاومة من ناحية اخرى، وهذا كله ما يحمل المقاومة برأي النائب السيد مسؤولية في اتجاهين : مسؤولية استمرار المقاومة حماية للشعب والدولة ومؤسسات الوطن اولا ومسؤولية الا نخطىء في السياسة ثانيا ، على ان " السيد" يحرص على التشديد على ان المقاومة تبقى " عادية " اذا نجحت فقط في تشكيل راي عام مؤيد لها ، بل تكون غير عادية اذا نجحت في ان تصنع تحولات في البلد، تحولات ليست اقل من ان يكون قسم اساسي من اللبنانيين والقوى السياسية ذات التاريخ الوطني، اساسا في المقاومة بمختلف صيغها المستقبلية.