جزين: عودة "الابن المخطوف" .. وليس "الابن الضال"!!.

محمد مشموشي

 السفير 1/6/1999


ليست جزين اول ارض لبنانية يجلو عنها الاحتلال ولن تكون الاخيرة حتما وفي أي حال. فقد سبقتها بيروت وصيدا ودير القمر وصور والنبطية الخ.. بعد اجتياح العام 1982، وستليها غدا (وهو لناظره قريب..) مرجعيون وبنت جبيل وحاصبيا الخ.. وصولا الى اخر شبر من الارض المحتلة.

في ضوء ذلك، وقياسا مع الماضي، تبدو غريبة وغير مسبوقة "مخاوف" اهالي جزين من مرحلة ما بعد زوال الاحتلال، تماما كما ستبدو غريبة وغير متبوعة في المستقبل عندما يحين موعد جلاء الاحتلال عن المناطق الاخرى. اما السبب فهو ان المخاوف، اية مخاوف، يجب ان تنبع من الاحتلال ومن بقائه ولا تنبع اطلاقا من زواله، كما قال الرئيس العماد اميل لحود، وايا تكن الاسباب والظروف التي تحيط بهذا الزوال.

ذلك انه لن يستطيع احد فهم "المخاوف" التي يعبر عنها بعض اهالي جزين الا في سياق تفسيرين اثنين لا ثالث لهما: اولهما احتمال تعرض المنطقة بعد تحررها للغارات "الاسرائيلية" وعمليات القصف المدفعي، وفي هذا المجال لن تكون جزين ولا يجب ان تكون مختلفة عن غيرها من المناطق اللبنانية التي تعاني من هذه الاعتداءات شبه اليومية، والثاني احتمال تعرض القلة القليلة من اهلها ممن تعاملوا مع قوات الاحتلال وخدموا في عدادها للمساءلة، وربما للمحاكمة القضائية، ولن يكون هؤلاء كذلك ولا يجب ان يكونوا مختلفين عن امثالهم في المناطق الاخرى - وهم قلة ايضا ومعروفون بدورهم - سواء منها التي تحررت في الماضي او التي ستتحرر حتما في المستقبل.

وبكل المعايير، فليس في قدرة احد ان يتصور، او ان يقبل طبعا، اعتبار "المخاوف" التي يتحدث عنها اهالي جزين تعبيرا عن مطالبتهم بان يكونوا ذلك الاستثناء غير المبرر، وغير المنطقي في كل حال، عن كل من عداهم من المواطنين اللبنانيين.

وليس هذا هو الواقع، برغم ما قد يبدو لدى بعض رجال السياسة في جزين، وفي غيرها ايضا، من اوهام حول تطورات ما، يكون من شأنها ان تخلق اوضاعا محلية واقليمية، وبالتالي دولية، أخرى كان هؤلاء قد راهنوا عليها في السابق وربما ما يزالون يراهنون عليها حتى الآن.

اذ لا يعني اعلان سبعين مواطنا جزينيا ممن تعاملوا مع الاحتلال وخدموا بين صفوف "ميليشيا لحد" في الفترة الماضية انهم قرروا البقاء في ارضهم ووضع انفسهم بتصرف الدولة اللبنانية و "تحت حكم القانون" فيها، كما لا يعني اعلان الامين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله ان ليس لدى المقاومة ضد هؤلاء وامثالهم سوى "حكم القانون اللبناني"، الا ان عودة جزين الى حضن الوطن ستكون من نوع عودة "الابن المخطوف"، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، وليس من نوع عودة "الابن الضال".

وكل ما عدا ذلك لن يكون، بل ويجب لبنانيا وجزينيا ومقاومة الا يكون، الا من قبيل الاوهام السياسية الضيقة التي سلف ذكرها والتي اثبتت الايام فشلها، حتى لا يقال انه من قبيل التحريض والاستغلال الدائمين اللذين مارسهما الاحتلال واعوانه طيلة السنوات الماضية.

فـ"جزين اولا" خصوصا بعد عمليات المقاومة النوعية ونجاحها في تفكيك "ميليشيا لحد" وبالتالي في اخلاء المنطقة، هي الاختبار الوطني النوعي للوطن كله : لجزين واهلها اولا، وللبنان وشعبه ثانيا، وللمقاومة ورجالها وقيادتها ثالثـا، على طريق استكمال التحرير.. وليست كما ارادتها "اسرائيل" اختبارا لقدرات لبنان على حماية هذا الاحتلال وضمان امن مستعمراته في ما وراء الحدود.

.. وستكون جريمة الا ينجح لبنان، ولبنان كله، في هذا الاختبار الوطني اللبناني.