حوارات مع دبلوماسيين واعلاميين امريكيين حول الوضع في الجنوب السفير 25-3-1999 ص 2.
ساترفيلد: المقاومة اثبتت جدواها.. لكننا لن نقر بذلك علناً!
تحت هذا العنوان كتب الصحافي ابراهيم الامين في جريدة "السفير" اللبنانية المقال التالي:
هل بات الدبلوماسيون الامريكيون يتلفظون بعبارة "مقاومة" عندما يتحدثون عن الوضع في الجنوب؟
كان هذا الامر مستغرباً في وقت سابق، وكانت المراسلات لا تخلو من عبارات "الارهاب" و"القوى المعادية للسلام" وخلاف ذلك من صفات تطلق على كل من يزعج قوات الاحتلال، ويوم وضعت مسودة "تفاهم نيسان" قبل ثلاثة اعوام، كانت الصيغة المقدمة من لبنان وسوريا تقول بـ"مجموعات المقاومة اللبنانية"، لكن الامريكيين (والاسرائيليين طبعاً) رفضوا ذلك بشدة، مقابل موافقتهم على وصف عناصر ميليشيا لحد بالـ"المتعاونين" مع قوات الاحتلال.
وفي المراسلات الدبلوماسية التي اطلع البعض على جزء منها، لوحظ ان بعض العبارات تشير الى "مقاتلي حزب الله" او الى المجموعات التي تقوم بعمليات عسكرية ضد القوات "الاسرائيلية"، وجرى التخفيف تدريجياً من استخدام العبارات "القاسية"، وفي الحوارات غير الرسمية او غير المسجلة مع دبلوماسيين لبنانيين او سياسيين واعلاميين، لوحظ ان الكلام يجري عن حزب الله، مع استخدام مقنن او عفوي لعبارة "المقاومة".
وبعد ان تراجع الامريكيون علناً، من خلال تصريحات لدبلوماسيين امريكيين في بيروت وغيرها، عن اتهام المقاومة في الجنوب بالارهاب، صار الحديث ياخذ شكلاً واقعياً، ويقول مسؤول لبناني كبير، انه لطالما سمع "تحليلات شديدة الواقعية من جانب الدبلوماسية الامريكية حيال الوضع في الجنوب، لكن كلامهم الرسمي ينتهي دائماً برسائل متكررة، ومفادها، ان الاعمال العسكرية، هي اعمال عنف، وتصدر عن الجانبين، ومطلوب وقفها، مع تشديد في المرحلة الاخيرة، على ضرورة ان تتوقف "العمليات القاتلة" من جانب المقاومة حتى يتم ضمان عدم حصول ردات فعل "اسرائيلية" انتقامية وقاسية".
لكن الجديد الذي توقفت عنده مصادر مسؤولة، برز خلال حوار حصل بين احد السياسيين وبين السفير الامريكي في بيروت ديفيد ساترفيلد، وتناول الوضع في الجنوب، من زاوية التوقعات بالنسبة لعملية السلام، والاجواء السائدة في "اسرائيل" والحديث المتكرر عن اتجاه لتعديل "تفاهم نيسان"، حيث قال ساترفيلد ان بلاده لا تؤيد الحديث عن هذا التعديل المفترض، بل هي ترى ان التفاهم يؤدي دوره ووظيفته، وان المطلوب تعزيزه وتقويته لاجل الاستمرار به حافظاً للهدوء في الجنوب، وهو يقصد ضمناً، عدم حصول عمليات عسكرية كبيرة.
وعندما قيل للسفير الامريكي، ان الاجواء "الاسرائيلية" لا تزال تبحث عن سبل لتعديل التفاهم، اجاب بان "الامر هو خلاف ذلك، لان "اسرائيل" تعاني مأزقاً في لبنان، وهي تحتاج بكل قواها واحزابها الى آلية للخروج من لبنان، والانسحاب منه من دون اضرار اضافية، وواضح، ان ذلك رهن ببعض الخطوات السياسية، ولذلك، لا بد من استئناف المفاوضات مع سوريا ولبنان".
وحول ما اذا كان الحكم في "اسرائيل" جاهزاً للانسحاب فعلاً من لبنان، اعرب السفير الامريكي عن اعتقاده بان "كل القوى في "اسرائيل" تتنافس الآن على رفع شعار الانسحاب، لكن "الاسرائيليين" يقولون ان الامر مرتبط بما بعد الانسحاب، وهم يخشون ان تلحق بهم المقاومة في حال تركوا من دون اتفاق يؤمن لهم حاجاتهم الامنية، ولا يبدو ان لبنان قادر على انجاز ذلك، والامر يرتبط ايضاً بالعلاقة بين لبنان وسوريا".
وقيل للسفير الامريكي ان قادة احزاب "اسرائيل" كانوا يفاخرون سابقاً، بانهم لا يثقون بالاتفاقات والاوراق، وان لديهم جيشاً يتولى مهمة تأمين الامن لكيانهم، فلماذا لا يعملون الآن بهذا الرأي، وينفذون انسحاباً شاملاً من لبنان ويتولى جيشهم القيام بمهامه الامنية خارج الاراضي اللبنانية؟ واضاف السياسي اللبناني للسفير الامريكي: "نحن نشعر بان المقاومة اظهرت جدواها، وهي تقوم بالضغط الكافي لجعل الازمة تنتقل الى داخل "اسرائيل"، وسنواصل دعمها من جانب الحكومة والهيئات الشعبية لاجل استمرارها كعنصر ضاغط حتى تحقيق التحرير والانسحاب، واذا كنتم في الولايات المتحدة تشعرون بان للترابط بين لبنان وسوريا الاثر الكبير في هذا السياق، فلتقم "اسرائيل" بانسحاب شامل من الجولان والجنوب دفعة واحدة".
وعلق السفير الامريكي على هذا الكلام بالقول: "ادراكاً منا، لاهمية الترابط بين المسارين اللبناني والسوري، نحن نعوّل كثيراً على خطة لاستئناف المفاوضات بعد الانتخابات "الاسرائيلية"، لكن الاكيد، هو ان "الاسرائيليين" يريدون تحقيق الانسحاب ويبحثون في الطريقة الافضل والانسب لذلك، ونحن ندرك ان لبنان بات يمثل مشكلة بالنسبة لكل القوى في "اسرائيل"".
فرد السياسي اللبناني: "يعني انك تقر بان المقاومة، اظهرت انها ذات جدوى واننا على حق في تبنيها ودعمها".
فهز السفير الامريكي برأسه وقال: "لا استطيع القول، سوى انك على صواب في ما تقول".
فأجابه السياسي: هل تستطيع ان تدلي بهذا الرأي امام اهل الصحافة؟ فرد ساترفيلد بابتسامة قائلاً: "بالطبع لا".
ولم يكن هذا الحوار يتيماً، بل سبقه لقاء مع اعلاميين امريكيين جاؤوا يناقشون مسألة المقاومة والوضع في الجنوب، ويسألون احد اعضاء الحكومة اللبنانية عن ما سوف تؤول اليه الاوضاع لاحقاً، وعندما احتدم النقاش، اعترف الاعلاميون الامريكيون بان "اسرائيل" بدأت تعاني ازمة بسبب الخسائر الكبيرة والضغوط جراء عمليات حزب الله. وقال الوزير لهم: "الامر بسيط، وعليكم انتم ادراكه قبل غيركم، وما يحصل عندنا شبيه بالوضع في فييتنام، لقد نجح الثوار هناك في جعل ضرباتهم ضد الجيش الامريكي المتفوق عليهم، تحدث ازمة داخل الولايات المتحدة، وحصلت الاحتجاجات الطالبية والعمالية والسياسية وصولاً الى اتخاذ القرار بالجلوس الى طاولة المفاوضات ومن ثم تحقيق الانسحاب، ونحن نفعل الامر ذاته، ومقاومتنا المختلفة بالأداء عن غيرها، نجحت في جعل الازمة الميدانية، ازمة سياسية داخل "اسرائيل"، مع فارق، اننا سنواصل المقاومة حتى تحقيق الانسحاب، ولن نقبل بأي مفاوضات، ولدينا قرار دولي هو القرار 425، وما على "اسرائيل" الا تنفيذه والانسحاب بموجبه الى خلف الحدود الدولية للبنان".
واذا كان الكلام في الغرف المغلقة قد بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً عن السابق، فلا بد ان يترك اثره داخل المنتديات المتخصصة بدراسة الموقف، وسيترك تأثيراً جزئياً حتى ولو لم يلامس بصورة مباشرة دائرة القرار… انه الفعل السحري للمقاومة!