سابقة جزين
جوزف سماحة
الحياة 1/6/1999
"قرر انطوان لحد الانسحاب من جزين منذ اسابيع بعدما كبدته هجمات حزب الله خسائر كبيرة في الضباط والجنود". هذا ما ذكرته "معاريف"، واضافت ان وزير "الدفاع الاسـرائيلي" موشيه ارينز وافق على القرار، معتبرا انه "الافضل". وينطق ارينز، هنا، باسم المرحلة الانتقالية المعبرة عن الحكومة الراحلة والحكومة التي لم تشكل بعد.
يعني ذلك ان المقاومة فرضت جلاء القوات المتعاملة مع الاحتلال وارغمتها على استئناف تراجع كانت اوقفته منتصف الثمانينات. فجزين، بهذا المعنى، مدينة للمقاومة، وللموقف الوطني للسلطة، وللصمود السياسي لقطاع واسع من اهاليها. وليس هذا الترتيب عبثا، ولانه ليس عبثا، فان الحملة الضمنية على "حزب الله" معيبة وأمينه العام حسن نصر الله محق في غضبه. فيجب على المرء ان يكون سيء النية او مصابا بعمى سياسي حتى يشيع جوا من الخوف حول مرحلة الميليشيات. ويمكن القول، بأسف، ان عددا من "قادة المدينة" وبعضهم كان على صلة ما باحوال العالم. يتصرفون ب"قروية" مدهشة وهم يساهمون في عملية التخويف غير مدركين ان انتصار وجهات نظرهم السابقة كان ابقى بلدتهم تحت الاحتلال.
ان المرحلة دقيقة جدا، ومن المفترض ان تتحكم فيها العوامل الآتية:
اولا، لا جائزة للمضطر الى التراجع، عليه ان يسلم بهزيمته ويخرج ولا حق له بالمطالبة باي شيء.
ثانيا، لا بد من تكثيف العمل لاعادة اكبر عدد ممكن من الاهالي، وتتحمل الدولة هنا، مسؤولية رئيسية، وكذلك القيادات المحلية بالمعنى الواسع للكلمة.
ثالثا، ليس ورادا ان تحصل مقايضة من نوع، "تأخذ جزين وتعطي المقاومة"، ففي هذه اللحظات بالضبط، وحين تثبت ان في الامكان انتزاع ارض من الاحتلال، ولو غير المباشر، يمكن ممارسة "ترف" رفض التسويات. لم يكن مقبولا في السابق ان تكون جزين، لسبب او لاخر، مأوى للعملاء وليس مقبولا، اليوم، ان تكون حاجزا، ان انضمامها الى الارض المحررة يساويها بها ويجعلها خاضعة، مثلها، لاعتبارات تمليها طبيعة المواجهة وتطوراتها.
رابعا، يجب التوصل الى صيغة للتمييز بين التائبين قبل الانسحاب، وفي اثنائه، وللمصرين على اللحاق بجيش الاحتلال طلبا لحمايته. وهذه الصيغة ضرورية جدا طالما ان الجيش "الاسرائيلي" لا يزال في لبنان وطالما ان هناك من يتعامل معه ويحميه.
خامسا، يستحسن الاسراع بتقديم عرض اجمالي الى سكان الشريط الحدودي يبدأ باقتراحات التنمية وينتهي بمشاريع العفو، ففي هذه الايام يعيش لبنانيو الشريط فترة حرجة، وعليهم ان يدركوا ان مرحلة امتدت لثلاثة عقود واكثر تشارف على نهايتها. يجب ان نتذكر بان هؤلاء عاشوا في ظل الهيمنة "الاسرائيلية" فترة تقل قليلا عن تلك التي عاشوها في ظل السيادة الوطنية ومن الواجب بذل الجهد الكافي لاستعادتهم.
ان هذه هي القواعد العامة لنهج يحول دون ان تكون جزين مناسبة لادعاء "اسرائيل" انها حققت انجازا قابلا للتثمير، بل مجرد سابقة لها ما بعدها وفي السياق نفسه.