اجابات عن موقع المقاومة لدى كتاب وشعراء
هي النص الشرعي الوحيد في ادبنا الحديث
تبدو المقاومة باشكالها المتعددة عهدا رصينا لاستمرار الانسان في تناول خبز الحياة بعز وكبرياء، كما تبدو صونا من الانقياد الى تسبيح السلاطين والانظمة المتمادية في نشر الذل والتخاذل والانكسار في افق الشعب.
كيف ترى المقاومة اليوم؟ واين موقعها في النص اللبناني الحديث؟ سؤال بشقين، طرحناه في اسبوع المقاومة واجاب عنه بعض المهتمين من ادباء.
العقل الكربلائي وفجائعية الانتصار
محمد علي شمس الدين
يظهر ان النص الابداعي قد ابتعد مسافة كبيرة عن الاعلام المباشر او الايماءة المباشرة للمقاومة، ولم يعد تبشيريا ولا وضعيا واصبح ينطوي على الكثير من الالغاز، حتى ان القارئ للنصوص الابداعية الحديثة ومن مدة طويلة يكاد لا يرى هذا الضوء المتوهج للمقاومة وهذا الدم الحار والغالي الا في ما ندر ولذلك عدة اسباب هي:
اولا، ان المقاومة تظهر كصوت متقطع في واد مخيف من الصمت العربي، انها شبيهة بقانا وما كتب حول قانا على العموم كان - ما عدا بعض الاستثناءات - باردا وسطحيا بل لعله كان اعلاميا.
الثاني، ان الشعراء خاصة والمثقفين عامة غير مندرجين عضويا في المقاومة بالمعنى المباشر، أي انهم غير فاعلين على الخط الملتهب للتماس او على الاقل ليسوا شهودا على مقربة مما يجري، فغالبيتهم في المقاهي كما هو معلوم او في اماكن امينة ولا يتحرك فيها سوى الشعور المجرد او المتلفز. واعتقد ان التماس الجسدي الشعري مع الخطر امر ذو اهمية في جعل العبارة حارة وطازجة.
الثالث، تظهر المقاومة وكانها صوت ضدي او سهم ينطلق عكس خط السير. ان التعامل معها لا بد من ان يندرج في ما اسميه فجائعية الانتصار وأستعير هنا قولا للسيد حسن نصر الله قاله بعد ملحمة قانا ومضمونه: "انني اقدم هذا الانتصار الحزين الى العرب والمسلمين". فلا يكفي ان نقول ان المقاومة بطلة، بل علينا ان نرى ايضا ان المقاومة تقوم بفعل كربلائي، أي فاجع، فكل جندي "اسرائيلي" يموت تتدمر مقابله حقول وبيوت ويقتل مواطنون مدنيون وتحترق قرى وتتعطل مصالح. اليس هذا هو الثمن؟ نحن نقبل بالثمن وشعرنا الذي كتباناه وما زلنا نكتبه للمقاومة من خلال الرموز التي تستعملها، على سبيل التذكير قصيدة "فتى الرمان"واخيرا "قبر الى الارض " حملت قانا من قاع قبورها وفجائعها الى ملكوت الرمز الابدي.
على ما اعتقد ان هذه الملابسات جميعا تجعل الكتابة في المقاومة ومعانيها المركبة كتابة نادرة واقلوية ولكنها موجودة لمن يدقق في النصوص الابداعية الاخيرة. ليست كثيرة بالطبع، ونادرون هم الذي اندرجوا في حيوية هذه المقاومة لان الثقافة العربية على العموم اليوم ثقافة تسليم وتفاوض وتبتعد عن وخز المقاومة وتتلافاها.
ان الشعراء العرب مدعوون الى المقاومة وهم يستلقون على سرير الاكتئاب او الهروب او الاستغراق في التفصيل الحياتي اليومي كمن يغمض عينيه عن نار تشتعل في الغابة وهو نائم على شجرة في وسط هذه الغابة. انه ينطلق مع احلامه الشخصية والنار تأكل الافق.
المقاومة وتنينات ما قبل التحضر
د. عبد المجيد زراقط
يبدو واضحا ان الانتاج الثقافي، وخاصة الإبداعي شعرا ونثرا، لم يرق الى مستوى الحدث التاريخي المقاوم، فقليلة هي الاعمال الادبية التي واكبت المقاومة وجسدت تجربتها لغة فنية. ومن هذه الاعمال في ميدان الرواية "جسر الحجر" لليلى عسيران و "درب الجنوب" لعوض شعبان و "القبضة والارض" لعلي حجازي وبعض قصص الياس العطروني و "ذات عصر"
و " الهجرة في ليل" و "مناديل" لعبد المجيد زراقط، اضافة الى النصوص الموجهة للاطفال والفتيان ومنها دروس الاحبة وعودة العصافير و "صلاح الدين وابنة عمه انتصار".
هذا الواقع ليس غريبا، فليس من الضروري ان يرافق الابداع الادبي الابداعي الواقعي التاريخي، فالاول يحتاج الى حقبة من الزمن ليتشكل تجربة تنشئ نصا، اضافة الى انه يبقى طوال الزمن، مصدر ابداع دائم بوصفه تجربة انسانية فريدة.
قد نقول، يعود قصور الانتاج الثقافي الى عدة اسباب منها: تكون معظم منتجي الادب في ميادين الشعر والقصة والرواية، في فضاء الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية. وقد صنع "اللوبي" الثقافي لهاتين الحركتين نجوما هيمنت، ولما انهار الاتحاد السوفياتي واخفق المشروع الوطني، تمثلت الخيبة في المرايا، وانصرف معظم نجوم الفضاء الثقافي يلبون شروط السوق التي يحكمه سيد العالم الجديد ومعاونوه ووكلاؤه، ولم يبق سوى قلة لم تجد فرص النشر وامكاناته، أي لم تجد الفضاء الذي يتيح لها ان تشكل تيارا مغايرا للسائد المهيمن، اضافة الى ان هذه القوى نفسها لا تتيح حيزا للإنتاج الابداعي، شعرا وقصة ورواية. ولدي الكثير من الامثلة التي يمكن ذكرها ان اتيحت لي كتابة دراسة مفصلة.
ومن منظور اخر، يبدو لي ان الادب المقاوم، او الادب الذي تتمثل فيه المقاومة، لا يقتصر على ما يجسد تجربة المقاومة المباشرة العسكرية، وانما يشمل ما يجسد تجربة الانسان الساعي الى امتلاك حيز يكون فيه حاضرا وفاعلا من دون ان يتخلى عن ذاته وهويته. وانما يعمل على تحقيق ذاته وتأكيد فاعلية هويته وانجازها.
وهذا يعني ان أي ادب ينبثق من الواقع الحياتي االمعيش ليصوره بصدق فني، ينطق برؤية الية كاشفة وممتعة في ان، أي تمتلك فاعلية جمالية فنية، هو ادب مقاوم، تتمثل فيه مقاومة اعداء الانسان الكثيرين ومنهم العدو المحتل الذي يمثل ابشع صورة للهمجية الطالعة من غيتوات الحقد مثل رؤوس الشياطين او تنينات ما قبل التحضر.
محمود توفيق صادق
هل يبقى لنا شيء نفخر به غير المقاومة؟ وهل هناك نص لبناني حديث بدون بلاغة المقاومة؟ اني اقلب السؤال واصوغه بطريقة اخرى: كيف نتصور الساحة اللبنانية من دون مقاومة امام عدو شرس؟ وكسيف نتصور الادب والفن ومنه الشعر من دون قضية ومن دون الدفاع عنها؟
لقد سقط فرسان الكلام والتنظير وتسمرت الخطب في المنابر امام لغة الدم والشهادة. فالاذن عافت الكلام الممجوج والمجاني والاستهلاكي وضاقت به ذرعا امام هول المعارك التي يخوضها رجال المقاومة والابطال، والصوت لم يعد يرتج في وعر والحرف لم ينسل في قلم. حتى المداد خجل من القرطاس فلم يسوده ووقف خاشعا امام دم الشهداء الذي اصبح وحده حبر المقاومة، به يدون الادب وبه يكتب التاريخ.
والكلمات لم تعد مطربة امام زئير الرصاص وزغردات المقاتلين والحداة في ساحات الشرف. من هنا، فان كل نص لا يحمل التحريض على القتال هو نص بلاطي سلطاني رسمي لا حرارة فيه ولا حياة.
ان المقاومة هي النص الشرعي الوحيد في ادبنا الحديث، انها القضية والحلم والانتصار، ولعمري ان هذا الثالوث المقدس هو ابرز مقومات الادب والفن.
على الصعيد السياسي نرى ان المقاومة هي النغم المؤثر على ضباط الايقاع في سمفونية السلام المنشود في المنطقة. واني اجزم بان حضورها المعنوي والعالي يطغى على مجمل المباحثات والمفاوضات، ويحسب لها الف حساب، لذلك فان المحافظة على المقاومة وحمايتها تمنعان الاستفراد وتمتنان تلازم المسارين اللبناني والسوري، حيث تبرز المقاومة سيفا مسلطا في وجه العدو الحريص على تحسين مواقعه وتحصينها.
اما على الصعيد الادبي والشعري خاصة فالمقاومة هي نبض الشرايين الحي ونبع التجلي واستشراف الشهامة. انها الصورة الابهى والارقى للنضال. انها التحدي في وجه السلاطين والشياطين وتاج دم في قبائل عارها من ذهب. المقاومة اليوم حافزنا الادبي وملحمة ابداعنا ومنبر اشعاع الضوء الفني حرفا ولونا ونغما. ندخل في ملكوتها فيتجلبب الادب بالقداسة وتجلل بالوقار والمهابة.
المقاومة الان هي حضور وقضية، حضور شعب وقضية عدالة، وكل نص سياسي او ادبي لا يحمل في طياته الفخر بالمقاومة والوفاء لها هو نص مبتور وغير شرعي وخارج عن القانون وهامشي يعيش خارج الزمان والمكان. ان النص المقاوم هو الابن الشرعي للادب الحديث في هذه المرحلة وما عداه فهو اللقيط والابن الضال.
احمد بزون
تحظى المقاومة في لبنان اليوم بتأييد غالبية الشعب، اضافة الى تأييد الموقف الرسمي لها ودعمها على المستوى السياسي والدبلوماسي.
والمثقفون، بصفتهم جزءا من التشكيلة اللبنانية، يؤيدون المقاومة، اذ ان غالبيتهم تؤيد هذا الاسلوب في الدفاع ضد مطامع "اسرائيل" في بلادنا. وقد اظهرت بعض الاحداث مواقف تبرز التفاف المثقفين حول المقاومة ودعمهم لها. الا ان مستوى الدعم سيكون بالطبع متفاوتا بين مثقف واخر، ان بين منتج للنص الابداعي وسواه، ذلك ان معنى المقاومة يتباين بين محبذيها، ويمتد من الذي لا يعترض عليها وصولا الى من ينخرط في صفوفها بشكل او باخر.
وتبقى مشكلة النص المقاوم بارزة في كل مقاومة من مقاومات لبنان ومقاومات العالم، ذلك ان التعبير عن المقاومة في النص يبقى ملتبسا الى حد بعيد. وهنا يمكن ان نفرق بين من ينوي خدمة المقاومة ودعمها وفي نصه فيعبر باسلوب يوصله الى هدفه، وبين اخر ينوي ذلك ويقع في الخطابية الفارغة.
ففي الوقت الذي يعمل فيه المقاومون على ابتداع اساليب جديدة اضمن واجدى وافعل في مقاومة العدو، ويبذلون في سبيل ذلك الكثير من تغيير الخطط والابتعاد عن الأساليب الكلاسيكية المكشوفة، نلاحظ ان بعض الكتاب يعتمدون اساليب ممجوجة في نصوصهم التي يعتبرونها مقاومة ويقدمون نصوصا ادنى بما لا يقاس بالمقاومة التي تجري على الارض.
ان المهمة التي يجب ان يضطلع بها الادباء في نصوصهم المقاومة لا تقل شأنا عن مهمة هندسة الروح المقاومة لدى القارئ، وهي بالتالي ليست سهلة، ولا تتم من خلال كتابات مرتجلة وسهلة ومباشرة.
يظن البعض ان النص المباشر او الخطابي او الحماسي في هذا المجال هو الافعل، لكن علينا ان نفرق بين خطاب تحريضي ونص ابداعي، فالقصيدة والمسرحية الفيلم والاغنية.. الخ، تتحول الى عمل ابداعي من خلال ابتعادها عن لغة الخطاب، فالخطاب او الكلام المباشر له مهمة التبليغ او الحض على امر اني لحظوي، في حين ان العمل الابداعي يلامس الروح، الداخل، العقل والنفس معا، يخاطب الحس العميق لا الانفعال السريع، ويربي في المتلقي مفاهيم وأحاسيس مستمرة ومتينة وراسخة.
وهل النص الحديث بلامس المهمة الابداعية؟ نعم ولا. ذلك لان مفاهيم الحداثة ليست واحدة، فتبعا لبعضها نقول، نعم وتبعا لاخرى نقول لا. وازاء هذه المفارقة لا بد من تأكيد ضرورة التوقف دائما بين الشكل والمضمون، بين فنية النص ومضمون المقاومة، فالفنية هي التي تحمل الموضوع وتوصله، فشروط الحامل او الوسيلة ضرورة ملحة في أي نص، ومقاييس الفنية في النص هي التي تضمن درجات نجاح النص في الوصول بشكله الافضل الى القارئ، ودرجات ترسيخه فكرة المقاومة.
عبد الله قبرصلي
اعتقد ان هذا العالم العربي والاسلامي على اتساع رقعته، وتعدد الشعراء والادباء فيه، وغناه في بعض مناطقه بالمال والرجال، كاد ان يكون في حال احتضار لولا وجود المقاومة التي هي بنظري نبض الحياة في عروقه. اذ انه ما قيمة الانسان تحتله مجموعة من شذاذ الافاق وتذله وتحقره وتقتل برجاله ونساءه واطفاله وعجائزه دون ان يتحرك للدفاع عن نفسه وكرامته وشرفه.
لا يهم ان تنتصر المقاومة. او لا تنتصر بل المهم ان تسجل مواقف العز والدفاع عن الحريات لان شعبا لا يدافع حتى الموت عن شرفه هو شعب يستحق الدفن حيا.
انا مع المقاومة واقسم انني في هذه السن المتقدمة (87 عاما) مستعد ان اقوم بعمل فدائي وان اقاتل بما ملكت يداي دفاعا عن ارضي وامتي.
كثيرون يقولون ان المقاومة ليست الا عملا اعتباطيا اذ انه مقابل كل يهودي تقتله او تجرحه يموت مائة لبناني وتخرب بيوتهم، ولكن المقاومة برأيي المتواضع ليست في عدد من تقتل او تجرح وانما هي رمز لوجود امة تشعر بكرامتها وتموت في سبيلها. انني اشعر باعتزاز كلما رأيت على صفحات الصحف صورة لمقاوم او فدائي استشهد في احدى المعارك او المواجهات مع العدو "الاسرائيلي".
اعتقد ان موقع المقاومة هو في المقام الاول تحت اقلام الشعراء والادباء والمفكرين والمثقفين، واقرأ باعتزاز القصائد والمقالات واحيانا الاشارات التي ترد عند اكثر الكتاب والشعراء في لبنان والعالم العربي. واحيلك الى احد كبار ادبائنا الراحلين الدكتور جوزف مغيزل ومحمد المجذوب اللذين كتبا وحاضرا ويعتبران المقاومة حقا من حقوق الافراد والشعوب حينما تكون ضد الاحتلال والاغتصاب وضد منتهكي الحرية والقيم الانسانية. واذكر قصائد نزار قباني ومحمد علي شمس الدين التي تثلج صدري لان فيها تمجيدا لدور المقاوم واعماله البطولية. واختم بالقول انه ليس المهم انت تنتصر بل المهم ان تقاوم.