كلمة الشعب الأردني

ليث شبيلات


الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى اخيه كلمة الله سيدنا المسيح بن مريم العذراء الطاهرة البتول وعلى اخوانهما الانبياء والمرسلين وعلى آل كل وصحب كل أجمعين وبعد.

بقلب متأثر بشرف مخاطبة جمعكم الكريم في هذا الاحتفال المهيب وبهذه المناسبة الجليلة وفي هذا التوقيت المتطابق مع اعياد الفصح المجيدة ابثكم أطيب التحيات والسلام من اخوانكم في الاردن بخاصة، معبرا وفي الوطن العربي والامة الاسلامية بعامة. ولا استطع ان امنع نفسي في مطلع كلمتي من اشرك جميعكم الكريم في سماع جملتين تصفان في رأيي الحالة اللبنانية، سبق وان خاطبت بهما جمعا كريما ممثلا لجميع اللبنانيين قبل عامين، اذ قلت:

"واترك لنفسي العنان لتنطلق في تذوق المعاني والعبر من وجودي في هذا القطر العربي العريق، الصغير حجمه الكبير دوره فلئن كان الانسان باصغريه قلبه ولسانه فان الامة العربية جمعت اصغريها في لبنان، ولولا اهمية لبنان وقيمته الهامة الفاعلة المحركة في امته لما تعرض على مدى تاريخه المعاصر المرة تلو الاخرى لمؤامرات الهدم واشعال الفتن.

فهذه المنارة التي خدمت الثقافة العربية ولغتها وآدابها اجل الخدمات ودافعت عن اللغة وعاء الشخصية العربية وفكرها من مؤامرات تفكيك حروفها المكتوبة ودعوات العامية وغيرها قد استحقت بجدارة حقد اعداء الأمة الذين لا ينالون منها نيلا فعالا الا بتدمير ثقافتها وادبها وعلومها وخط دفاعها الاول في ذلك: لبنانها، وينجو لبنان بفضل الله المرة تلو الاخرى من محاولات تشويه صورته التاريخية وشخصيته الحضارية قصد ايجاد مرجعية مزورة تسلخه عن بيئة امته. وتبرز بعد كل ازمة الاصالة اللبنانية محطمة الشخصية المصطنعة التي ارادها المستعمرون للبنان وللكيانات العربية المتفرقة.

ولئن ساحت روحي في عمق تاريخ هذه البقعة الجغرافية من امتنا معجبة بصمود ابنائها، فان روحي لتنساب الساعة افقيا بين جمعكم الكريم لتتذوق ما يمثله هذا الجمع الفاضل الذي لا يضفي عليه التنوع الا وحدة وقوة وعزما وما تمثلون بقيمكم الاجتماعية من اصالة لبنان العربي المتقدم بكل مقومات القيادة الفكرية والثقافية المترعرعة في اجواء الحريات التي نرجو لها ان تسلم لكم ولنا. فلولا قيمة الحرية لما كان هذه الصمود العنيد الرائع، فكم من قطر اكبر حجما واكثر عددا واغنى ثروة ولكن اقل حرية تهاوت مقاومته امام الزحف الصهيوني في الوقت الذي انتصر فيه اصغر الامة، لبنانه، على المارينز وعلى الغزو الصهيوني واسقط اتفاقية ايار".

واستطيع اليوم ان اضيف بثقة واعتزاز ان حصاد السنتين الماضيتين يكاد يفوق ما سبقه. فلقد احيت المقاومة لبنان في الوقت الذي امات فيه الاستسلام دولا عربية أخرى. ووحدت المقاومة لبنان الذي راهن الاستعمار والصهيونية على تنوعه ليكون نموذج الفرقة والتشرذم في مشروع تقسيم الوطن العربي الى كانتونات طائفية، في الوقت الذي امات الاستسلام دولا عربية أخرى اقل تنوعا دينيا واجتماعيا لان حكوماتها لم تتجانس مع شعوبها في ارادة المقاومة.

ولقد طهرت المقاومة وارادتها الصلبة جيش لبنان الباسل الذي فكر البعض بالصلاة عليه بعد محاولات شرذمته وتقسيمه وانشقاق شرذمة عميلة عنه، فاذا بها تهدي الامة العربية جيشا باسلا طاهر العقيدة القتالية لا يعرف سوى الصهيونية عدوا له في الوقت الذي بدأت تتلاعب فيه قيادات سياسية وعسكرية في العقيدة القتالية لجيوش عربية باسلة أخرى قصد تحويلها الى قوى اقليمية للانتشار السريع لحفظ الامن في المنطقة خدمة للمشروع الصهيوني والحلف الاطلسي.

لقد اسقطت القيادات الحكيمة للمقاومة الحزبية منها والشعبية والرسمية، تلك منها الفدائية الاستشهادية المختصة بحرب العصابات وتلك المختصة بالحرب النظامية والاخرى بالقيادة السياسية للبنان، الاطروحة القائلة بوطنية فئة دون الاخريات عندما نهضت كل فئة كما يفترض عليها فقدمت انبل ما لديها من نماذج قيادية شرف ابناء الوطن كافة بالالتفاف كما يفترض عليها فقدمت انبل ما لديها من نماذج قيادية شرف ابناء الوطن كافة بالالتفاف حولهم بدلا من استسلام كل فئة الى انحطاط قيادات امراء الحرب الطائفيين المفترقين ظاهرا الى طوائف والموحدين حقيقة على هدف نهب خيرات البلاد لفائدة اوطان لا تتجاوز حدودها الاقليمية حدود جيوبهم وعلى تعظيم معبود واحد قابع في الهيكل الذي طرده منه السيد المسيح بن مريم عليه افضل الصلوات واتم التسليم.

لقد ادركت الاحزاب اللبنانية ان كل حزب لا يرى فيه جميع أبناء الوطن مصلحة انما هو مشروع حرب اهلية. وان الغاء الاخر يفضي بالضرورة الى موت المجموع. وان الذي يصادر الحق الى ذاته حلولي اتحادي مهما ادعى التنزيه والتوحيد، وان مثل هذا الفكر العدواني على الامة والانسانية لا يحد فيه الاله والا يتوحد عليه مجتمع. فالحقيقة انه لا يوحد الاله، الذي هو رب العالمين كلهم وليس ربا للمسلمين او للمسيحيين فحسب وليس رب "اسرائيل" من دون غيرهم، الا من دله فكره على ما يوحد به المجتمع على تنويعاته وبمختلف درجات ايمانه.

ان سبب خلاف المؤمنين بالله الواحد مع غيرهم عند اولي الالباب يحركه الدفاع عن الاجتماع الانساني واشاعة الامن والسلم الاهلي ونبذ الحرابة، فموحد الله ربا للناس والعالمين جميعا مقر بالضرورة بحقوق الانسان الطبيعية الاساسية ومنكره او مختزله لصالح قوم قد اعلن بالضرورة الحرب على باقي البشر.

لقد غزا الغاصب الصهيوني لبنان بعد ان دوخ امراء الحرب البلاد والعباد بحرب اهلية ما كانت لتكون لو حرض اللبنانيون على كتابة تاريخهم المعاصر باهتمام كبير وباقلام مخلصة ولو اقرؤوه لابنائهم قراءة وطنية مركزة، فقد عاصرت حربين اهليتين رأيت اللبنانيين يعودون بعدها الى رشدهم والى حقيقة ان لا غنى لفئة منهم عن الآخرين وان ننبذ الشرق ومحاولة الانتماء الى غرب يعتبر باستعلاء عنصري ان جميع الشرقيين مسلمين بمفهوم الاستشراق العدواني ضرب من السفاهة المفضية الى اتلاف النفس والمال اضافة الى الهوية. ان هذا النصر العظيم الذي حققه المجتمع اللبناني على مؤامرات تفتيته هو ببركة المقاومة فالمغارم تفرض سباقا بين النبلاء والابطال اصحاب الهمم العلية من كل الفئات وتظهر الصفوف من الطفيليين اما المغانم فلا يتسابق اليها ولا يحترب عليها الا الذي انحطت هممهم الى اسفل سافلين.

هذه الآيات في المجتمع كما تشهدون في اجتماعكم هذا: مجتمع واحد في خدمة وطن واحد قد وحد الجميع عدوهم فيه وعرفوا اهل الوداد منهم فانقلب لبنان بكم من لغم يفجر المنطقة الى كانتونات متباغضة متعادية لتبرر وجود الكيان العنصري الغازي الى اجمل لوحة فنية موزائيكية تقود بجمالها فكر الامة وفنونها وتقود بنموذجها جهود مهمة تحطيم مشروع شرذمة الامة وتفتيتها.

فهنيئا للبنان كتائبه الشعبية المجاهدة في الجنوب وجيشه العربي الصامد الباسل والتفافه حول قيادة دولته وحكومته في الشأن الوطني العام رادا المعارضة السياسية الى حجمها الطبيعي في الديموقراطيات اختلاف محمود في الفروع وليس صراعا حول الاصول التي تقوم عليها الدولة والمجتمع. وفوق ذلك كله هنيئا للبنان بشعبه وحركاته الشعبية وزينتها الحركة الطلابية الذين اثبتوا للاعداء عمليا ما سمعته يوما من سماحة السيد حسن نصر الله: "اذا اراد العدو اجتثاث المقاومة فانه يحتاج الى القضاء على آخر لبناني". وتحية اجلال الى كل المجاهدين بالسلاح والموقف والكلمة ورفض الاستسلام الذي يعتبرون انجازاتهم انجازات لبنانية عربية موحدة للصف وليس انجازات فئوية تصب في صالح الخصوم وكل عام وانتم جميعا بخير.