جزين.. أول الغيث

الشرق الأوسط، 4/6/1999


إذا كانت ثمة مفاجأة في عملية انسحاب ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" من جزين فقد تكون في تأخرها حتى الآن، وهو تأخر لم تكن حسابات حزب الليكود الانتخابية بعيدة عنه.

بعد 17 عاما من احتلال قوى "الأمر الواقع" لمنطقة جزين جاء انسحابها القسري تأكيدا متأخرا على انتصار منطق المقاومة الشعبية والرسمية على منطق الاحتلال مهما طال أمده وتنوعت أساليبه.

في جزين سقطت اكثر من نظرية "إسرائيلية" واحدة وفي مقدمتها نظرية "الحزام الأمني" الذي تحول، باطراد، إلى مأزق أمني لقوات الاحتلال مثبتا أن الأمن الحقيقي لا يؤخذ عنوة، وعلى حساب أمن الآخرين، بل يحقق بالتفاهم وبمراعاة متبادلة لأمن جانبي الحدود معا.

ومع فشل مفهم الحزام الأمني سقطت أيضا نظرية الاستعانة بعناصر العمالة المحلية "كأكياس رمل بشرية" لحماية قوى الاحتلال. وغير خاف أن تكاثر حالات الفرار من صفوف ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" خلال السنتين الأخيرتين وتقلص ثقة القيادة العسكرية "الإسرائيلية" بولاء عناصر هذه الميليشيا القيا على المحتل مسؤولية تحمل أعباء الاحتلال كاملة في وقت ينؤ فيه بتحمل تبعاتها، العسكرية في جنوب لبنان، والسياسية في "إسرائيل" نفسها.

على هذا الصعيد تحقق النصر الأساسي للمقاومة، ففي عزلها ميليشيا الاحتلال عن الشعب المحتل والقوة المحتلة معها، قلبت معادلة العلاقة العضوية بينها وبين "الإسرائيليين" فتحولت ميليشيا "الجنوبي" من قوة حامية للاحتلال "الإسرائيلي" إلى قوة محمية منه، الأمر الذي سرع بتفككها وانهيارها.

بالنسبة لبلد تحمل اكثر من طاقته في مواجهة سياسة "إسرائيل" التوسعية يسجل للبنان الرسمي والشعبي انتصاره في جزين كما تسجل له مقاربته الواقعية لهذا النصر الأولى.

ورغم أن القيادة العسكرية "الإسرائيلية" وضعت الانسحاب من جزين في إطار القرار "الميليشياوي" أولا فان موافقة القيادة السياسية عليه توحي بأنه قد يكون بداية تحول في المفهوم "الإسرائيلي" أيضا لـ"مكاسب" الاحتلال، في ضوء التجربة الفاشلة في جنوب لبنان.