كيف اخترق حزب الله المزرعة الالكترونية في مزارع شبعا
"الاسرائيليون" يعدون لانتقام هائل بعد المقايضة
المحرر نيوز العدد 265
13-19 تشرين الاول 2000
كيف يصنعون في حزب الله ذاك النوع من الرجال؟
ولقد شوهد يشوع بن نون يهرب من النص حافي القدمين. لعلكم تعلمون ان "الاسرائيليين" حولوا مزارع شبعا إلى مزرعة الكترونية بما تعنيه الكلمة: اجهزة تستطيع ان ترصد حتى دبيب الحشرات، واخرى تحول الليل إلى نهار، واخرى واخرى اكثر تطورا، فهنا نموذج للمعجزة العسكرية "الاسرائيلية"، وكانوا يتوقعون ان يحاول المقاتلون اختراق بوابة فاطمة، او أي بوابة اخرى ابتدعها الاحتلال ايام زمان. لم يكونوا يتصورون ابدا ان هذا يحدث في تلك الممرات البدائية الوعرة والخلابة في آن…
لم يصدقوا في هيئة الاركان ان هذا يحدث. كانت لحظات مجنونة في ارجاء الدولة العبرية، ونائب وزير الدفاع افرام سنيه التقى كبار الضباط في الحال للبحث في الخيارات. كل الخيارات كانت عسكرية في ذلك الوقت. وعندما بردت الرؤوس قريبا تساءل عاموس ملكا، رئيس الاستخبارات العسكرية، ما اذا كان ممكنا شن الحرب ضد … السراب.
خسارة الصورة السحرية
اذا، يحق لزئيف شيف القول ان الجيش "الاسرائيلي" خسر تلك الصورة السحرية التي كانت "جزءا من الخيال السياسي في الدولة" جيش ما ان يقرع الطبول حتى يستسلم العرب زرافات ووحدانا. وكان ان ارييل شارون لم يتردد في القول انه يستطيع ان يصل بدباباته إلى مكة دون ان يسقط جندي واحد. ابدا لم يشعر ان بامكان عربي، ولو ابتعث فيه عنترة بن شداد، ان يقف في وجهه. حتى انه في عام 1982 قال لحاخام اميركي اعترض على اجتياح لبنان: "لولا اصحابك في اميركا لاقمت "اسرائيل" الكبرى في ستة ايام"، عليه ان يستريح يوم السبت كما استراح يهوه ولا يزال.
لا يزال ارييل شارون هو ارييل شارون: "لو كنت على راس الحكومة لما بقي حسن نصرالله على وجه الارض". وقال انه كان سينفذ، ميكانيكيا، ما فعله منذ ثمانية عشر عاما، ولكن بواسطة القاذفات والقذائف هذه المرة حتى يخرج نصرالله ورجاله كما خرج ياسر عرفات ورجاله. مسكين زعيم الليكود. هل تجوز المقارنة بين حسن نصرالله وياسر عرفات؟.
انتقام بعد المقايضة
المسألة اكبر بكثير من ان تكون مجرد مقايضة تقنية بين اسرى واسرى. وراء الاضواء ثمة تهديدات بانتقام هائل بعد انجاز المقايضة، واذا كان هناك من يتحدث عن حالة الغضب داخل الجيش "الاسرائيلي" التي استعان ايهود باراك بالرئيس بيل كلينتون لاخمادها، فالخبراء يتحدثون عن حالة الصدمة: "ان مقاتلي حزب الله يطاردوننا حتى غرف نومنا"، وكان قائد المنطقة الشمالية كابي اشكنازي يعتبر ان أي مجموعة من مقاتلي الحزب تحاول تنفيذ عملية ما في مزارع شبعا ستباد عن بكرة ابيها، فالتضاريس الجغرافية معقدة جدا، والمهاجمون لن يستطيعوا الفرار بالسرعة اللازمة، ولا بد ان تصطادهم الصخور. الذي حصل في ذلك السبت جعل الضباط الكبار يقولون لشاوول موفاز: "اما ان تستقيل انت او يستقيل باراك".
ينبغي ان يسقط رأس ما في تلك اللحظة، لكن المداولات التي جرت على نطاق واسع جعلت رئاسة الحكومة ورئاسة الاركان تتفقان على ضبط النفس لان أي خطوة عصبية قد تفضي إلى الكارثة، هل حقا ما يقال عبر بعض القنوات الديبلوماسية من ان الدولة العبرية كانت على بعد خطوات من الانقلاب العسكري لو لم يعارض ذلك قائدان في سلاح الجو يرتبطان بصداقة شخصية عميقة مع باراك، وهما هددا بمواجهة اي حركة من هذا القبيل لانها تعني بداية النهاية لـ"اسرائيل".
امتعة الحرية
تبعا للاعلام "الاسرائيلي" فان الخبر وصل في الحال إلى عبدالكريم عبيد ومصطفى الديراني وسمير القنطار وانور ياسين ويحيى سكاف وغيرهم وغيرهم. قيل لهم احزموا امتعتكم. اية امتع تحملها الحرية معها…
استنفار في البيت الابيض، في قيادة حلف شمال الاطلسي، في الاتحاد الاوروبي، وبطبيعة الحال في نيويورك. هذه هي لحظة الامم المتحدة، وطار كوفي انا ليفاجأ بايهود باراك يهدد بالحرب الساحقة. قال انه سيضرب القصر الجمهوري في لبنان، وانه سيعيد هذا البلد إلى العصر الحجري، فهل تجرأ انان وقال له : " يا صاحبي ان "اسرائيل" لم تعد سوى دولة من زجاج". يستطيعون تدمير كل الجسور، وكل محطات الكهرباء، وكل مضخات المياه، ولكن ما الجدوى؟ هل شاهدتم مقاتلا من حزب الله يقود قاذفة او يزود قاذفة الصواريخ برؤوس نووية؟
المقاتل الذي يشبه الشجرة، او الريح او الصخرة، او النهر او التلال، ماذا تفعل به الترسانة "الاسرائيلية" اذا كان احد المعاهد البريطانية يقول ان بامكانها ان تدمر تسعين مدينة عربية في يوم واحد على الاكثر؟.
الطريف ان يقول عاموس هرئل في "هآرتس" ان الجيش "الاسرائيلي" كان على علم تام بان حزب الله يزمع تنفيذ عملية اختطاف في جبل دوف. وفي اول الشهر قاد قائد فرقة لبنان الكولونيل موشي كابلينسكي مناورة حول "عملية اختطاف جوية". مساء وضع تقريره بهدوء، وقال ان هذا مستحيل، ولو فكر المسؤولون في حزب الله تنفيذ عملية من هذا القبيل لكان من الطبيعي ان ينقلوا إلى احد مكانين لا ثالث لهما: اما المصح العقلي او المقبرة.
انهيار الجنرال
قيل ان كابلينسكي اصيب بانهيار عصبي عندما افيد بان مقاتلي حزب الله اختطفوا بنيامين ابراهام وعدي ابيتان وعمر سويد. واللافت ليس هنا، لا بل ان هرئل نبه القيادة "الاسرائيلية" إلى ضرورة اتخاذ اعلى درجات الحيطة لان حسن نصرالله يفكر بتنفيذ عملية ثانية لاختطاف "كمية" اخرى من الجنود. ربما يخطط لوضع اليد على كابلينسكي نفسه. والمعلق لم يتردد في التساؤل عما اذا كانت "هذه الحكومة الممزقة لا تزال تملك القبضة فعلا".
ان نكسر هذه العتمة العربية ولو قليلا: اجل، اجل، الحجارة تسقط ايضا على ذاك الزجاج العربي. من جعلنا هكذا غابة من الزجاج؟ وهل ترانا نراهن على تمزق "اسرائيل" ام على خروجنا نحن من هذا الجحيم السياسي؟
كل القرارات تهبط علينا من اعلى. اين الناس؟ الجواب ياتي من اعلى ايضا. هل يتركون لنا فرصة وحيدة لنقول لهم ان بامكاننا، وبالاطفال الذين يحترقون في رام الله، كما في نابلس ورفح وام الفحم وحيفا، تفكيك الامبراطورية التي ينفخ فيها الهولوكوست وقد جعلوه على قياسهم: حدثت التوأمة الفذة بين شبعا والناصرة. هذا هو ما فعله حزب الله حتى في استنفاره الاعلامي الاخير: جعل الناس في كل تلك القارة الي تحكمها شرطة مكافحة الشغب (من فضلكم انزعوا النقطة من فوق حرف العين) يشعرون بانهم الناس. فجأة يضيع الجنرالات، يهددون، يتوعدون، تخرق طائراتهم جدار الصوت. يبقى الصوت. انه صوت الحجارة عندما تصبح الناطق الرسمي باسم الامة.
اخطر رجل في العالم
هل تراهم يتركون حسن نصرالله يقود كل تلك النيران، النيران البشرية اياها؟ في واشنطن كما في تل ابيب يعقدون الاجتماعات السرية والمشتركة للبحث في مصير الرجل. آخر وصف له "انه اخطر رجل في العالم". نصحهم مارتن انديك الذي وضع كل اسرار وزارة الخارجية، وحتى اسرار البيت الابيض، تحت تصرف الاستخبارات "الاسرائيلية"، بتصفيته منذ سنوات. قال لهم ان هذا الرجل يوقظ النيام الواحد تلو الاخر. حاولوا وفشلوا، وها ان جيسي هيلمز يتهمهم بمغازلة نصرالله "خوفا من غضبه".
الان يشعرون بالخطر. رأس حسن نصرالله هو الرأس الذهبي. لكن هناك من يأتي ليقول لهم: "اذا ما تخلصتم منه فعلا، فالحرب ستنتقل إلى عقر داركم". اذا لتبق الحرب داخل حدودها، كيف يمكن ان يحدث هذا، فـ"الاسرائيليون" يقولون ان حزب الله هو الذي يقود المنطقة الان، واعلامه ترفرف في غزة كما في طولكرم، كا يقولون ان العرب في كل مكان يستمعون إلى حسن نصرالله كما لو انهم يستمعون إلى الخلاص. ظهرت صورته في احد منازل الخرطوم، وفي صنعاء، وفي نواكشوط، تصورا ان يحدث هذا. تلك المقاومة التي جعلت العرب يكتشفون ان الفينيق الذي آثر ان يبقى طويلا ضيفا على الرماد، بدأ رحلة العودة.
مؤسسة الجنازير
من تراه يصدق ان شاوول موفاز يأمر باطلاق النار على الفينيق. يحق للـ"اسرائيليين" ان يصابوا بكل ذلك الهذيان؟
كل تلك الاصابع المشتعلة تدق على باب القمة: هل تسمعوننا؟ من يستطيع ان يقفل اذنيه (وقلبه) الان. ولكن لنحذر، فالمؤسسة اليهودية في حال استنفار كامل، فيما تربط المؤسسة العربية بالجنازير. الصور تقول هذا. الحقيقة تقول هذا. هل شاهدتم النار وهي تندلع في الغابات؟ وكان الرجال هم الريح.