خيارات ما بعد جزين على مستوى قيادة الميليشيا
عقل هاشم يلمع صورته كبديل من الصورة المهزوزة للحد
السفير 5/6/1999
فتحت التسريبات "الاسرائيلية" حول استقالة انطوان لحد من قيادة الميليشيا المتعاملة مع الاحتلال وموجة التعليقات "الاسرائيلية" حول "الانسحاب المذل" من جزين، الباب امام احتمال اقدام "الاسرائيليين" على استبدال لحد وترافق ذلك من اشارات ارسلها ابرز المرشحين لخلافته، قائد "اللواء الغربي" عقل هاشم، حول قدرته على استيعاب التأثيرات السلبية لخطوة الانسحاب من جزين و"تبرع" عدد من انصاره في التجوال في قرى القاطعين الاوسط والغربي سعيا وراء عرائض تناشد "الاسرائيليين" تنصيب هاشم مكان لحد.
عندما بدأ عناصر الميليشيا المتعاملة مع "اسرائيل" بأعمال المرحلة الثانية والاخيرة من انسحابهم من منطقة جزين كانوا واثقين بان مرحلة جديدة من حياتهم قد بدأت، عنوانها القلق والخوف من الحاضر والاتي مستقبلا. فالانسحاب بالطريقة التي حصل فيها، جعل الميليشيا المتعاملة مع "اسرائيل" "دمية كرتونية"، يستطيع الراغبون باذلالها ان يجعلوها تفضل حرق عشرات الآليات العسكرية وكميات كبيرة من الاسلحة والذخائر بدلا من ان تفكر باخراجها في المعابر المزروعة بالموت من جزين حتى كفرحونة وذلك طبعا بفرصة حياة جديدة ولو استلزم الانتقال اليها شيئا من الاذلال عبرت عنه الوجوه الكئيبة والواجمة في حطة الرحيل.
واذا كان هامش المبادرة بالنسبة للميليشيا اللحدية في منطقة جزين اوسع بالمقارنة مع باقي المناطق الخاضعة للاحتلال، فهذا يعني ان عناصر الميليشيا باتوا في مرحلة ما بعد "مثلث كفرحونة" خارج الحسابات السياسية الداخلية من جهة وفي حكم الراضخين بالكامل للحسابات "الاسرائيلية" من جهة ثانية.
وليس خافيا ان المقاومة تمكنت خلال الاشهر الخمسة الاولى من العام الحالي من توجيه ضربات كبيرة لميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" المتعاملة مع "اسرائيل"، يعبر عنها انتهاء هذا الجسم في منطقة جزين بمجرد اتخاذ العناصر الـ203 قرارهم بتسليم انفسهم للدولة اللبنانية وقرار آخرين من قبلهم فضلا عن اسر وقتل وجرح نحو مئة آخرين خلال السنوات الخمس الاخيرة، ثلثهم على الاقل من ابناء جزين.
واذا اخذنا حالات الفرار والاستقالة والاعتقال في "كتيبة حاصبيا" اثر "الحرم الديني" الذي اعلنه مشايخ خلوات البياضة الدروز وفي شبعا، فان "الجنوبي" على عتبة الدخول في مرحلة جديدة من الانكفاء يعكسها تراجع عدد عناصره الى ما دون عتبة الالفين وذلك للمرة الاولى منذ العام 1984 تاريخ استلام انطوان لحد زمام القيادة خلفا لسعد حداد واندفاع الكلام "الاسرائيلي" القائل بانسحاب كامل من لبنان خلال سنة بعد فوز زعيم حزب "العمل" ايهود باراك في الانتخابات "الاسرائيلية" ومن دون اغفال الحرب النفسية والاعلامية التي يشنها حزب الله ضد الميليشيا التي تترك بصماتها عليهم كما حصل في اعقاب اقتحام موقع بيت ياحون والاستيلاء على ملالة فيه. اذ رفض عناصر الموقع من بلدتي بنت جبيل وعيناتا الخدمة مجددا في الموقع المذكور مما اضطر قيادة "اللواء الغربي" الى التخلي النهائي عنه لمصلحة البقاء في موقع بيت ياحون الجديد والمعبر القريب منه والاستعانة بعناصر العملاء من بلدات أخرى ولا سيما عيترون.
وفي هذا السياق، جاء تسريب خبر استقالة انطوان لحد من قيادة "الجنوبي" عبر "القناة الثانية" في التلفزيون "الاسرائيلي" وعلى لسان "مصادر عسكرية "اسرائيلي"" محملا بالدلالات المستقبلية ولا سيما ان أي مصدر رسمي "اسرائيلي" لم يبادر الى نفي الخبر، في حين كان انطوان لحد يبادر في مؤتمره الصحافي الاخير في ثكنة مرجعيون الى التساؤل: "لا اعرف لماذا اثار الاعلام "الاسرائيلي" الامر ولا شك بان قرار بقائي او استقالتي يعود لي وانا لم اثر هذا الموضوع مع "الاسرائيلي" ولم افكر به لان قضية جزين الآن هي الاهم بالنسبة الي من التفكير بنفسي، واذا اردت الانسحاب من العمل السياسي فسأفعل كما فعلت بقرار الانسحاب من جزين، ولا شك في ان البعض من "الاسرائيليين" لديهم مصلحة في الرحيل من هنا ولكن اللبنانيين لديهم مصلحة في ان ارحل من هنا".
ويدرك انطوان لحد كما غيره من ضباط الميليشيا الحدودية ان قرار للانسحاب من منطقة لبنانية محتلة كجزين هو قرار "اسرائيلي" بالدرجة الاولى، كما يدرك ان قرارا من نوع استمراره على رأس "الجنوبي" او عدمه ليس بيده شخصيا بل بيد "الاسرائيلي".
ويقول يوسف، وهو عنصر في الميليشيا اللحدية قرر الرحيل من جزين الى مرجعيون: لم نكن نريد ان نغادر بهذه الطريقة، لقد لقي 150 من زملائي مصرعهم حتى الآن دفاعا عن جزين، وقد ابلغنا انطوان لحد عدم موافقتنا على الرحيل هكذا لكنه اجابنا "انها اوامر عليا".
ويقول مسؤول "القطاع الغربي" السابق في الميليشيا الحدودية المتعاملة مع "اسرائيل" شربل بركات: "تعامل الضباط "الاسرائيليون" معنا دائما كاننا "شغيلة" عندهم او مرتزقة لديهم، هم يأمرون ونحن ننفذ، وكانوا يتدخلون في كل شاردة وواردة ولا يعطوننا الامكانات للتحرك". ويضيف: "في غياب الطرح السياسي الذي استطيع من خلاله رفع معنويات منطقتي ولبنان، لماذا اضحي واموت؟: وعندما يسأله الصحافي: "هل تعتقد ان "إسرائيل" ستتخلى عنكم" يجيب: "معقول جدا".
قد يرد هذا الكلام على لسان عناصر عادية في الميليشيا اللحدية، لكن اهميته انه يأتي على لسان "ضابط سابق" "جرب المهنة" وخرج منها محبطا ومثقلا بالاسئلة، فهل سيكون مفاجئا ان يصدر كلام مماثل عن انطوان لحد في وقت قريب، خاصة ان الانسحاب من جزين ترافق مع سيل من الانتقادات "الاسرائيلية" "للظروف المذلة" للانسحاب؟.
ويقول المعلق "الإسرائيلي" في صحيفة "يديعوت احرنوت" اليكس فيشمان "ان من يريد تخيل كيف سيكون عليه بالضبط الانسحاب من جانب واحد يستطيع تأمل الصورة المذلة التي اعطتها قوات "الجنوبي" المنسحبة تحت وابل من القذائف من جزين".
ويعلق الجنرال يوسي بيليد، وهو المستشار العسكري لايهود باراك حاليا، على ظروف الانسحاب بالقول انها "لم تكن مشرفة وستترك اثرا سيئا على معنويات "الجنوبي" ومستقبله".
ويرى المعلق العسكري في "هآرتس" زئيف شيف ان الانسحاب من جزين "يشكل فشلا للجيش "الاسرائيلي""، بينما يقول النائب الليكودي عوزي لانداو ان الجيش "الاسرائيلي" "اعطى الانطباع بانه يتخلى عن "الجنوبي" في ضوء ما حصل في جزين".
ويمكن النظر الى التعليقات "الاسرائيلية" وتسريب خبر استقالة لحد بانها جزء من سيناريو يهدف الى اعادة نظر جذرية في الدور والمهام المطلوبة من الجنوبي " في المرحلة المقبلة.
وتكاد تكون "الشهور الصعبة" الاخيرة من العام 1999 بالنسبة ل"الجنوبي"، شبيهة بالشهور الستة الاولى من العام 1985 التي تطلبت وقتها تدخلا "اسرائيليا" من قائد وحدة الارتباط آنذاك ديفيد اعمون الذي قلب خلال شهور قليلة وضع الميليشيا الحدودية رأسها على عقب لمصلحة تحسين مستواها اللوجستي والعسكري وتزويدها بأسلحة متطورة وزيادة رواتب ضباطها وعناصرها، ما ادى الى رفع عدد المنضوين في "الجنوبي" من 2000 الى 2400 ضابط وجندي.
والسؤال المطروح اليوم: هل تكون اعادة النظر المطروحة بوضع الميليشيا المتعاملة مع "اسرائيل" مماثلة لما جرى في العام 1985 ام بايجاد قائد جديد لها ام بترك الامور تراوح مكانها بانتظار المتغير السياسي الاقليمي الاتي في ضوء نتائج الانتخابات "الاسرائيلية"؟
حتى الآن، لا تشير المعطيات الى نية ""الاسرائيليين"" احداث تغييرات في ادارتهم العسكرية والامنية للمنطقة الحدودية وذلك يبقى الاحتمالان الثاني والثالث هما الاكثر ترجيحا.
وتفيد المعطيات الواردة من الشريط المحتل في الايام الاخيرة بان قائد ما يسمى "اللواء الغربي" عقل هاشم هو الاسم الاكثر تداولا في بورصة الترشيحات المتداولة لخلافة الحد وذلك من اصل 17 اسما تشكل هيئة اركان "الجنوبي" الا اذا كانت "اسرائيل" تحتفظ باسماء واشخاص "على الرف".
وكان اللافت للانتباه ما ردده قادمون من المنطقة المحتلة في اليومين الماضيين بان عقل هاشم يسعى في ضوء خطوة الانسحاب من جزين الى اعادة تجميع ضباط وعناصر الميليشيا تمهيدا لاحتمال تسلمه قيادة "الجنوبي" كما انه ينوي اجراء تشكيلات عسكرية في قيادة "اللواء الغربي" استعدادا لتوليه المهمة الجديدة. كما ان عددا من الرموز "الموالية" له مثل اكرم عليان ورياض رحال وطالب سبليني و "ابو فرح" وشقيقه يوسف هاشم قاموا خلال اليومين الماضين الماضيين بجولات على الاهالي في قرى القطاع الوسط المحتلة لمطالبتهم بتوقيع عرائض تدعو الى تنصيب عقل هاشم على رأس "الجنوبي" مكان لحد.
عقل هاشم
والجدير ذكره ان عقل ابراهيم هاشم، بخلاف الانطباع السائد، عنه ليس شيعيا بل هو كاثوليكي المذهب ومن مواليد سنة 1949 في بلدة "دبل" الحدودية في قضاء بنت جبيل، تزوج من لبنانية من بلدة "رميش" المجاورة لبلدته ولهما عدد من الاولاد وتتردد زوجته بصوره مستمرة الى الولايات المتحدة، دخل مدرسة الرتباء في الجيش اللبناني عام 1967 وكان في الثامنة عشر من العمر. رقي الى رتبة رقيب في العام 1974 ونقل للخدمة في الالوية العسكرية المنتشرة في الجنوب، بعد اندلاع الحرب الاهلية وانقسام الجيش اللبناني في العام 1976، انتقل الى قوى الجيش التي رفضت الالتحاق بـ"جيش لبنان العربي" وتمركزت في القليعة ورميش وعين ابل ودبل وغيرها من القرى المسيحية و الحدودية المحتلة.
ولم يسطع نجم عقل هاشم الا بعد سطوع نجم سامي الشدياق، احد اوائل المؤسسين لبنية الميليشيا الحدودية التي تعاملت مع "اسرائيل" وتحولت الى نواة "جيش لبنان الحر" اثر اعلان سعد حداد "دولة لبنان الحر" في العام 1979.
فصل عقل هاشم من الجيش اللبناني وحصل رتبا عسكرية في "الجنوبي" حتى وصل الى رتبة مقدم. وتسلم مسؤولية "اللواء الغربي" خلفا للملازم اول شربل بركات في العام 1986، ويمتد القاطع الذي تسلم مسؤوليته عقل هاشم من الساحل الغربي في بلدة الناقورة الحدودية وحتى بلدة العديسة في قضاء مرجعيون مرورا بكل ما تسمى بلدات القطاعين الغربي والاوسط في اقضية صور والنبطية وبنت جبيل المحتلة بالاضافة الى عدد من قرى قضاء مرجعيون.
يتميز عقل هاشم بانه رجل طامح، وقد بدأ يتردد منذ تعرض انطوان لحد لمحاولة اغتيال على يد سهى بشارة في خريف العام 1988، وكانت تتوطد صلاته "بالإسرائيليين" تدريجيا، ويقول أبناء المنطقة انه ادى لهم خدمات امنية ساعدت في ترجيح كفته على الاخيرين الطامحين خلا لخلافة لحد.
ويتميز هاشم ايضا باسلوبه الذكي في بناء علاقات محلية مع مفاتيح القرى من مخاتير ووجهاء وشخصيات، ويكاد لا يفوت و مناسبة اجتماعية او دينية الا ويشارك فيها يما في ذلك مناسبة عاشوراء حيث درجت عادته على ان يترك سيارته في "صف الهوا" وينزل سيرا على الاقدام الى حسينية بنت جبيل "احتراما للمناسبة" كما يقول لسائليه.
ويحاول عقل هاشم تمرير الاعمال الأمنية الموصوفة من خلال شقيقه يوسف الذائع الصيت في المنطقة ومن خلال إحاطة نفسه بمجموعة من الرموز الموصوفين بجرائمهم مثل العميلين حسين عبد النبي والجلبوط اللذين اعدمتهما المقاومة وغيرهما من العملاء، الامر الذي يجعل هاشم "الاكثر اعتدلا" بين العملاء المحيطين به.
وقد تردد اسم عقل هاشم في اكثر من مناسبة تفجير وتجنيد ومحاولة اغتيال في اكثر من منطقة لبنانية، وصدرت بحقه احكام عدة بينها حكما بالسجن المؤبد صادران عن المحكمة العسكرية بالإضافة الى احكام طالت اخوته الاربعة حنا ومنير وموسى ويوسف المحكوم بالاعدام.
واذا كان خيار ايجاد بدائل للحد يقدم "فرصة ذهبية" لعقل هاشم في ظل تراجع شهية الآخرين من اركان ورموز "الجنوبي" فان خيار ترك الامور تراوح مكانها يبدو ضعيفا حتى الآن ما دامت وظيفة "المتراس الرملي" لم تستنفد بعد، خاصة ان لا مواعيد نهائية للانسحاب من جنوب لبنان المحتل برغم كل وعود باراك الانتخابية لان مفتاح الحل في مكان اخر يدركه باراك ولو متأخرا.