بصمات المقاومة في سيكولوجيا "اسرائيل"
راجح الخوري
النهار 6-3-1999 ص 12.
محور بعنوان "اثر عمليات المقاومة في السيكولوجيا الصهيونية القاه الصحافي راجح الخوري في ندوة عقدت في نقابة الصحافة اللبنانية لمناسبة اسبوع المقاومة الاسلامية:
مساء الثلاثاء 27 شباط 1999 وعلى خلفية عملية "بركة جبور" التي باتت وبامتياز مثيل بركة ودماء الاحتلال ودموعه, قدمت "القناة الثانية" في التلفزيون الاسرائيلي ندوة مسهبة نستخلص منها امرين:
- الامر الاول هو الاتفاق بين اربعة رموز سياسية وعسكرية في اسرائيل على خلاصة واحدة. اما الرموز فهي: وزير الامن الداخلي افيغدور كهلاني الليكودي الذي دعا دائما الى تصعيد العدوان ضد الجنوب ولبنان. ورئيس الاركان السابق امنون شاحاك (الآن من حزب الوسط) وعضو الكنيست يوسي بيلين واحد كبار ضباط الاستخبارات سابقا حاييم يفراح.
واما الخلاصة فهي: "نحن الآن اسرى في ايدي "حزب الله"... وليس هناك اي منطق عملاني لبقاء الجيش الاسرائيلي في الجنوب لان "حزب الله" يفعل هناك كل ما يريد".
هذا كلام حرفي مستخلص من الحوار الساخن التلفزيوني المذكور.
- الامر الثاني هو ما قالته الاستاذة الجامعية ياحيم بن مناحم من حركة الامهات الاربع المطالبة بالانسحاب من لبنان حيث استخلصت مقاربة رمزية مثيرة: ما يجري في جنوب لبنان يذكّرنا بقصة ابرهيم واسحق. واذا كنا احيانا نتساءل كيف تجرأ الرب في البداية على مطالبة ابرهيم بالتضحية بابنه اسحق, فاننا نتساءل دائما لماذا لا نرى الكبش الآن؟
والمقصود هنا لماذا تصر الحكومة الاسرائيلية على مطالبتنا بالتضحية بأبنائنا ولا ترى الكبش, الذي يتمثل بالخروج من الجنوب؟
استخلاصات
اذاً, من واقعة الاستخلاص السياسي والعسكري الى رمزية الاستخلاص الثقافي - السياسي اذا صح التعبير, يمكن العبور الى فهم المأزق العسكري المتمادي الذي يواجهه الاحتلال في جنوب لبنان.
لا يتسع المجال هنا الى الاستغراق في ايراد التفاصيل والوقائع الدقيقة والرائعة التي تشكل الآن خيوط نسيج الهزيمة الاسرائيلية وخصوصا على الصعيد السيكولوجي, فمن صبيحة ذلك اليوم من عام 2891 عندما تقدم شاب وأفرغ رصاص مسدسه في رؤوس ثلاثة من جنود الاحتلال كانوا يرتشفون القهوة مطمئنين في احد مقاهي الرصيف في شارع الحمرا, الى فجر يوم الاثنين - الثلثاء 32 شباط 9991 حيث تحولت "بركة جبور" عنوانا من عناوين المأزق الدموي الاسرائيلي, يمكن التوصل الى الاستنتاج الصارخ:
ان الحلقة الاضعف في الصراع العربي الاسرائيلي (اي لبنان) هي الحلقة الاقوى فالخلاصة الموضوعية الحسابية الباردة لكل ذلك الايقاع الناري الملتهب, الذي يأخذ وتيرة تصاعدية, هي ان الاسرائيليين خسروا وسيخسرون في لبنان كل ما ربحوه في المنطقة:
اين الانتصارات الباهرة والسهلة؟ اين القوة الفولاذية للجيش الذي لا يقهر؟ اين التفوق الساحق للجندي الاسرائيلي؟ اين السيطرة المطلقة للآلة العسكرية الحديثة؟
هذه الاسئلة لا تشكل منطلقا للانخراط في رومانسيات واهمة حول مسألة الحاق هزيمة كاملة الآن بالجيش الاسرائيلي, ولكنها تشكل بالتأكيد مدخلا الى فهم وتيرة التآكل الذي يضرب سيكولوجيات الركون المطلق الى القوة, والقوة احد اهم معالم النفسية اليهودية وقد اكتسبت في الماضي والحاضر اهمية وجودية وكيانية - اجتماعية كبيرة عند اليهود, قبل قيام اسرائيل وبعد قيامها تحديدا.
محاكمة النبي موسى
واذا كانت مسألة القوة في التاريخ اليهودي تعيدنا الآن الى الكاتب الاميركي الساخر ارثر سيفيل الذي طالب بمحاكمة النبي موسى الذي زرع "عقدة العصا" في النفسية اليهودية, حيث بات من المفترض ان يكون هناك دائما نبي يشق الماء بعصاه ويقضي على الاعداء, فان ظاهرة الجنرالات في القيادة السياسية تكتسب معناها العميق في اسرائيل, حيث تتشكل الزعامة السياسية على وقع جنازير الدبابات او جنازير القوة, وحيث يقفز الضباط من المتاريس والخطوط الامامية الى المكاتب والمناصب الحكومية.
والقوة مسألة كيانية حتى التماهي في اسرائيل وحيث يحتضن التاريخ اليهودي رمزيات مثيرة مثل قصة شمشوم الذي يستخرج من الهزيمة والموت قوة اخيرة: عليّ وعلى اعدائي يا رب... بمعنى اذا كان لا بد من الموت فليمت الجميع.
الوجود معجزة يومية!
ولعل افضل مدخل الى فهم الاثر الفعلي لعمليات المقاومة في السيكولوجية الصهيونية, هو ذلك التصوير البارع جدا الذي يقدمه استاذ العلوم السياسية الاسرائيلي شيفح فايس فهو يقول: "ان اسرائيل هي الديموقراطية الوحيدة المتأرجحة بين السلم والحرب. وهي الدولة ذات الميزانية العسكرية الاضخم في التاريخ العالمي بالمقارنة مع حجمها وناتجها القومي" ولكن اسرائيل دولة ما زال الاستقلال فيها مسألة تثير الحماسة. وان كل صباح فيها يعتبر الوجود معجزة جديدة ترتبط عاطفيا بالقوة العسكرية..."
ان ذلك الربط المثير بين وجود الدولة, الذي يشكل استمراره معجزة تتكرر ويجب التأكد منها في كل صباح وبين القوة, يقودنا سريعا لا الى الاستخلاصات التي شكلت مدخلا لهذا الكلام, اي ان اسرائيل اسيرة في ايدي "حزب الله" فحسب, بل الى مجموعة واسعة من الشهادات الاسرائيلية التي يضيق المجال عنها, وكلها تشكل ملامح صريحة عن مؤشرات الهزيمة السيكولوجية على الاقل التي الحقتها المقاومة بالجيش الاسرائيلي في الميدان وبالمجتمع الاسرائيلي السياسي والاهلي في الحياة اليومية, وما تحمله من انقسامات متصاعدة.
واقول انه على نار انصارية ومركبا والمروحيات و"بركة جبور" وتمرد ارنون اليوم وغيرها من مئات العمليات يتم طبخ وجبة الهزيمة الاسرائيلية, لا يشكل اي مبالغة او رومانسية, فقبل اكثر من عشرة اعوام استشعر متنورون ليبراليون يهود معالم هذه الهزيمة التي تتخذ الآن شكلا يوميا صارخا يتمثل في وتيرة التآكل الذي يصيب عنصر القوة التي تتلقى الضربات المؤلمة وباتت تتخبط في الحيرة والضياع وهو ما يعكسه الموقف الاسرائيلي من مسألة البقاء في جنوب لبنان.
ثمة هنا ما يعيدنا مثلا الى ناحوم غولدمان الذي قدم قبل عقدين صورة كاريكاتورية لمستقبل القوة الاسرائيلية حيث قال ان اسرائيل تشبه رجلا يمسك عصا غليظة وطويلة في غرفة صغيرة, اما الاعداء فكثيرون (لم يعودوا الآن كذلك) واما الرؤوس فمن الاسفنج, وفي النهاية سيسقط حامل العصا معييا".
150 مليون قنبلة نووية
وثمة هنا ما يعيدنا تكرارا الى البروفسور يهودا انجيل الذي قال: "ان ما يحصل في جنوب لبنان يشكل اختبارا احمق للقوة تقوده اوهام التفوق الذي سرعان ما سيبدو زائفا". وثمة اخيرا, ما يعيدنا الى الكاتبة اليهودية روبرتا شتراوس مؤلقة كتاب "مصير اليهود" التي تقدم سخرية مرة من خلاصة القوة الاسرائيلية الي القنبلة النووية. فهي تقول:
"حسنا لقد تساقط الجلد الالهي عنا فبماذا يمكن ان نخيف الانتحاريين الذين يهاجمون اسرائيل بالقنبلة النووية, لنقل اذاً اننا بحاجة الى 051 مليون قنبلة نووية لقتل 051 مليون عربي... في جنوب لبنان يبدو كل فرد كما لو انه يقاتل الجيش الاسرائيلي كله, ويبدو الجيش الاسرائيلي وكأنه يقاتل فردا واحدا... في جنوب لبنان ارتكبنا السقطة الاستراتيجية, لقد دخلنا الى افران الغاز ولكن برغبة كاملة وحمقاء منا نحن".
قبل عشر سنوات ربما لم يكن هذا الكلام الذي يشكل استشعارا مسبقا بالهزيمة يجد قرائن كافية تدعمه, الآن يتحدث المسؤولون السياسيون والقادة العسكريون في تل ابيب, عن خسارة محققة في جنوب لبنان حيث يرى رئيس جهاز الموساد عميران ليفين مثلا "ان افضل ترتيب امني لجنود الجيش الاسرائيلي هو الانسحاب" وحيث يقول قائد الجبهة الشمالية غابي اشكينازي: "ان الحزام الامني ينتقل يوما بعد يوم ليصبح جزءا من ذخيرة "حزب الله"؟
لندع احد المحللين الاسرائيليين البارزين تسفي بارئيل يقدم في "هآرتس" قبل شهرين الجواب الآتي:
"لقد تطلّب الامر وقتا طويلا وكثيرا من الآلام والخسائر لكي يكتشف الجنرالات عندنا انه لم يعد يجوز الحديث عن هؤلاء "الانتحاريين الشيعة" او "المخربين الذين يهددون المستوطنات الشمالية". والحقيقة اننا ننهمك في مواجهة حرب عصابات تحريرية تخوضها قوة مدربة ومسلحة بشكل جيد (...) والحقيقة الان ان نفهم جميعا انه اذا لم نسارع الى الانسحاب فاننا سنتورط في حرب ابدية في لبنان".
ولندع صحيفة "هآرتس" تساهم عبر افتتاحية لها في الرد ايضا: لم يعد الجيش الاسرائيلي قادرا على تحقيق انتصار حاسم وهو بذلك يخلق لنا مشكلة استراتيجية. لقد ارسلناه بهدف حماية المستوطنات الشمالية ونحن الآن نحار كيف نحميه. لقد حقق "حزب الله" توازنا مثيرا في تسويق القوة عندما بلغ حد الردع المتبادل مع اسرائيل بعدما نجح في خلق وضع غدت فيه المستوطنات الشمالية رهينة... ان ما يحصل هو صراع تكتيكي يترافق مع منازلة تكنولوجية والحديث الآن لم يعد عن "عصابات" ربما لأن يد "حزب الله" هي العليا في مجال العبوات الناسفة. انه المبادر وهو يضرب الجيش الاسرائيلي".
ولندع اخيرا جدعون ليفي يقول صراحة في "هآرتس" (62 كانون الاول 8991): "ان اعضاء حزب الله هم مقاتلون من اجل الحرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى, وهم تعبير اصيل عن التطلع الى دحر اسرائيل في جنوب لبنان".
بصمات في السيكولوجيا
الى اين من هذا؟
الى استنتاجات ومؤشرات كثيرة تؤكد الاثر العميق لبصمات المقاومة في سيكولوجيا الدولة اليهودية واهمها:
- اولا: ان الانتخابات الاسرائيلة المبكرة تدور على محورية كاسحة في الاهتمام الشعبي حيال الهم الامني (3.76 في المئة وفق آخر الاحصاءات - 62 كانون الثاني 9991), مقابل 1,91 في المئة حيال هموم الاقتصاد والتنمية, ويشكل هذا مؤشرا بارزا في خيارات الرأي العام الاسرائيلي وطموحاته... واذا تذكرنا هنا ان الجنوب يشكل محورية اساسية في اتجاهات الرأي العام الاسرائىلي حيال الانتخابات, نفهم المدى الذي للمقاومة في السيكولوجيات الاسرائيلية.
ثانيا: ان سقوط استراتيجيا تسويق الخوف الذي شكلت دائما عنصر الانتصار والتفوق الاسرائيلي على العرب, مهد لقيام ملامح استراتيجيا معاكسة تماما فالخوف الآن من حصة الجيش الاسرائيلي. وفي الوقائع ان جنود لواء النخبة غولاني يضعون خلفية سوداء لشاراتهم العسكرية بدلا من الخلفية الخضراء وذلك حدادا على زملائهم الذين قتلوا في لبنان, ويعتبرون "ان الذهاب الى لبنان رحلة الى الموت, ولهذا يكتبون رسائل وداع مسبقة الى صديقاتهم واهلهم ويضعونها في جيوبهم قبل التوجه الى الجنوب". (يديعوت احرونوت16-10-1998)
وفي الوقائع ان دبابة اسرائيلية تقصف دبابة اخرى اثناء نشاط ميداني عادي بسبب الذعر, كما تقول "معاريف" (12-11-1998), وان جنديا اسرائيليا يدعى اوهاد زخ قُتل بينما اصيب الضابط غاي نسيم برصاص الوحدة الاسرائيلية عينها وقد اخذها الارتباك والذعر في احد منحدرات بلدة الطيبة قبل ثلاثة اشهر.
- ثانيا: ان رئيس الاركان شاؤول موفاز ورئيس جهاز الامن الداخلي "شين بيت" عامي ايالون ورئيس جهاز الاستخبارات عميرام ليفين يجمعون على الدعوة الى الانسحاب من جنوب لبنان في وقت يتمسك نتنياهو وبعض السياسيين بالبقاء... الا يبدو الامر مثيرا فعلا عندما يطالب الجنرالات بالانكفاء؟
- رابعا: ان نسبة المطالبين بالانسحاب من لبنان ارتفعت منذ ايلول الماضي الى بداية هذه السنة من 81 في المئة الى 84 في المئة وفق احصاء نشرته وسائل الاعلام الاسرائيلية في النصف الاول من كانون الثاني الماضي, وان الانقسام يتجذر ويتعمق داخل المجتمع الاسرائيلي الي درجة ان غوفرة مايرسون زوجة الوزير رافائيل ايتان الذي وصف العرب يوما بالصراصير, كانت في مقدم المتظاهرين امام مكتب نتنياهو ودعت الى الخروج من المأزق الاسرائيلي في الجنوب.
فيتنام اسرائيلية
خامسا (وهي النقطة الاهم) ان اسرائيل تتخبط في البحث عن منفذ للخروج من لبنان الذي بات يمثل في الوجدان الاسرائيلي "فيتنام اسرائيلية". يجب ان نتذكر هنا امرين: اولا ان السعي الى الانسحاب من لبنان يتم في وقت تناور اسرائيل بكل الاساليب لكي لا تنسحب ولو قيد انملة رغم اتفاق "واي ريفر" مثلا, وثانيا انها المرة الاولى التي تسعى اسرائيل الى الانسحاب من ارض عربية احتلتها للتخلص من مأزق امني وسياسي واجتماعي... هكذا جعلت المقاومة من الاحتلال الاسرائيلي مأزقا كبيرا.
انها المرة الاولى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي, وهذا يساوي انتصارا سيكولوجيا وميدانيا كاملا.
- سادسا: هل يمكن ان نغمض عيوننا ونتأمل او نعلم مثلا؟ وماذا يمكن ان يحصل لو تعممت حال الجنوب في المنطقة؟
- سابعا: تحية من القلب الى المقاومة في اسبوعها وفي كل صباح وتحية الى شهداء "حزب الله" والى شبابه المناضلين, تحية الى جروح هادي السيد حسن المناضل العائد من معمودية الدم... والكرامة.