مقاومان في حزب الله عرضا تجربتهما وواقعهما الانساني

الديار 25-2-2000


لا بد من جراءة غير عادية لمواجهة العدو، فانا لم اصدق ان "الاسرائيلي" قد يموت الا في اللحظة التي رايته فيها يقع امامي مهزوما قتيلا. عمليات المقاومة ليست موضوعا مجانيا، انها معاناة للامرين وحكايات طوال من العذاب، انها حرب شرسة تقدم فيه الاجساد اشلاء فداء للوطن.

شهادة تختصر تجارب يومية يعيشها المقاومون في كل لحظة من حياتهم الجهادية تلك الرحلة الغامضة التي يمضي اليها المقاوم والتي لا يعرف دقائقها سوى القليلين من الاخوة بعض الرفاق والرؤساء العسكريين…انه عالم من نوع اخر قد لا يخطر على بال الكثير من الناس، فهو مغاير في كل شيء، في التفاصيل اليومية، نمط الحياة، المصطلحات والتعابير المستخدمة، في المشاعر الاحاسيس وحتى في النظرة الى الغد القادم.

وامام كل هذه "العلاقات الفارقة" ترى نفسك امام شخص ارتأى لنفسه حياة مختلفة، واختار قرار الاستشهاد وهو يعلم تمام اليقين ان الموت يترصد له في كل لحظة من "المهمة" التي اوكلت اليه، وانه في كل مرة يودع فيها عائلته يحسب للموت حسابا لان العودة قد تكون داخل نعش.

ولذلك فان المشاركة في الحوار والوقوف لدى بعض التفاصيل غير الاعتيادية ومعايشة المشاعر المختلفة التي تراود هؤلاء، تساعد على "تشريح" حياة المقاوم من كل جوانبها وتظهر شفافية تعاطيهم مع مجتمعهم.

"فابو صالح " وهو الاسم الذي رغب باطلاقه على نفسه، حاول تظهير تجارب المقاومين ونقلها الى صورة حية تعكسها بعض الافكار والحكايات ليعيشها المستمع بكل دقائقها، فسرد مجموعة تجارب " لم تحك سابقا في الصحف" على حد قوله. في حين تولى رفيقه " ابوهادي" توثيق بعض المعلومات التاريخية حول المنطقة المحتلة في الشريط الحدودي ، فضلا عن عتاد وعتيد قوة الجيش "الاسرائيلي" التي تحتل المنطقة. اللقاء والحديث مع هكذا اشخاص له " رهبته" و" قدسيته".

 

في اطار اسبوع المقاومة نظمت الهيئات النسائية في حزب الله حوارا مفتوحا مع مقاومين حول تجربتهما حضره حشد من النساء في قاعة ثانوية البتول.

بعد النشيد الوطني ونشيد حزب الله وتلاوة آيات من القرآن، القت مسؤولة الهيئات النسائية لمنطقة بيروت ريما فخري كلمة ركزت فيها على دور المقاومة والهدف من تنظيم اللقاء.

كما عرضت لنشاطات الهيئات التي تعنى بالشان الاجتماعي للمرأة والاسرة عبر رعاية عوائل الشهداء والاسرى والجرحى والاسيرات المحررات، فضلا عن رصد المشاكل البيئية والصحية والسعي لحلها والعمل على ترشيد المرأة على الصعد كافة.

ولفتت فخري الى ان الهيئات النسائية تعمل على نشر المنهج الثقافي المقاوم من خلال تنظيم الانشطة ، المحاضرات، الندوات، الدورات والبرامج الثقافية.

تلا ذلك عرض شريط وثائقي لاعتداءات "اسرائيلية" على الجنوب ولعمليات نفذتها المقاومة الاسلامية لاسيما في موقعي سجد وحداثا.

 

شهادة مقاوم

ثم تولى احد المقاومين "ابومهدي" الذي وصل الى المكان وهو يرتدي " بذته المرقطة" شرح بعض التفاصيل العملانية مـــن تواريخ  لنشاطات عسكرية"اسرائيلية" وحجم قوته العسكرية التي تحتل الجنوب".

وقال : " في 11 آذار 1978 قامت قوة فدائية كانت موجودة في الجنوب باعتقال حافلة "اسرائيلية" تضم نحو 115 يهوديا وطالبت لاطلاق سراحهم، بالافراج عن بعض الاسرى الفلسطينيين. فما كان على القيادة "الاسرائيلية" الا رفض الامر واقتحام الحافلة بعد اشتباك مع الخاطفين، فسقط الفدائيون قتلى والاسرى جرحى. على اثر هذه العملية توغلت "اسرائيل" بواسطة 20 الف جندي "اسرائيلي" باتجاه المناطق المحررة ودخلت الى ما يعادل نسبة 10% من مجمل مساحة الاراضي اللبنانية واطلقت على العملية اسم " عملية الليطاني" وقد سقط على اثرها آلاف الشهداء اللبنانيين وتكبدت "اسرائيل" خسائر جمة الا انها لم تعترف سوى بمقتل 17 جندي و 110 جرحى. وكان ذلك في 14 آذار 1978 ثم صدر القرار 425 في 19 آذار من العام نفسه. وفي العام 1982 وعلى اثر مقتل السفير "الاسرائيلي" في بريطانيا، دخلت "اسرائيل" العاصمة بيروت واوقعت نحو 19 الف قتيل لبناني و 135 الف جريح، في حين هي اعترفت بسقوط نحو 350 قتيلا اسرائيليا ونحو 600 جريح، اما الصحف فقد تحدثت فيما بعد عن سقوط نحو 600 قتيل "اسرائيلي" و 1500 جريح".

وهنا اشار الى ان عمليات المقاومة لدى حزب الله بدأت في هذه الفترة من الاحتلال.

اما بالنسبة للشريط الحدودي، فيقول "ابوهادي" انه يتوزع عسكريا الى 7 مناطق احتلال انحسرت الى ستة مناطق بعد انسحاب ميليشيا لحد من منطقة جزين. فيما تتولى ثلاث فرق عسكرية "اسرائيلية" تغطية " المنطقة الشمالية" وقد بدأت مسيرة الاحتلال في الجنوب بنحو 300 جندي "اسرائيلي" اما اليوم فتتم بنحو 700 جندي يتوزعون على الشريط الحدودي، كل ذلك الى جانب ما يطلق عليه اسم " فرقة الجليل" المكلفة بحماية المنطقة الحدودية فقط.

ويضيف : " ويقع تحت انظار " فرقة لبنان" "الاسرائيلية" ميليشيا لحد المؤلفة من لواءين، الشرقي والغربي، الى جانب الفوج 20 الذي كان يتواجد في منطقة جزين قبل تحررها والذي كان يتمتع بنوع من الاستقلالية بسبب غياب الحضور العسكري "الاسرائيلي" في المنطقة ولذا استطاعت المقاومة ان تضرب الفوج بقوة.

ويتواجد اللواء الشرقي في كل من : منطقة الريحان حيث يتمركز الفوج 10 ويرأسه الياس نصر من بلدة العيشية، ومنطقة حاصبيا والتي تشكل مركز قيادة الفوج 30 ويرأسه نديم ابورافع، ومنطقة مرجعيون حيث يتمركز الفوج 90 ومركز قيادته في الدمشقية ويضم مجموعة من المواقع (السويداء، علي الطاهر وغيرها) اما مركز قيادة اللواء الشرقي فهي في مرجعيون.

اما اللواء الغربي الذي كان يترأسه عقل هاشم فهو يضم كل من الافواج: 70 (القيادة في مركبا)، 80 (القيادة في الجاموسة) و 81 (القيادة في الحردون) وهو يعتبر من اهم الالوية بسبب طبيعة جغرافية الارض التي يتولاها من تلال وتضاريس صعبة فضلا عن المواقع الحدودية المتواجدة.

واشار الى ان عدد سكان الشريط الحدودي يبلغ نحو 400 الف نسمة في حين يتردد اليه نحو 150 الف شخص، ويضم نحو 150 قرية ومزرعة. اما بالنسبة للجيش "الاسرائيلي" فان مركز قيادة المنطقة الشمالية في حيفا، اما مركز " قيادة لبنان" فهي في المطلة وتضم " فرقة لبنان" مجموعة من الكتائب والالوية من لواء غولاني، الغفعاتي، الايكوز وكلها تخضع لتدريبات في مدارس خاصة تعلم فن القتال.

بعدها عرض رفيقه " ابوصالح " لمجموعة من التجارب التي خاضها هو وعدد من المقاومين خلال مسيرته النضالية فاشار الى ان بدايات العمل المقاوم لا تشبه عمل اليوم وكانت تقتصر على بعض العمليات من السيارات والتي اغلبها كانت تواجه بالفشل وقال " اربع مرات زرعنا احدى العبوات ولم تنفجر… والرشاشات كانت تتعطل، وكان واضحا ان الخلل هو غياب الخبرة العملية، لا بد من جرأة غير عادية لمواجهة العدو، فانا لم اصدق في بداياتي ان "الاسرائيلي" قد يموت الا حين رايته فيها يقع امامي مهزوما قتيلا، وذلك بسبب الحكايات التي كانت تطلق حول جيش الاسطورة الذي لا يقهر، كما ان مواقع الثمانينات العسكرية لا تشبه مواقع الالفين، وكانت عبارة عن تلال ودشم واسلاك وبعض الالغام. اما اليوم فهي تتكون من ساتر ترابي يقف على تلة ويخفي كل شيء تحته، مسقوف بالباطون المسلح تصل سماكته الى حدود المترين، فضلا عن الدهاليز والانفاق التي تتمتع بنفس المواصفات والمتصلة بعضها ببعض والتي تستطيع حتى الدبابات ان تدخلها الى جانب الرادارات الحديثة التي تستطيع عن بعد 13 كلم ان تشخص الرؤيا والمنظار الذي يستطيع ان يوضح الرؤيا عن بعد 25 كلم.

كما تحدث عن الاجراءات الميدانية التي تحصل يوميا بين المقاومة وقوات الاحتلال، حيث يعتبر انهم يعيشون في هذه الفترة حرب الاجراءات المضادة.

اما بالنسبة للمصطلحات التي يستعملها العدو لوصف حربه في لبنان فهي : اللعنة، فيتنام الصغيرة، الارض المشؤومة… ويقولون عنها انها "حرب ادمغة تكنولوجية متزايدة الحدة" ويعتبرون ان حزب الله يقوم بالتنصت على اجهزتهم الخلوية فمنعوا ضباطهم من حملها. كما يقول احد الضباط "الاسرائيليين": لقد ولى الزمان الذي كنا نعتز فيه بالزي العسكري، نحن نخوض حربا في لبنان دون هدف وتنهش فينا كالسرطان.

كما يرون ان الانسحاب الاحادي من الجنوب سيفسر لدى الدول العربية بان الجيش الكبير يفر امام قوة صغيرة مؤلفة من 300 "رجل عصابات" ويعتبرون ان غرز العلم من قبل المقاومين بعد انسحاب الجيش "الاسرائيلي" من الدشم يعادل مقتل 1000 جندي "اسرائيلي".

ولفت الى انه لا توازن بين اسلحة الفريقين، اذ يعتبر ان اسلحة المقاومة هي بنظر كل جيوش العالم قديمة الصنع على خلاف اسلحة العدو المتطورة، الا ان الفرق يكمن في العبوات التي يزرعها المقاومون.

وتناول "ابو صالح" مسالة لواء ايكوز ومعناه الوحدة الاسطورية والذي طالبت "اسرائيل" باحيائه لمواجهة المقاومة على اعتبار انه من اشرس الوحدات وافعلها الا ان تجربته في لبنان، بحسب المقاوم، اثبتت فشله.

كما عرض لبعض تجارب المقاومين على المستوى الانساني، منها على سبيل المثال استشهاد العديد منهم قبل فترات قليلة من موعد زواجهم الذي يكون محددا. ويقول: ان اولادي "زنخين" يسألونني في كل مرة هل ستعود ؟ فماذا ارد عليهم؟ هل اكذب واقول نعم وانا لا اعرف ؟

فهم يطرحون السؤال الذي يطرحه كل ولد علي ابيه ولكن اغلبية الاهل يعرفون الجواب اما انا فلا اعرفه، فانا لا اتحمل رؤية ام تبكي شهيدها لانني اتخيل صورة والدتي مكانها. اما هادي فقد غادر منزله في اليوم الذي كانت فيه زوجته تتحضر لانجاب طفلها، وبقي طوال فترة غيابه يعد ايام عمر مولوده حسين ويقول صار عمر حسين يوما، يومين، ثلاثة، دون ان يراه.

وقد تكون حال الجرحى هي الاكثر تاثيرا انها حالة المقاوم حسين الذي فقد رجليه ويديه ولم يبق منها سوى اصبعين، كما فقد بصره وحاسة الشم والذوق.

وقال " ابوصالح" العمليات ليست موضوعا مجانيا، انها معاناة للامرين، حكايات من العذاب وحرب شرسة تقدم فيها الاجساد اشلاء فداء للوطن.