انسحاب ميليشيات لحد من جزين : بداية العد العكسي للاحتلال؟

بيروت -"الوسط"


في مطلع حزيران (يونيو) اجتمع رئيس وزراء "اسرائيل" المنتخب أيهود باراك مع رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو لبدء اجراءات التسلم والتسليم. وفي اليوم نفسه كانت ميليشيات "جيش لبنان الجنوبي" تبدأ انسحابا واسعا من منطقة جزين المحاذية للشريط الحدودي المحتل.

واحاطت اجواء حربية بهذه التطورات. فبدا واضحا ان حزب الله وسع دائرة القصف من اجل ان يظهر قوات لحد بصفتها قوات مندحرة لا منسحبة بملء اختيارها. وكثف الطيران "الاسرائيلي" من طلعاته مخترقا اجواء العاصمة اللبنانية قبل ان يدعو نتانياهو الى اجتماع لمسؤولي الاجهزة الامنية ثم الى لقاء مع عدد من اعضاء "مجلس الوزراء المصغر".

لقد اتخذ لحد قرار الانسحاب قبل ايام، وقال في شرحه ان قواته تتعرض لخسائر كثيرة مما يجعل الامور "تأخذ منحى ينذر باخطار داهمه". وفي تأرجح الوضع بين احتمال انفجار واسع وبين استكمال الجلاء بدا واضحا في ان قضية الاحتلال "الاسرائيلي" لشطر من لبنان دخلت في منعطف جديد. هل هذه بداية النهاية لمرحلة استمرت، عمليا، منذ 1967 واقامة الجدار الطيب"  وهل ل"سابقة" جزين ما بعدها؟

لقد كان مصير هذه البلدة الجبلية مطروحا منذ سنوات بعدما قرر "الاسرائيليون" في مرحلة انسحاباتهم اواسط الثمانينات استثناءها وضمها بصورة غير مباشرة الى "الشريط الامني". خرجوا منها واوكلوا امر الاشراف عليها الى الميليشيات المتعاملة معهم. ولكن، بعد مؤتمر مدريد وفي اثناء رئاسة اسحق رابين للحكومة، ثم بنيامين نتانياهو، جرى الحديث، باستمرار، عن مشروع انسحاب اطلق عليه "جزين اولا"، تيمنا بـ"غزة او واريحا اولا". وكان هذا المشروع يقضي، من وجهة نظر "اسرائيلية"، بخروج الميليشيات، وتحويل جزين الى منطقة اختبار، ودخول الجيش اللبناني اليها، وتكفله الامن فيها، وتعطيله عمل المقاومة، تمهيدا للدخول في مفاوضات حول ترتيبات امنية وسياسية اولا، ثم امنية فقط، تضمن خروج قوات الاحتلال من الجنوب وفصل المسار اللبناني عن المسار السوري.

ولكن بيروت ودمشق كانتا تسارعان الى رفض هذه الفكرة، واستمر الامر على حاله حتى بعدما اعلنت تل ابيب موافقتها المشروطة على القرار رقم 425. ولذلك ما ان اعلن قائد الميليشيات الجنوبية قراره حتى طرح الجميع السؤال: هل نحن امام صيغة جديدة لـ"جزين اولا"؟

يجدر القول ان لحد اتخذ قراره في ظل تضافر عاملين:

الاول: فشله امنيا وسياسيا في جزين. فالشهور الاخيرة شهدت سلسلة من الضربات تعرضت لها قواته وقادة اجهزته الاستخباراتية. وعلى رغم الاجراءات الوقائية التي اتخذها فانه لم ينجح في منع  عناصره من الوقع في الكمائن الامر الذي استمر الى يوم البدء في الانسحاب. وكذلك لاقى لحد صدا من اهالي البلدة المتبقين فيها والذين حاولوا وسعهم منع ابنائهم من الالتحاق بقواته وصمدوا، سياسيا، و عند مطلب عودة الشرعية والسيادة اللبنانية. وكذلك فان الحكومات المتعاقبة رفضت اي تفاوض مع "اسرائيل" حول جزين مكتفية بترداد الشعار الذي اصبح لازمة: من اراد الانسحاب فلينسحب.

الثاني: التحول الذي شهدته "اسرائيل" في الانتخابات الاخيرة. وهو في ما يخص لبنان، غير مرتبط بوصول باراك وسقطوا نتانياهو بل بتبلور ما يشبه الاجماع "عند المرشحين وعند المؤسستين العسكرية والسياسية على ان الخروج الشامل من لبنان يجب ان يكون مدرجا في رأس الأولويات. ولقد كان باراك، بالطبع، الاكثر تشديدا على انه سينسحب من لبنان في خلال عام من وصوله الى السلطة وذلك في سياق تقدم في المفاوضات مع سورية، ولقد كان ملحوظا ان الجملة الاولى التي تفوه بها بعد اعلان فوزه، وفي الخطاب الشعبي الاول له، ان هذه الجملة كانت تكرار التعهد بالخروج من لبنان. ولقد تلا ذلك تسريب خطط  تفصيلية منسوبة الى محيط باراك للصحف "الاسرائيلية" تتحدث عن خطة تفصيلية ومبرمجة للانسحاب من لبنان دون ان يكون ذلك موجها ضد سورية.

لقد حاول "الاسرائيليون" القول بان لحد هو الذي اتخذ القرار وانه يملك، في هذا المجال، ان يقرر باستقلالية تامة. ولكن الواضح ان وضعه في جو مؤداه ان العد العكسي ربما يكون بدا وانهم، بالتأكيد، لن يتدخلوا لترميم مواقعه المنهارة في جزين وحولها، وان خير ما يفعله هو "اللجوء" اليهم لكي يمحوه بدلا من ان يكون هو حاميهم حسب الدور الموكل اليه.

ومع ذلك فقد بقي شبح "حزين اولا" مخيما. ولذلك فان الحكومة اللبنانية "ومعها سورية  تصرفت بتشدد على طريقة من يريد التأكيد بأنها في غير هذا الوارد تماما. فهي ردت على المطالب "الاسرائيلية" السابقة نقطة بنقطة. ورفضت ارسال الجيش الى جزين، ورفضت تقديم ضمانات بان المنطقة لن تكون منطلقا لعمليات المقاومة. ورفضت اصدار عفو شامل عن كل المقاتلين في صفوف الميليشيات من انتظروا لحظة الانسحاب من اجل ان يقرروا اعلان الولاء للشرعية. والمعروف في بيروت ان الولايات المتحدة عبر سفيرها ديفيد ساترفيلد، مارست ضغوطا على الحكومة اللبنانية من اجل ان تنتزع منها ولو "جائزة ترضية" "لاسرائيل" والميليشيات ولكن هذه الضغوط لم تثمر وتراجعت الاصوات التي ارتفعت تؤيدها.

غير ان رفض الالتزام بضمانات شيء ورفض التعاطي بحذر مع ما يجري شيء اخر. والواضح ان الحكومة اللبنانية تريد الجمع بين امرين: عودة الشرعية الى جزين وحماية اهلها الباقين وتشجيع الآخرين على استئناف حياتهم الطبيعية فيها، والتمنع عن الظهور بمظهر من يلبي مطالب وشروطا "اسرائيلية".

ان القدرة على السير على هذا الحد الفاصل مرهونة طبعا بطبيعة التفاوض والتوجه الذي سيعتمده باراك بعد تشكيل حكومته. فاذا كان ينوي التفاوض جديا على المسارين السوري واللبناني يمكن القول ان جزين ستتحول الى سابقة. اما اذا كان ينوي الحصول على اثمان فادحة في مقابل انسحاب لحدي جزئي فان احتمالات التدهور مفتوحة لا بل واردة جدا.