جولة في اعاليه اختصرت معاناة اهال قرروا الصمود

اقليم التفاح.. خط النار يعاني التهجير وينتظر الانسحاب للعودة

اللويزة.. مليخ.. سجد.. جرجوع قرى شاهدة على عدوان الاحتلال

تحقيق : حسين بيضون،

الديار 27/5/1999


عبارة "تحت النار" اقل كلمة يمكن ان تقال في منطقة كأعالي اقليم التفاح وجبل الريحان اللذين يتعرضان يوميا للقصف الجوي كل اسبوع.. من جباع الى اللويزة التي تحاول الصمود بصعوبة بالغة وصولا الى مليخ المدمرة وسجد المهجرة كاي شعب اتخذ من الموت سبيلا للحياة. في تلك المحاور كان لنا جولة طويلة لساعات اختصرت معاناة.. من قرر الصمود من اهالي تلك القرى.

 

الوضع في اللويزة

تنساب قرية اللويزة على أهداب مرتفعات جبل صافي قرب مجرى نبع الطاسة محاطة من كل الجهات بالمواقع "الاسرائيلية" واللحدية في مشهد فريد من نوعه.. من حبوش الى عربصاليم فجرجوع صورة واحدة والتوتر يزداد كلما تابع الانسان التقدم، وبوصولنا الى جرجوع لم نكمل الى عين بوسوار بل دخلنا في طريق ضاعت تضاريسها عبر مجرى نبع الطاسة ما بين سجد وجبل صافي لنصل الى اللويزة.

كل شيء مدمر.. من المدرسة الى الطرق والمنازل.. لا اثر للحياة، في حي ثان بعض السيارات متوقفة.. ضجة صغيرة اسرتنا لنلتقي مع اول قوافل العائدين: في البداية اخبرونا ان الوضع لا يزال غير مستقر فالقصف مستمر يوميا على المنطقة.

مختار القرية محمود حيدر تحدث عن واقع القرية ومعاناتها فقال: اللويزة من حيث الموقع تحيط بها جرجوع، عربصاليم، واملاكها مشتركة مع املاك بلدية مليخ. القرية في وضع يرثى له، والحياة صعبة والمطلوب الكثير من الصبر والهدوء ومراعاة وضع القرية ونتمنى ان لا يعاد التهجير مرة أخرى.

ذكريات مريرة

كيف تمت عمليات التهجير؟ في البداية طلبت منا "إسرائيل" أن نجند لها عناصر بداعي حراسة القرية فرفضنا ومن يومها اعتبرتنا مخربين وبتنا هدفا لاعتداءاتها التي بدأت باستشهاد علي منيف هاشم ثم عدنان فرحات وتلاهما فهد هاشم الامر الذي اثار الرعب في صفوف المواطنين. وبدأت عملية التهجير وكل اهل القرية يتذكرون الشهيدة طرفة حيدر التي اصرت على البقاء والصمود فقصفوا منزلها بشكل مباشر فدمر واستشهدت تحت الركام.

مصطفى حيدر تحدث عن عمليات التهجير المتلاحقة للقرية فقال: أول عودة لنا كانت في شباط العام 1991 يومها صمدنا في القرية 6 اشهر لم تكن تخلو من قصف على الاحياء السكنية ثم حاصروا القرية وطلبوا منا عبر مكبرات الصوت مغادرة القرية خلال مهلة 15 دقيقة، ومع مرور المهلة تعرضت اللويزة لقصف عنيف.. بتنا ليلتنا في العراء، وفي الصباح حاولنا العودة فتعرضنا لقصف عنيف وبعد اسبوع كررنا المحاولة ولقينا المصير نفسه وسقطة الشهيدة طرفة حيدر، عندها شعرنا ان هناك قرارا بتهجير اللويزة فغادرنا في 16/8/1991. هكذا كان وضع اللويزة (مع الساعات الاولى للعودة) ولكن.. بعد اكثر من سنة على العودة ماذا تحقق في اللويزة؟

تم تزفيت طريق جرجوع اللويزة حتى مسافة باتجاه مليخ وطرق القرية الداخلية وتم تأمين الماء والكهرباء، وجدت شبه حالة اعمار في القرية لكن الوضع الامني انهار اكثر ولم تستكمل مقومات الصمود من حيث الملاجئ وسيارات الاسعاف والمستوصف وتنشيط الحركة الاقتصادية وتأمين الهاتف وتدنت امكانية الصمود في القرية فالى متى ستصمد اللويزة؟

 

مليخ.. المحطة الثانية

مشارف مليخ كانت المحطة الثانية في جولتنا، وكانت عملية الاقتراب من القرية اكثر المحاولات خطورة واشبه محاولة الدخول الى فوهة بركان يغلي.

مليخ قرية مهجرة بالكامل وكلها تعتبر مناطق عسكرية وعلى مسافة قريبة جدا من احيائها السكنية الملغمة بمئات الالغام يقع موقعا كسارة العروش وبئر كلاب المعاديين.

من مشارف القرية كيف بدت؟

معظم منازلها محروقة بالكامل وهناك دمار في القرية مما يوحي بان احداثا ادت الى تهجير مليخ واحراق منازلها واثار القصف بادية في كل مكان بشكل هستيري وعلى مدخل القرية بقايا آلية لحدية محروقة او ربما "إسرائيلية" نتيجة اشتباكات كانت قد دارت في المنطقة.

عند عودة اهالي اللويزة حاولوا اعادة اهالي مليخ معهم لكن وضع القرية منع العودة فالألغام في كل مكان والعودة ممنوعة بالنسبة "لاسرائيل" وجيش لحد، والمواقع "الإسرائيلية" واللحدية لا تبعد كثيرا عن الاحياء السكنية حيث ان العدو والعملاء كانوا يشعلون الاطارات ويدحرجونها نحو المنازل. دقائق مرت ونحن على المشارف الى ان شعرنا الى انه اصبح من الجنون البقاء اكثر لخطورة المكان فعدنا.

 

سجد والموقع الاعلى

قرية سجد هي اعلى موقع في إقليم التفاح وبالتحديد في جبل الريحان تعلو عن سطح البحر 1250 متر عام 1984 تاريخ تهجير القرية كان عدد سكانها نحو 3000 نسمة يصل اليها الانسان من اللويزة الى مليخ الى عرمتى الى الريحان وصولا الى سجد، وهي اخر قرية على الخط وتطل من ناحية الغرب على صيدا ومن النواحي الاخرى تتحكم بمناطق اقليم التفاح كافة وهي على حافة الشريط الحدودي.

على مسافة كيلومترين من القرية هناك مقام للنبي سجد.

وتعتبر سجد منطقة عسكرية دائمة الاشتعال فالقصف فيها يومي ومستمر وتحصل في المنطقة عمليات بشكل دائم ويحيط بالقرية عدد هائل من المواقع منها : سجد، الريحان، بئر كلاب، كسارة العروش.

اشهر عائلاتها: ناصر الدين، شقور، شباني، حسين حسن… الحياة في القرية كانت بسيطة، كبار السن كانوا ما زالوا فيها والشباب خارج القرية بسبب ارتباطهم بالاعمال والقرية كانت مصيفا لاهلها القاطنين خارجها وعلاقتها مع محيطها جيدة خصوصا مع منطقة العيشية.

كيف تمت عملية التهجير؟

بين حزيران وتموز من عام 1984، يومها لم يكن في القرية الا القليل من الناس فاتى العملاء وانذروا الناس باخلاء القرية بالقوة واحضروا "تراكتورات" ووضعوا الكبار في السن في الحاويات في مشهد مهين ومعيب غير اخذين في الاعتبار كبر سن هؤلاء وهم لم يخرجوا من منازلهم بشيء.. ومن ثم بدأوا بتفخيخ منازل القرية وتفجيرها المنزل تلو الاخر وحتى العام 1989 كانت كل المنازل فقد دمرت بشكل كامل. وكان للمسجد الحصة الاكبر فقد فجروه بطريقة همجية.. الحسينية نجت من التفجير فكان نصيبها الحرق بشكل كامل وقد كانت حديثة البناء لم يمض على بنائها سوى بضعة اشهر حتى انه لم يتم افتتاحها بعد.

محاولات العودة وشلها..

بعد الحادث حاول سكان سجد العودة اليها وجرت محاولات كثيرة لكنها فشلت، ومن الذل ان تكون عودة الانسان الى منزله وقريته "مشروطة".. فقد عقدت اجتماعات متتالية لحل عقدة العودة لكنها اصطدمت بشرط تعجيزي اعتبر نهاية المفاوضات، فقد اشترطوا تجنيد عدد من شباب القرية في ميليشيا لحد وان لا تحدث عمليات على المحور واذا حدثت فسيحدث اسوا مما جرى في العام 1984.

 

جرجوع ويوم طويل

يوم طويل في جرجوع كانت فيه الطريق الى عين بوسوار خطرة جدا بسبب ما سمعناه من قصف وتمشيط للمحاور، كان فيه جولة في جرجوع..

تقع جرجوع على مرتفع بين عربصاليم وعين بوسوار ترتفع عن سطح البحر نحو 800 متر وتبعد جنوبا عن بيروت 70 كلم وعن النبطية 12 كلم. كلمة جرجوع اصلها عبري ومعناها الاجرد او الحليق او الاقرع وجذر (جرع) يفيد الحلاقة ويقال انه لقب فرنسي.

في جرجوع مغارات في منطقة تدعى الشير وأقنية ماء تسمى باسم زبيدة (زنوبيا) ملكة تدمر جرت بواسطتها الماء الى صيدا وفيها جمعيات عدة وكان فيها سلسلة مقاه مشهورة. ومصدر مياه جرجوع حاليا نبع الطاسة وتتبعها سلسلة ينابيع محلية هي: عين الضيعة، عين ام يونس، عين اللآليء.. وتستفيد البلدة من ناحية الري من مياه نهر الزهراني وقد خرج من القرية عدد من المهاجرين واناس تولوا مراكز حساسة، ومن اشهر منتجاتها الزراعية: التفاح، الزيتون، الحبوب، الخضار على جميع انواعها.

تقع جرجوع على محيط ساخن بشكل مستمر فمن الناحية الشرقية تحيط بها: الريحان، سجد زعزين ومن الناحية الغربية: صربا، عين قانا، رمنين، ومن الناحية الشمالية اللويزة، مليخ، جبل صافي، ومن الناحية الجنوبية حومين الفوقا، عربصاليم، حبوش، أما من ناحية المواقع المحيطة بها فهي مطوقة وفي مرمى اكثر من 10 مواقع حولتها الى جهنم لا تطاق ومنها: الريحان، سجد، السويدا، الطهرة، بئر كلاب، كسارة العروش.

مشاكل القرية

للقرية سلسلة من المشاكل هي:

1- انعدام مقومات الصمود على اختلاف أنواعها.

2- انتشار الدمار في كل مكان.

3- العامل الامني المتفجر دوما.

4- عدم وجود خطة انمائية شاملة للقرية.

5- عدم التعويض عن الخسائر التي اصابت القرية وخصوصا الزراعية.

6- تحكم موقع سجد بمدخل القرية الامر الذي يؤدي في معظم الحالات الأمنية المستعصية إلى قطع الطريق الوحيد للقرية وبالتالي فان أي مصاب عليه ان ينتظر حتى هدوء الوضع لينقل الى المستشفى.

وبقيت الطريق لعين بوسوار خطرة بسبب القصف، مما اضطرنا الى العودة، والحنين ازداد في القلب لملاقاة عين بوسوار والتفيؤ بظلال صنوبرات جباع، فهل ستتحقق هذه الامنية؟

اما بقية قرى الريحان فقد تعرضت لمسلسل من الهجمات المتتالية من الريحان، وعرمتى التي لم يكن حظها افضل من الريحان من ناحية التهجير المتواصل بعد العمل على اثارة النعرات الطائفية التي اسقطها الاهالي بوعيهم الى كفرحونة التي تآخت مع الريحان وعرمتى من ناحية الممارسات التي تعرضت لها..