آفاق المستقبل بعد الإنجاز العظيم

 الراية القطرية 2/6/2000


الكيان الصهيوني.. العدو الأبدي لحزب الله

الايديولوجية الاستشهادية في النضال قهرت أحدث الأسلحة الإسرائيلية

القاهرة - الراية - جمال خليل:

وضع الانسحاب الإسرائيلي المهين من جنوب لبنان تحت جنح الظلام حزب الله اللبناني في مكان الصدارة بين الاحزاب الكبيرة في العالم وافردت وسائل الإعلام العالمية والعربية والإسرائيلية أيضاً مساحات واسعة له تتناول تشكيله وأسلوبه القتالي ودوره في الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان.. ومستقبل الحزب وهل سيتخلي عن أسلحته ويتجه إلي العمل السلمي أم سيكون له رأي آخر؟

لما لا والحزب أجبر إسرائيل التي تتباهي بقوتها وغطرستها ولأول مرة منذ قيامها علي الانسحاب من أراض عربية دون شرط أو قيد وهو الوحيد الذي استطاع ان يحيل حياة الإسرائيليين إلي جحيم لا يطاق.

الفكر والبدايات

ولفهم الأسباب التي ادت إلي احراز هذا النصر لابد وان نعود إلي الظروف التي نشأ الحزب من خلالها فقد انطلقت الرصاصة الأولي للمقاومة في قلب بيروت عام 1982 ضد ضباط وجنود العدو الصهيوني الذين كانوا قد وصلوا إلي قصر بعبدا حيث كان إنشاء العدو لقيادة عسكرية استخباراتية في فندق الكسندر بالمنطقة الشرقية دافعاً لانطلاق شرارة الاستشهاد، فقد فجر الشهيد أحمد قصير نفسه بسيارة ممتلئة بالمتفجرات في 11 نوفمبر 1982 ناسفا مقر قيادة جيش العدو في مدينة صور - قلعة الجنود - مما اسقط 300 قتيل وجريح من الصهاينة واجبرهم علي التقهقر إلي الجنوب اللبناني.

هذه الجسرة في الاقبال والشجاعة في الموت دفعت وزير" الدفاع " الإسرائيلي ارئيل شارون إلي القول ان هؤلاء الرجال يستعصون علي الهزيمة .

وكان لابد ان تمر ثلاث سنوات حتي يتكون الاطار التنظيمي للمقاومة ففي عام 1985 التقي خمسة من كبار أبناء الحركة الإسلامية الشيعية ليعلنوا ميلاد حزب جديد وسط ركام الاحزاب والتيارات اللبنانية التي وصلت إلي 269 حزبا وتنظيما علنيا وسريا عام ،1982 وجاء الحزب بلقاء أول أمين عام - استشهد عام 1992 السيد عباس الموسوي - والشيخ حسن نصر الله الأمين الحالي والشيخ صبحي الطفيلي الأمين العام الأسبق والسيد إبراهيم الأمين الذي يقود كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان ثم الشيخ محمد يزبك عضو مجلس الشوري الحالي للحزب.

وصدر البيان الأول التأسيسي ليعلن ان الجناح العسكري موجها ضد الاحتلال ولا يخوض في الخلافات الحزبية أو المذهبية اللبنانية حتي أصبح العمود الفقري لكافة القوي الوطنية يخلق القواسم المشتركة بينها ويسعي إلي توحيد صفوفها الأمر الذي حدد هدفه ودفعه إلي القيام بالعمليات الفدائية ضد أكثر من 2700 عنصر من جيش لحد العميل والجيش الإسرائيلي سقطوا ما بين قتيل وجريح حتي اندحروا من لبنان مقابل 1200 شهيد من الحزب.

ولا يخفي علي أي مراقب ان مقاومة الحزب لا تنطلق من فراغ وانما تمتلك أدوات منهجية فكرية تنظر إلي الإسلام نظرة تتجاوز حدود الالتزام بالدين كإيمان وكمراسم عبادة لكونه يمثل هوية الإنسان المسلم وانتماءه ويحاول الحزب النظر لايديولوجيا إسلامية بمنظور شامل يعتمد علي النظرية التوحيدية المستقلة عن الشرق والغرب لنهوض المسلمين جميعاً.

ومن هنا يخصص الحزب دوره الحقيقي لتربية إنسان مسلم ثوري جديد يمتلك الإرادة، وتشير الأدبيات الفكرية للحزب إلي أهمية الإيمان بوحدانية الله، باعتبار ان التوحيد الإسلامي يجعل الإنسان قويا تجاه جميع انواع الشرك وازاء سائر القوي التي تسعي لاستعباده لأن الإنسان يصبح مرتبطا بالله مؤمنا به وقادرا علي تطوير شخصيته المستقلة والدفاع بالاستشهاد عن حرياته وقادراً أيضاً علي ممارسة ارادته التي لا تعلو فوقها سوي الإرادة الآلهية، ويري الحزب انه يجب الدعوة لإسلام ثوري دون استنساخ لتجارب الدول الأخري وبفكر قرآني فالقرآن الكريم يقول في سورة فصلت الآية 34 ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عدواة كأنه ولي حميمفالحسنة أسلوب المسلم، الرفق والسيئة أسلوب العنف وكان المؤتمر العام الخامس للحزب في 28 يوليو 1998 ترجمة حقيقية سياسيا وتنظيميا عن المستوي المتقدم الذي وصل إليه الحزب لبنانيا وعربيا لأنه أكد ان المقاومة بكل ابعادها الميدانية والسياسية وتطوير ادائها التكتيكي ودورها الاستراتيجي هي الملف الثابت الذي يشكل محورا في حركة الاهتمامات للحزب وكانت السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال إضافة مهمة في فتح قنوات التواصل مع التنويع اللبناني الطائفي والسياسي دون المساس بالثوابت الأساسية التي يسميها فوق سياسية وهي العلاقة مع إيران وسوريا والموقف من الاحتلال والتسوية ومثل المؤتمر العام الخامس التوجهات الأساسية للحزب في:

1- جماعية القرار ومركزية الإدارة وهذا ما تم ترجمته عبر المحافظة علي شوري القيادة من جانب وعلي تعزيز وتوسيع الصلاحيات الإدارية والسياسية للأمانة العامة من جانب آخر واستهدف الأمر توفير ديناميكية إدارية قادرة علي مواكبة الطواريء والحركة السياسية اليومية من دون الوقوع في التعقيدات التنظيمية.

2- توسيع الجهاز التنظيمي وتأطيره في هيكل موحد توخيا لتوفير أعلي درجات التناسق في الحركات للعملية المتسعة.

3- تخصيص الجهاز السياسي سياسيا أي انصرافه الكلي للأنشطة السياسية لرفع كفاءة الاحتراف وتوفير كفاية تحليله وبرنامجه حول كل الملفات السياسية.

4- العمل علي تطوير المؤسسات والأجهزة المهتمة بالتعاطي مع شرائح المجتمع المختلفة وهذا ما انعكس تنظيميا عبر المزيد من الاستقرار في الهوية الإدارية للمؤسسات المدنية للحزب، ويتفرد الحزب بواقع انتخابي معين فلا تتشكل لوائح في مواجهة لوائح أخري أو العمل بشكل تكتلات داخلية وإنما الترشيحات دائما فردية غير متميزة ببرامج واطروحات خاصة وتنبع كلها من الادبيات والثوابت المعاونة للحزب وما يعمق هذا الاتجاه هو عدم وجود تنافس قيادي حيث ان الأمين العام الحالي سماحة السيد حسن نصر الله جري انتخابه بالاجماع وهو مايوفر الاستقرار للحزب وانطلاقا في مستوياته الجهادية انمائيا - اجتماعيا - ثقافيا ويقوم مسار التشكيل التنظيمي والانتخابي علي تراتب هذه الابعاد الثلاثة وتفاعلها.

مثالية المقاومة (حرب العصابات)

استطاع حزب الله استكشاف البيئة الجيوستراتيجية لمجال العمليات العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي واستقر علي أسلوب حرب العصابات فإذا ادركنا ان اجمالي مساحة الأراضي التي كانت تحت الاحتلال حوالي 850 كم2 يحميها جيش من العملاء مع العدو حوالي 20 ألفا بأحدث الأسلحة الفتاكة فإننا نصل إلي نتيجة ان هذه الحرب هي المثالية في مساحة بعمق 10كم2 من شمال فلسطين إلي جنوب لبنان يعيش فيها مسيحيون وسنة وشيعة ويتداخل فيها الاحتلال مع الحياة اليومية للمواطنين.

ان الاستراتيجية المفترضة لشعب يواجه عدوا قويا احتل أراضيه أو جزءا منها هي غير المباشرة التي كتب عنها العديدون مثل ليدل هارت وجيفارا وماوتسي تونج وفون جياب وهي تدعو إلي تجنب أي مواجهة عسكرية شاملة مع عدو قوي عسكريا والحل الوحيد هو تحطيم معنوياته وجبهته الداخلية واخضاعه لإرادة المقاومة باستنزافه اقتصاديا وبشريا بأقل خسارة ممكنة لقد اعتمد ماوتسي تونج في حرب العصابات المناهضة لليابان علي مبدأ استراتيجي هام هو اللجوء إلي العمليات الهجومية علي مستوي الحملة خلال الحرب واللجوء إلي العمليات السريعة علي مستوي المعركة وخوض عمليات الخط الخارجي والمعركة في نطاق عمليات الخط الداخلي في الناحية الاستراتيجية لأن هذه الحرب تتطلب سرعة حسم المعارك بغارات مستمرة هجومية.

واتضح ذلك لدي مقاومة حزب الله في استراتيجية التحرك الاضطراري المعتمدة علي سرعة الحسم وتحقق الاستغلال لأي تصدع مفاجيء في قوات الاحتلال وجيش لبنان الجنوبي في الوقت الذي لم يصل فيه الاعداد إلي مستوي التحرك الطبيعي بالقوة الكاملة ولا يقتصر التشابه في تأثر حزب الله بالتجربة الماوية علي الدفاع التكتيكي وإنما في المباديء الاستراتيجية لحرب العصابات وهي المبادرة والمرونة والتخطيط للقيام بالعمليات الهجومية في الحرب الدفاعية وفي القيام بالمعارك السريعة في الحرب طويلة المدي ثم في خوض القتال في الخط الخارجي داخل نطاق العمليات التكتيكية واعتمد حزب الله علي تثوير الجماهير لصد التدخل الصهيوني في حين اعتمد علي الكودار المنظمة في الاطاحة بالصهاينة الخط الداخلي ان أهمية الخط الخارجي تتمحور لدي ماو في تعبئة جماهير الشعب وتسليحها وتدريب وحدات العصابات المحلية القادرة علي توسيع القواعد في حرب ممتدة منذ 1982 حتي 2000 لقد كان العمق الشعبي لحزب الله الدافع الرئيسي لنجاح المقاومة وتطوير التجارب السابقة لحرب العصابات القائمة علي مبدأ اضرب واهرب وعبر تشي جيفارا عن هذا التكتيك برفضه المينوريت وهي الهجوم العنيف المباغت ثم الجمود الكلي ويظن الناجون من العدوان ان الأمور عادت إلي حالتها الطبيعية فتصيبهم الضربة الجديدة المفاجئة من ناحية أخري ولا شك ان الضربة المتوقع

هي الشيء المهم ورغم اختلاف التعبيرات عند حزب الله الا ان فكرة المباغته هي العامل المشترك الذي اخذها من جيفارا في استراتيجية التحول إلي الخطط البديلة والوقاية من الأعمال المعادية التي تنص علي ارساء قواعد لتأمين عملية البناء التنظيمي والافلات من ضربات العدو من خلال تقليل الخسائر والانتقال إلي مناطق تبادلية وتنفيذ خطط الانتشار الوقائي.

واستفاد حزب الله وطور من وسائل ما وفي حرب العصابات قدرة الشعب علي الدفاع الذاتي التي تركزت في التدريب وتوسيع المجالات السياسية والصحبة حيث لعب الدفاع الذاتي الفلاحي الذي اتخذ شكل ميلشيا مسلحة دورها كحجر زاوية في صرح قوات التحرير المسلحة ففي هذا الإطار للكفاح حتي الموت لم يكن لدي حزب الله أية مجال للحلول الوسطية أو محاولة اقامة التوازن بين العدو والقوي الشعبية ان أهم ملامح تطور حزب الله هي الوصول إلي استراتيجية تعظيمية قوامها اختيار هدف دحر الاحتلال في الموقف السياسي دون الالتفات إلي واقعية الهدف في المدي القصير التي تسمي بتوازن القوي لأن اختيار الهدف في ظروف الاحتلال يعني المساومة وفقدان مكاسب يمكن الحصول عليها في المدي الطويل وهو ما حقق القصد في النهاية.

ولعل هذا تطويرا عن التجربة الفيتنامية التي اعتمدت الأهمية المتساوية للنضال بين السياسة وحرب العصابات لأن حزب الله كان يستهدف معنويات الاحتلال وضرب موارده الاقتصادية للوصول إلي استراتيجية هجومية انهكت القوي التنظيمية للجيش واثرت علي الرأي العام الإسرائيلي ودفعته إلي التسليم ولم يلتزم حزب الله بتجارب الماركسية السابقة عن حرب العصابات وإنما قام بتطويرها وتطوير تكتيكاته لتناسب نوعية الأرض والأهداف وأسلحة العدو فهو بدأ بالهجمات الانتحارية مستهدفا قوافل وحواجز ومراكز جيش الاحتلال أوميشليا جيش لبنان الجنوبي فرد الإسرائيليون بوضع اجراءات منع بموجبها سكان المنطقة الحدودية المحتلة من التنقل في السيارات منفردين وفرض وجود شخصين علي الأقل داخل السيارة ثم لجأ الحزب إلي نصب الكمائن فقامت مجموعات صغيرة بالتسلل إلي داخل الشريط المحتل ومهاجمة دوريات وحواجز العدو.

وكان من نتائج الاراء تعديل الصهاينة لتكتيكاتهم بتقليل قواتهم النظامية داخل الحزام الأمني واعادوا توزيعها بتخفيف حجم انتشارهم الجغرافي وعهدوا لقوات المظلات الخاصة بالمهام الأمنية إذ ان المظلين مدربون أفضل من المشاة علي حرب العصابات وهو ما دفع بالحزب إلي تطوير تسليحه بالاعتماد علي صواريخ أ. ت - 3 ساغر و أ - ت - 4 سيغوت كورية الصنع وهي صواريخ موجهة سلكيا مداها أكثر من ألفي متر مما الحق اصابات ضخمة ضد الاحتلال.

ورد الصهاينة باسناد دور أكبر للمواكبة الجوية للقوافل وتقليل عدد المراكز الثابتة لجنودهم والقيام بنصب كمائن ليلية للمقاومين وهنا كان رد حزب الله ملائما وسريعا باللجوء إلي تكتيك القصف المركزي والمكثف بمدافع الهاون وصواريخ الكاتيوشا للمواقع الثابتة مما نقل الرعب إلي داخل المركز حيث كان يأمل الجنود الإسرائيليون في الشعور بالأمان بعد ان كانوا منذ فترة بسيطة في دورية يترقبون بخوف انفجار لغم أو صاروخ للدروع بآلياتهم.

وحصل مقاتلو حزب الله علي أجهزة للرؤية الليلية واضافوا عاملا من عوامل المفاجأة بشن هجمات ليلية ضد الإسرائيليين والافلات من الكمائن المضادة للمظليين الإسرائيليين.

ولقد حاول الاحتلال ارهاب اهالي الجنوب واستحداث هوه بين مقاتلي الحزب والسكان عن طريق القصف الانتقامي للمناطق السكنية مقابل الشريط الحدودي فلجأ الحزب إلي القصف المضاد للمستوطنات الصهيونية شمالي فلسطين بالكاتيوشا فكان رد فعل إسرائيل اقرار تفاهم ابريل الذي ينص علي عدم التعرض للمدنيين من الطرفين وولد هذا الامر ثقة مضاعفة لدي المقاومة وزيادة في الارتباط مع أهالي الجنوب وتدبير احتياجاتهم الاجتماعية والعلمية والإنسانية وحمايتهم من الاضرار الإسرائيلية.

خصوصية سرايا الجهاد

في اعقاب مذبحة قانا عام 1996 واستشهاد نجل الأمين العام للحزب في 15 سبتمبر 1997 تدفق مئات الآلاف من اللبنانين والعرب لتقديم واجب المباركة للحزب ووجدت القيادة ان هذا الاجماع لابد من توظيفه في منافذ أخري غير المقاومة الإسلامية فكان قرار إنشاء السرايا اللبنانية للمقاومة التي تحارب إسرائيل دون شرط الإيمان بالقناعات الفكرية لحزب الله وجاء الإعلان بعد عملية نوعية للمقاومة في جبل رفيع جددت الاحتضان الوطني للفكرة كفصيل عسكري هدفه قتال الاحتلال وتحرير الأرض اللبنانية من خلال عدة نتائج هامة:

1- اخرجت السرايا المقاومة من المذهبية الشيعية إلي رحابه الوطنية تحقيقا لمبدأ الاحتفاظ بخصوصية حزب الله وعدم تحويلها إلي عائق يمنع مشاركة غير الشيعيين.

2- قادت الخطوة إلي احراج قوي من أجل مغادرة ترددها لتتواجد في الساحة.

3- أدي نشوء السرايا إلي إضافة مؤسسة جديدة إلي مؤسسات الانصهار الوطني وأكدت رغبة الشباب اللبناني إلي ايجاد وتوسيع القواسم المشتركة بين سائر الطوائف. وبعد مرور عام توالت العمليات الاستشهادية المماثلة حتي عملية الشهيد صلاح غندور الذي تسلل مع مجموعة من رفاقه إلي داخل الشريط المحتل بسيارة تحمل 400 كيلو غرام من المتفجرات وأربع إطارات وبطارية وانقسم المقاومون إلي قسمين الأول يعمل في الصيانة وتجهيز العبوة بينما ينتشر حول المكان القسم الثاني ليحمي اخوانه ويشتبك مع افراد العدو في حال انكشاف أمره وارتدي الشهيد صلاح رداء جندي من جيش لبناني الجنوبي وحين وصلت قافلة العدو المحددة من مقر قيادة اللواء الغربي انطلق الشهيد بسيارته متجاوزا الحاجز اللحدي الذي أومأ له بالتحية علي انه أحد افراده وانقض صلاح بسيارته علي آليات العدو وحول الموقع إلي كتلة نيرانية. والحقيقة ان الاستشهاديين من فئة خاصة ممتحنون في أكثر من مهمة ويتطوعون من تلقاء أنفسهم للعملية الاستشهادية من خلال آلية إدارية تعني بها دائرة الشؤون الإنسانية لحزب الله وعندما تتم الموافقة يخضع الاستشهادي لعدة دورات في الفنون القتالية والقوات الخاصة والحياة في الظروف الصعبة والمتفجرات.

البنية التحتية

المؤسساتية لحزب الله

ويمتلك حزب الله هيكلا اعلامياً مؤثرا متقدما من الناحيتين التكنولوجية والرسالة الإعلامية ويتمثل في تليفزيون المنارة المقرر ان يبث فضائيا في يوليو القادم وإذاعات النور وصوت المستضعفين وصحيفة العهد الاسبوعية ويملك المشرفون عليهارؤية سياسية متطورة تجاه القضايا اللبنانية والعربية ويتوازي وهذا الإعلام ما يسمي بالإعلام العسكري الذي يقوم بتصوير العمليات القتالية للمقاومة ويبثها عبر شاشات التليفزيون مما يحدث اثره لدي الرأي العام المحلي بالإيجاب والإسرائيلي بالسلب هذا إضافة إلي موقع حزب الله علي شبكة الإنترنت وهي كلها أدوات موجهة سياسيا وثقافيا وتخضع لاشراف كوادر مدربة.

وهناك عدة مؤسسات تقوم بالخدمات المختلفة يمكن رصد ابرزها في ستة محاور. المحور الأول: مؤسسة الشهيد المسؤولة عن عائلات شهداء المقاومة والمأسورين بمن فيهم الشهداء المدنيون وتنتشر في معظم المناطق اللبنانية وتتولي الاهتمام بتعليم ابناء الشهداء بالتنسيق مع الاسر وتهتم المؤسسة بحوالي 2000 يتيم منهم 150 في المراحل المهنية والجامعية لتعويضهم عن فقدان العائل الرئيسي ويتمتع الاطفال بمدارس خاصة وأساتذة موالية وأنشطة كشفية ورياضية وترفيهية وللزوجة المسكن ولجان المؤازرة في اطار برنامج دعم الأمومة.المحور الثاني: مستشفي الرسول الاعظم وتقع علي تخوم الضاحية الجنوبية لبيروت المكتظة بالسكان والتي تعاني من اهمال مزمن وتضم المستشفي نحو 200 سرير حسب الاشغال الجارية فيه ولقد نما بسرعة من مستشفي ميداني صغير قبل عشر سنوات يهتم بجرحي الحروب الأهلية إلي مؤسسة عصرية تخدم سنويا حوالي 200 ألف شخص ما بين المعاينة السريعة والعملية الجراحية ويعمل فيه أكثر من مائة طبيب متنوعي الاختصاصات ويقول مدير المستشفي د. أحمد نصر الله ان المرضي متنوعو الانتماء ويدفعون مقابلا رمزيا لأن الطابع عام خيري والعلاج مجاني لكل عوائل الشهداء والاسري، اما الرسوم الاخري فمدروسة لتغطية النفقات ليس الا.

المحور الثالث: مدارس شاهد وهي تقع قبالة المستشفي ومخصصة لأبناء الشهداء والأسر. المحور الرابع: مؤسسة الهيئة الصحية وتقدم هذه المؤسسة رعاية صحية أولية مثل الارشاد والوقاية واقامة دورات في المناطق النائية وتنظيم محاضرات في القري عبر رابط صحي غالبا ما تكون احدي الاخوات المتطوعات وتستفيد الهيئة من هذا الانتشار للاشتراك مع أجهزة الدولة في برامج محددة مثل حملات التلقيح ضد الشلل التي افادت عام 1998 وحده 05 ألف شخص والمسح الصحي للمدارس الرسمية لوضع اختبارات دقيقة لكل طالب وبدأت المؤسسة انشطتها في الـ65 قرية المحاذية للشريط الحدودي المحتل واسفرت عن وضع لوائح مفيدة لكل المقيمين عن فئات دمهم مما سهل المعالجة لدي وقوع الاعتداءات الإسرائيلية ويقول الدكتور عباس حسب الله مسؤول الهيئة الصحية الإسلامية انها تمتلك 21 مستوصفا و 9 مراكز صحية كبيرة و 13 عيادة متجولة في 45 قرية في البقاع و25 قرية في الجنوب وخرجت 360 متطوعا عام 1999 و 119 مسعفا انضموا إلي جهاز واسع للدفاع المدني بالإضافة إلي مستشفي الجنوب في النبطية ومستشفي دار الحكمة في البقاع واستقبلا نحو 200 ألف مريض العام الماضي وتقدم الهيئة تسهيلات صحية للمواطنين واستفاد منها 23 ألف لبناني بمبالغ تجاوزت المليون دولار وتوزعت بين مستفيد من دواء مجاني وبين اجراء عمليات جراحية بالتنسيق مع جمعية الشبان المسيحية والنجدة الشعبية في بعلبك.

وماذا عن المستقبل؟؟

أكدت المقاومة الإسلامية المتمثلة في حزب الله القيمة النضالية للاستشهاد في سبيل الله والوطن واعادت إلي الأمة العربية مصداقية الفعل الثوري القائم علي الإيمان بالجهاد ضد العدو ولذلك فهي لم تدفع سلاحها في وجه ابناء الوطن المسيحين أو الدروز أو السنة ولم تتداخل في الطائفية ولم تتورع عن الاعتراف بالدولة اللبنانية وأولوية بسط سيادتها علي الأرض المحررة من الشريط الحدودي واتضح ذلك في عدة مؤشرات بعد التحرير:

1- حماية القري المسيحية في الجنوب مثل رميش وعين ابل وعلما الشعب وزيارة الكنائس المختلفة للمسيحيين لطمأنة المهجرين منهم علي سلامتهم وعلي رفض الطائفية.

2- تسليم عملاء جيش لبنان الجنوبي الشيعة والمسيحيين علي حد سواء إلي السلطات ورفض القصاص منهم بدعوي الانتقام من عمالتهم لإسرائيل.

3- عدم المطالبة بنصيب في السلطة أو تغيير قواعد الاقتسام الطائفي في لبنان الابعد الانتخابات البرلمانية.

4- رفض تسليم السلاح وخفض صوت المقاومة الابعد زوال الاحتلال من مزارع شبعا بالتنسيق مع الحكومة مع التأكيد بتوظيفه السياسي ضد إسرائيل وحدها.

وتأتي تلك المؤشرات لتعطي المزيد من الضوء علي الطبيعة الحاكمة لمواقف حزب الله المستقبلية فكما يقول العلامة الشيخ محمد حسين فضل الله الذي يعتبره الشيعة المرجع الرئيسي لهم فإن شعار الجمهورية الإسلامية في لبنان قد يكون شعارا ثقافيا فكريا يشير إلي ان الإسلام يمثل حالة سياسية دولية لكن من الصعب جدا ان نفكر بوجود فرصة في تطبيقه لأنه من الممكن ان يتحدث البعض عن اكثرية إسلامية تطغي علي أقلية مسيحية لكن من خلال طبيعة المعادلة الدولية التي تمنع ذلك كما تمنع أي تغيير شامل في لبنان لأية جهة ماركسية أو قومية أو مسيحية أو إسلامية.

وتبقي في النهاية حقيقة ان الوضع الداخلي وطبيعة الموازين في لبنان تؤكد اندماج الحزب في آليات الدولة دون التخلص من الخصوصية ولكن بإرساء مفاهيم جديدة للتعايش السلمي بين الطوائف والمذهبيات المختلفة يرتكز علي قاعدة صلبة من ابداع اشكال جديدة للمقاومة والتعايش.