قراءة لانجازات المقاومة بعد سبعة عشر عاماً على انطلاقها
حطمت قوة الردع عند الصهاينة واحيت الخيار العسكري عند العرب
على مدى سبعة عشر عاماً حققت المقاومة الاسلامية عدداً من الانجازات التي تراكمت وصولاً الى فرض معادلة على العدو الصهيوني هي من اصعب المعادلات التي واجهته منذ نشأة كيانه في منطقتنا: البقاء على الاراضي اللبنانية وتكبد المزيد من الخسائر، او الانسحاب، وبالتالي الاعتراف بالهزيمة العسكرية بشكل كامل.
اي ان المعادلة اصبحت باختصار: بقاء وخسائر او انسحاب وهزيمة، وكلا الخيارين مر وصعب.
يرى الباحث في الشؤون العبرية الاستاذ خالد عايد ان الانجاز الواضح الذي حققته المقاومة الاسلامية هو تمكنها من تحرير الجزء الاكبر من الاراضي التي احتلها العدو في اجتياح عام 1982 بدءاً من الجبل وصولاً الى صيدا وصور.
الان، بقي الاحتلال في الشريط الحدودي، وتقف قوات العدو وظهرها الى الجدار كما يقولون، وكان يمكن ان تواصل الانسحاب لولا انها في هذه الوضعية وهذه الورطة التي يتحدث عنها جميع المسؤولين الاسرائيليين، حتى العسكريين منهم، وهذه ظاهرة غير مألوفة في الكيان الصهيوني، ان يشارك العسكريون في طرح الاراء حول الانسحاب وعدم الانسحاب من الشريط.
في عملها هذا، استطاعت المقاومة – سواء بالامس او اليوم – ان توجه ضربة قوية جداً لنظرية الردع الصهيونية وهي التي تقوم عليها العقيدة العسكرية الاسرائيلية. فباعتراف كبار القادة العسكريين، بمن فيهم رئيس الاركان امنون شاحاك، عشية عدوان عناقيد الغضب عام 1996، ان الجيش الاسرائيلي يتعرض لتآكل في قوة الردع في ظل استمرار الهجمات التي تشنها المقاومة في الشريط الحدودي.
ان هذه المسألة مهمة جداً ولها ابعاد استراتيجية، فلأول مرة تقريباً يواجه الكيان الصهيوني مثل هذا الوضع، على الرغم من التفوق الكاسح في العتاد والعديد، فان هذه القدرة على الردع ظلت تتآكل، ومع هذا التآكل فقدت قوات الاحتلال زمام المبادرة تكتيكياً واستراتيجياً باعتراف قادة العدو، وذلك برغم كل المحاولات المستميتة التي بذلوها سواء على مستوى تطوير اداء قوات الاحتلال نفسها او بناء وحدات خاصة مثل وحدة "ايغوز" او التغيير في اساليب وتكتيكات العمل بها فيها استخدام الكوماندوس البحري من الفرقة المعروفة بانها نخبة النخبة (شييطت 13) وما لحق بها في انصارية او استخدام اسلحة متطورة عديدة، حيث كانوا يفتخرون باستخدام الاسلحة الذكية ومحطات الانذار المبكر لرصد منصات اطلاق صواريخ الكاتيوشا، والميركافا التي كانت تعتبر مفخرة الجيش الصهيوني كدبابة لا تخترق، فاذا برجال المقاومة يستطيعون تدميرها، وغير ذلك من المؤشرات التي تدل على ان قوات الاحتلال فقدت زمام المبادرة كما فقدت القدرة على الردع.
ويقول الاستاذ عايد. ان هناك مؤشراً يعترف به قادة العدو الصهيوني، وهو نسبة الخسائر البشرية بين قوات الاحتلال وقوات المقاومة، اذ كانوا يقولون ان النسبة في السابق كانت استشهاد عشرة مقاتلين مقابل مقتل جندي صهيوني واحد، وقد تدنت هذه النسبة لتصبح واحد الى خمسة ومؤخراً اقرت قوات الاحتلال بانها اصبحت اثنين الى واحد، والخوف ان تصبح واحداً الى واحد.
ونحن نعرف مدى اهمية العنصر البشري في الكيان الصهيوني والخسائر البشرية في الخاصرة الرخوة في هذا الكيان، وكلما اوقعت خسائر من هذا النوع في صفوف العدو كانت الضربة اشدّ ايلاماً. ولا ننسى هنا العمليات الاستشهادية التي ادت الى زيادة النسبة المذكورة لمصلحة المقاومة، وهكذا صارت خسائر المقاومين تدريجاً اقل فأقل بينما كانت خسائر العدو الصهيوني ترتفع اكثر فأكثر.
ويلفت الاستاذ عايد الى ان المقاومة استطاعت ان تطور اداءها وان تأخذ زمام المبادة بيدها وان تفعّل تكتيكات عملها المسلحة بطريقة كانت دائماً تتغلب فيها على ما يفعله الاحتلال في هذه الميادين، فقد حاول الاحتلال ان ينقل المعركة الى المناطق المحررة، ولكن في جميع هذه المحاولات كانت النتائج كارثية عليه، ليس فقط في انصارية، بل في مناطق اخرى، حيث كانت تتم المواجهة مع الوحدات المختارة من جيش العدو التي تحاول التسلل الى المناطق المحررة والقيام بعمليات ضد المقاومة، فكانت تقع في كمائن المقاومين الذين يكبدون العدو خسائر كبيرة.
ويركز الاستاذ عايد على مفردة الردع التي تتحكم بالموجهة، لاننا اذا راجعنا العقيدة العسكرية الصهيونية كما كانت في الثمانينيات وكما هي الان في التسعينيات نجد ان فكرة الردع هي محور اساس في هذه العقيدة، وهذا الرد يبدأ من مستوى مواجهة قوات صغيرة تعمل على مستوى حرب عصابات وصولاً الى مستوى الردع النووي الذي تكفله لها الولايات المتحدة الامريكية.
فاذا ما ذكرنا ان تقديرات العدو لعدو "القوات النظامية" في حزب الله هو 500 مقاتل فان قادة العدو يتساءلون كيف لهذه القوة الصغيرة ان تواجه القوة العسكرية الصهيونية بكاملها بما فيها من الوية مختارة واسلحة متطورة وغير ذلك.
ان هذا السؤال يهز العقيدة العسكرية والامنية الصهيونية من اساسها مما يعمق المأزق الذي تواجهه قوات الاحتلال في الجنوب، لان الانسحاب يعني – كما يقولون – الخوف من اقتراب مقاتلي المقاومة من حدود فلسطين، والبقاء في المستنقع اللبناني يعني استمرار الخسائر دون امكانية لحسم هذه المعركة بعدما جربوا كل الوسائل وفشلوا، وقد وصل الامر بالبعض الى اقتراح توسيع الشريط الحدودي الى الليطاني، ولكن معارضين يردون ان هذا التوجه لا يحل المشكلة بل يوسعها، فبدل ان يواجه الصهاينة المقاومة في الشريط بحجمه الحالي، فان المواجهة تصبح اوسع واكثر كلفة.
ان هذا المأزق ليس تكتيكاً فقط، وانما هو مأزق استراتيجي، لذلك فان تصريح احد قادة العدو مؤخراً بان الصهاينة مستعدون للبقاء في الجنوب الف سنة اخرى يمكن فهمه من باب رفع معنويات جنودهم وميليشيا العميل لحد، فيما الواقع هو ان الصهاينة لا يملكون امكانية حسم المواجهة عسكرياً في المدى المنظور.
والان اذا تم الانسحاب من الشريط المحتل فانه سيكون اول انسحاب ناجم بشكل كامل عن العامل العسكري وحده دون أي عوامل اخرى سياسية وغيرها، وهذا له محاذير بالنسبة للصهاينة لانه يعطي صورة للشعوب العربية ان القوة قادرة فعلاً على هزيمة العدو.
واذ يؤكد الاستاذ عايد هذه الحقيقة فانه يرى ان هذه الهزيمة مزدوجة وستترك اثاراً عميقة في المستقبل على الكيان الصهيوني.
ان دعاة الاستسلام يقولون ان الخيار المسلح قد اغلق تماماً امام العرب، ويؤكدون ذلك لتبرير انخراطهم في عملية التسوية. وفي حال تحقق الانسحاب الصهيوني بضغط من المقاومة، فسيعود الى العمل العسكري اعتباره، مما ينعكس ايجاباً لصالح العرب في هذه المواجهة، تماماً كما اثبت شكل اخر من اشكال المواجهة هو الانتفاضة ان بامكان الشعب – اذا اراد – ان يواجه القوة العسكرية العاتية التي تمثلها "اسرائيل".
ويسجل الاستاذ عايد ان حزب الله اصبح الاسم الحركي للمقاومة في جميع انحاء العالم العربي، ويذكر انه خلال عدوان نيسان كان في الاردن حيث نظمت القوى الشعبية والحزبية تظاهرة حاشدة دعماً للشعب اللبناني في معركته مع الصهاينة – برغم المنع الرسمي – وكان الهتاف الابرز في التظاهرة التي شارك فيها شخصياً هو هتاف التأييد لحزب الله تحديداً وبالاسم، مع الاشارة الى ان المشاركين في التظاهرة كانوا من منابت فكرية وحزبية مختلفة اذ كان فيهم اليساريون والقوميون والاسلاميون والوطنيون.
ويرى ان انعكاسات المقاومة في الجنوب والبقاع الغربي انعكاسات عميقة ولكنها في الوجدان الشعبي.
ولكن للتحول هذه الانعكاسات الى ممارسات يومية وملموسة فانها تحتاج الى ظروف مختلفة، ولكل بلد من البلدان العربية ظروفه التي تختلف عن البلد الاخر.
الا ان استمرار المقاومة ومراكمة تأثيرها على العدو وتعميق مأزقه، أي ادامة الاشتباك معه، يعني شيئاً اساسياً وهو ان الصراع لم يتوقف مع هذا العدو، وهذا الصراع هو صراع وجود ولا يمكن ان ينتهي بتوقيع طرف عربي او اكثر لمعاهدة او اتفاقية مع العدو الصهيوني.
طريق الالف ميل نحو تحرير الاراضي اللبنانية الذي سلكته المقاومة، اين اصبح الان برأيكم؟
يقول الاستاذ عايد، انا متفائل بطبعي، واعتقد انها اصبحت في الميل الاخير، او على الاقل في الاميال القليلة الاخيرة، وليس هذا القول مجرد تمن، وانما هو قراءة دقيقة لواقع الامر ولعمق المستنقع الذي يغرق فيه الصهاينة اكثر فأكثر، وهم لن يكون امامهم أي خيار سوى الانسحاب.
اما شروط هذا الانسحاب وظروفه، فهذا الذي يجب الوقوف عنده، ولكن حتى الان، وبما ان عملية التسوية وصلت الى طريق مسدود، وليس الى مجرد مأزق، فان الرهان على اتفاق 17 ايار جديد هو رهان خاسر لدى العدو، ولذلك فان خيار التحرير يبقى هو الخيار الوحيد امام المقاومة، وخيار الانسحاب هو الخيار الواقعي الوحيد لدى قوات الاحتلال.
خالد عايد