رسائل البريد الجزيني

راجح خوري

 النهار، 3/6/1999


هل كانت الحكومة "الاسرائيلية" تنتظر من حزب الله ان يذرف الدموع ويلوح بالمناديل لميليشيا لحد وهي تنسحب من منطقة جزين؟

الانباء التي نقلتها الوكالات من تل ابيب تبعث فعلا على السخرية، ليس بسبب تلك الجلسة العاجلة جدا التي ترأسها بنيامين نتنياهو (وقد غادر حال الاحتجاب والاكتئاب) وحضرها قائد الاجهزة العسكرية وانتهت بالحديث عن تقديم التغطية الجوية للانسحاب، وباطلاق التهديدات في وجه لبنان والمقاومة، بل بسبب التقويمات التي حملت ما يوحي ان الانسحاب من منطقة جزين، لم يؤخذ بجدية كعامل اساسي في تداعيات الهزيمة يتجاوز رجال الميليشيا الى الجيش "الاسرائيلي" كما يقول زئيف شيف.

من مجمل ردود الفعل "الاسرائيلية" على الانسحاب بدا ان عمليات القصف الجوي وتسخين وتيرة العدوان اضافة الى تصريحات الدعم الاستلحاقي الموجهة الى رجال لحد، انما تشكل محاولة مستعجلة لترميم "المتراس البشري" الذي انهار في منطقة جزين، ولا يجوز بالتالي ان يحمل انهياره معه الى مرجعيون، والا فان جيش الاحتلال سيجد نفسه امام "عالة" قد تتحول خطرا عليه وخصوصا في ظل احباط انطوان لحد، الذي لم يتوان عن القول "ان بعض "الاسرائيليين" لا يريدونني هنا واللبنانيون يرغبون في رحيلي".

بالتأكيد لا تعكس التصريحات والتحليلات "الاسرائيلية" اهتماما بمصير لحد او بما بفعل رجاله الذين سيتم وضعهم في اكياسا في المتاريس المتقدمة وحيث ان توقعات الجيش "الاسرائيلي" ان الاداء العملاني سيكون بعد اليوم لمصلحته لا لمصلحة حزب الله، لكن هذه التصريحات تحولت موجة (سيتسع مداها) توجه الانتقادات الى الحكومة "الاسرائيلية"، بسبب (الانسحاب المذل الذي ارتدى على الفور طابع الاندحار)، وينطلق اليكس فيشمان في "يديعوت احرنوت" من هذا الاستنتاج الى القول: "ان من يريد تخيل كيف سيكون عليه بالضبط انسحاب من جانب واحد، يستطيع تأمل الصورة الذليلة التي اعطتها ميليشيا لحد المنسحبة تحت وابل من القذائف".

واذا كان الجنرال يوسي بيليد المستشار العسكري لايهود باراك يرى "ان ظروف الانسحاب لم تشرف "اسرائيل" ولا ندري كيف يمكن الانسحاب ف ان يكون مشرفا، فان من المؤكد ان ما حصل سيترك اثرا سيئا على معنويات جيش الاحتلال "الاسرائيلي" لا ميليشيا لحد وحدها.

لقد رأت ح صحيفة "هآرتس" ان الانسحاب يشكل فشلا للجيش "الاسرائيلي" الذي لم يؤمن تغطية دفاعية كافية، لكن هذا الفشل يشكل في الحقيقة هزيمة ثانية، اما الاولى فهي التي تحققت عبر العمليات العسكرية التي انهكت ميليشيا لحد الذي نصف الوضع بانه "الموت البطيء".

واذا كان عوزي لاندو اكثر وضوحا في الحديث عن "الانتكاسة "الاسرائيلية" بسبب ظروف الانسحاب، فان تداعيات هذا الانسحاب لن تتوقف قبل ان تقرع ابواب المنازل "الاسرائيلية" التي تنتظر عودة أبنائها من "المستنقع الدموي" في جنوب لبنان.

بعد اكتمال الانسحاب من جزين وقد استعجلته تل ابيب، ومعرفة اتجاهات الوضع في الاسابيع المقبلة، يمكن القول ان كل الرسائل وصلت عبر "البريد الجزيني".

- اولا: الدولة اللبنانية اكدت ثلاثة امور وهي، ان لبنان لن يقع في فخ الانجرار الى ترتيبات تلقائية بارسال الجيش الى المنطقة، وانه متمسك بموقفه الداعم للمقاومة، وانها تمسك بالوضع و رويدا رويدا في المناطق التي تم تحريرها.

- ثانيا: الدولة السورية اكدت صراحة بلسان فاروق الشرع، ان الانسحاب لن يوقف عمل المقاومة ولن يؤثر على ترابط المسارين اللبناني والسوري.

- ثالثا: المقاومة وحزب الله اكدا عبر التصريحات ان المناطق المحررة اصبحت الآن مسؤولية الدولة، وعبر الذخيرة الحية فان مقارعة الاحتلال مستمرة حتى خروجه من لبنان.

- رابعا: تل ابيب اعلنت انها تنظر الى الانسحاب كحال اختبارية يمكن ان تشكل دفعة اولى على حساب الوعد الذي قطعه باراك بالانسحاب من لبنان في خلال سنة.

اما اذا  فوجئت "اسرائيل" بان الانسحاب مذل وقد تم على وقع النار فمسألة تدعو بالفعل الى السخرية. لكنها تدعو ايضا الى اتخاذ اقصى درجات التحوط والانتباه كي لا تنجح في محاولاتها الاكيدة لتخريب الانتصار اللبناني في جزين..