الوضع القانوني للمقاومة ضد الاحتلال "الاسرائيلي" في ضوء القانون الدولي الانساني المعاصر

د. صلاح الدين عامر

رئيس قسم القانون الدولي ـ جامعة القاهرة

كراس صادر عن الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان


تمهيد وتقسيم

اثارت وتثير الاعتداءات "الإسرائيلية" ضد لبنان استنكار واستهجان الرأي العام العالمي، نظرا لما تنطوي عليه تلك الاعتداءات من مجازر بشعة (وخاصة مذبحة قانا) .

واذا كانت الاعتداءات "الاسرائيلية" تثير ابعادا متعددة يأتي في مقدمتها وجوب انهاء الاحتلال "الاسرائيلي" وانسحاب "اسرائيل" من الاراضي المحتلة في الجنوب اللبناني ، ووجوب حماية المدنيين، والزام "اسرائيل" باداء تعويضات عن الاضرار الفادحة البشرية والمادية التي نجمت عن عملياتها العسكرية غير المسؤولة ضد المدنيين المسالمين ، فان واحدة من ابرز المسائل التي اثارتها الاعتداءات المتكررة هي التساؤل؟ عن مدى حق المدنيين فيمقاومةةالاحتلالل" الاسرائيل"ي لقطاع من الاراضي اللبنانية في الجنوب.

 

فلقد كانت المقاومة الشعبية المسلحة ضد الاعداء من ابرز ظواهر تاريخ الشعوب والامم التي كتب لها البقاء، فلئن كانت مهنة الحرب واحدة من اقدم المهن التي عرفا الانسان، فان مساهمة المدنيين -- خارج نطاق الاشكال الاولىللجيوشش النظامية - في اعمال الحربظاهرة تتستوقف النظر منذ اقدم العصور، فالازمن القديمة لم تعرف تفرقة دقيقة بيمن المقاتلين وغيرهم من المدنيين، حيث كان الجميع يهبون الى السلاح دفاعاعن ارض الوطن عندما ترتفع صيحات الاحرب، بوصف انهم يسلقون اسوأمصيرر اذا ما كتبت الغلبة للاعداء.

 

واذا كانالتقدمم وضرورات تقسم العمل، قد اديا الى ضرورة قصر مهنة الحرب على فريق منالأفرادد الذي يسهرون على حماية امن الجماعة بيما ينصرف الباقون الى انتاج متطلبات استمرار الحياة لكافة افرادها - وهنا تكمن جذور التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين - فان المناسبات التاريخية قد اثبتت دائما ان المدنيين كثيرا ما يشاركون في اعمال الحرب عندما تتعرض اوطانهم لخطر غزوها او احتلال اقاليمها من جانب الاعداء حتى في ظل تلك التفرقة المستقرة بين المقاتلين وبين غيرهم من المدنيين المسالمين.

ولئن كانت مساهمة المدنيين في تسيير عمليات القتال دفاعا من ارض الاباء والاجداد - المقاومة الشعبية المسلحة - قد اكتسبت اهمية كبيرة منذ اقدم العصور، فان اهميتها قد تعاظمت في الآونة الاخيرة، وخاصة اثناء الحر ب العالمية الثانية وفي الفترة اللاحقة عليها. وعلى الرغم من المشاكل القانونية الدقيقة التي تثيرها تلك الظاهرة، فانها لم تلق اهتماما كافيا من المشتغلين بدراسات القانون الدولي ، وهو ما ادى الى قصور المعالجة القانونية لها وغموضها في كثير من الاحوال.

واذا كنا لا نستطيع ان نتناول كافة الابعاد التي تثيرها هذه الظاهرة الهامة من الناحية القانونية فاننا نكتفي في هذه الورقة بمحاولة تحديد المقصود بالمقاومة الشعبية المسلحة ، وتحديد الوضع القانوني والحماية التي يقدمها القانون للافراد الذي يشتركون فيها.

 

اولا : تعريف المقاومة الشعبية المسلحة

يمكن تعريف المقاومة الشعبية المسلحة بانها عمليات القتال التي تقوم بها عناصر وطنية من غير افراد القوات المسلحة النظامية - دفاعا عن المصالح الوطنية او القومية ضد قوى اجنبية سواء كانت تلك العناصر تعمل في اطار تنظيم ، يخضع لاشراف وتوجيه سلطة قانونية او واقعية ، او كانت تعمل بناء على مبادرتها الخاصة، سواء باشرت هذا النشاط فوق الاقليم الوطني ، او من قواعد خارج هذا الاقليم.

 

1- المقومات الاساسية للمقاومة الشعبية المسلحة

هذا التعريف يبرز المقومات الاساسية المقاومة الشعبية المسلحة، وهي بتبسيط شديد، نشاط شعبي، بالقوة المسلحة، ضد قوى اجنبية، بدافع وطني.

 

أ - النشاط الشعبي:

لقد اصبحت الحرب اليوم  - ومنذ ما يقرب من قرن من الزمان - تصيب اعدادا غير قليلة من البشر، وادى تطور مبدأ الوطنية والافكار الديموقراطية الى تزايد اعداد المدنيين الذي يشتبكون في الحرب، وعلى الرغم من ان قانون الحرب يعرف التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين - والتي تعتبر واحدة من اعظم انتصاراته - فان هذه التفرقة اصبحت اقل وضوحا، فالمدنيون الذين ليسوا افرادا في القوات المسلحة النظامية، يشتركون بدور يتزايد شيئا فشيئا في العمليات العسكرية، ويتأثرون بالقاء القنابل وبالحصار الاقتصادي.

ولئن كان اشتراك المدنيين بدور متزايد، في الحروب الحديثة، قد اصبح امرا ملموسا ويكاد يكون مسلما به من الكافة، فان دورهم في المقاومة الشعبية المسلحة، لا يمكن ان يكون محلا للانكار، ولكن ما الذي نقصده بالشعب في هذا المجال؟ هل يمكن ان يكون المقصود بالشعب هنا مجموعة الافراد الذي يرتبطون بالدولة، بروابط سياسية وقانونية، ويلتزمون نحوها بالخضوع في مقابل تمتعهم بحمايتها؟ ان تحديد الشعب على هذا النحو، انما يتم عند النظر اليه بوصفه عنصرا في تكوين الدولة واذا كانت حركات المقاومة الشعبية المسلحة كثيرا ما تجري في حالة لا يكون فيها ثمة وجود للدولة بالمعنى القانوني المعروف - فقد تجري المقاومة بهدف انشاء دولة - فاننا لا يمكن ان نقتصر على ذلك المدلول القانوني للشعب، فالشعب الذي يقوم بالمقاومة المسلحة يشمل الشعب بمعناه القانوني المعروف ويمتد الى جماعة الشعب دون دولة، او جماعة الشعب التي تمتد الى ابعد من الدولة. فوجود الشعب سابق بالضرورة على وجود الدولة، واذا امكن ان نتصور شعبا بلا دولة - والامثلة على ذلك قائمة - فاننا لا نتصور دولة بلا شعب.

وعلى الرغم من الخلاف الذي يثيره تفسير كلمة الشعب في فقه القانون الدولي العام، وخاصة عند دراسة تقرير المصير، والذي نصت المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة على حق الشعوب فيه. فاننا نرى الاخذ بمفهوم افراد الجماعة الاقليمية الذي يرتبطون بمجموعة من الروابط العامة المشتركة من تاريخ ولغة وتقاليد وعادات مشتركة، ويتطلعون الى مصير ومستقبل واحد، عند تحديد الشعب الذي يكون له ممارسة المقاومة المسلحة.

ومن البديهي ان النشاط الذي يقوم به افراد القوات المسلحة ضد عدو اجنبي، لا يعتبر من قبيل المقاومة الشعبية المسلحة، ورغم كون افراد القوات المسلحة من ابناء الشعب، ذلك ان القوات المسلحة، قوات نظامية، تتبع الدولة ولا يعتبر العمل الحربي الذي تقوم به لصد عدو اجنبي من قبيل المقاومة الشعبية المسلحة بل هو ممارسة للحرب بالمعنى التقليدي المتعارف عليه.

وواضح أيضا انه لا يتصور اشتراط ان يقوم الشعب عن بكرة ابيه بالاشتراك في المقاومة المسلحة حتى يتحقق لها الطابع الشعبي، وانما يتحقق للمقاومة المسلحة هذا الطابع الشعبي، عندما تجريها عناصر من الشعب بمعناه المتقدم. ولكن يلزم بطبيعة الحال ان يتعاطف الشعب في مجموعه، مع تلك العناصر التي تقوم باجراء المقاومة ، وان يقدم لاولئك الافراد من ابنائه الذي اخذوا على عاتقهم هذا الواجب، كل دعم ومساعدة، فيقدم لهم الامداد ويحميهم، والواقع ان هذا التعاطف الشعبي مع القائمين بالمقاومة المسلحة شرط اساسي من شروط قيامها وبقائها ونجاحها في النهاية في تحقيق اهدافها.

 

ب - استخدام القوة المسلحة:

كما يعد استخدام القوة المسلحة ، احد العناصر الرئيسية لقيام المقاومة الشعبية المسلحة، والمقصود باستخدام القوة المسلحة، مباشرة القتال ضد العدو الذي تجري ضده المقاومة وغالبا ما يستخدم افراد المقاومة، اسلوب - حرب ال مجموعات الصغيرة guerrilla tactics - في قتالها ضد العدو الذي تشتبك معه.

وقد اثبتت تجارب الحرب العالمية الثانية، فعالية اعمال التخريب Sabotage ، التي تقوم بها حركات المقاومة الشعبية المسلحة، في اقليم محتل، وما تمثله من تهديد مستمر للسلطة القائمة بالاحتلال وهو الامر الذي اثار النقاش حول مدى حق القائمين بالمقاومة الشعبية المسلحة في اتيان مثل هذه الاعمال. وقد اصبح من المسلم به اليوم انه للمقاومين بوصفهم مقاتلين قانونيين - اذا ما توافرت لديهم الشروط المقررة في قانون الحرب لاكتساب هذا الوصف - القيام باعمال التخريب المشروعة التي يباح لافراد الجيوش النظامية اتيانها طبقا للعرف المعمول به في نطاق قانون الحرب.

واذا كان استخدام القوة المسلحة، ومباشرة نوع من عمليات القتال، احد السمات الرئيسية للمقاومة الشعبية المسلحة، بالمفهوم المتقدم، فانها تتميز ولا شك عن المقاومة المدنية civil resistance   او المقاومة بغير عنف. فهذا النوع الاخير من المقاومة لا يتم باستخدام القوة المسلحة، واعمال العنف.

 

ج- القوى التي تجري ضدها المقاومة؟ :

 تنشأ المقاومة الشعبية المسلحة، كرد فعل واستجابة غريزية من جانب الشعب ازاء موقف معين ، يكون فيه مصير الوطن، ارض الاباء والاجداد، معرضا للخطر من جانب عدو اجنبي تقوم جيوشه بغزو البلاد، او بشن حرب عدوانية عليها، او يحول دون تحقيق اماني الشعب في الاستقلال، فيهب فريق من افراد  الشعب الى السلاح تلقائيا، او في إطار تنظيم او تنظيمات معينة، للدفاع عن ارض الوطن، والذود عنها، او للحصول على الاستقلال وتحقيق الاماني الوطنية. ومن هنا فان المقاومة الشعبية المسلحة يجب ان تجري دائما ضد عدو اجنبي.

والمقاومة الشعبية المسلحة تختلف بذلك عن الحرب الاهلية التي تؤكد عندما يلجأ طرفان متضادات الى السلاح في داخل الدولة بقصد الوصول لأي السلطة، او عندما تقوم نسبة كبيرة من المواطنين في دولة ما بحمل السلاح ضد الحكومة الشرعية في تلك الدولة. وهي تختلف من هذه الزاوية ايضا عن حروب الانفصال التي يقوم بها المواطنون في اقليم من الاقاليم ضد الدولة الام للانفصال عنها وتكوين دولة جديدة.

 

د- الدافع الوطني:

يعد الدافع الوطني من ابرز الخصائص واظهر المميزات، التي تتسم بها المقاومة الشعبية المسلحة، فافراد المقاومة انما يلجأون الى السلاح بدافع من مشاعرهم الوطنية، دفاعا عن ارض الأباء والاجداد ضد العدوان الخارجي، او من اجل تخليص تلك الارض من براثن الاحتلال الحربي او الاستعمار وهم يتحملون من اجل ذلك كثيرا من الصعاب. ويركبون المخاطر ، ويلقون العنت والاضطهاد، ويقدمون ارواحهم ذاتها فداءا لاوطانهم، ويبذلون دماءهم دليلا وبرهانا على وطنيتهم، لذلك فان اعمال المقاومة الشعبية المسلحة ينظر اليها دائما في ضوء هذه الاغراض النبيلة، والاهداف السامية المجردة، وكانت تلك المبادىء والمثل العليا، التي تكمن دائما وراء المقاومة الشعبية المسلحة، دافعا لاسباغ حماية قانون الحرب على اولئك الافراد استثناء من القواعد العامة في قانون الحرب، التي تجعله قاصرا على عمليات القتال التي تمثل حربا بالمعنى الدقيق، والتي تقوم بها قوات مسلحة نظامية.

واذا كان الدافع الوطني على هذا النحو، هو احد الخصائص المميزة للمقاومة الشعبية المسلحة، فانه يعد معيارا لتمييزها عن اعمال العنف والقتال التي قد تقوم بها طائفة من الافراد بقصد السلب، والحصول على مغانم خاصة بأفرادها. حتى ولو جاءت تلك الاعمال ضد عدو اجنبي. وهو ما يميزها ايضا عن تلك العمليات الحربية التي قوم بها جماعات من الافراد المسلحين، ضد دول اجنبية، خدمة لاغراض سياسية لاحد الحكام السابقين لتلك الدولة او لاحد الاحزاب السياسية فيها. فالدافع الذي يحرك مثل هذه الاعمال، ان كان سياسيا، فانه يجري لصالح فرد او فئة. اما الدافع الوطني - وهو دافع سياسي في المقاوم الاول ايضا - الذي يحرك المقاومة، فانه يتردد مع المصلحة الوطنية المجردة وجودا وعدما.

 

ثانيا : الوضع القانوني للمقاومة الشعبية المسلحة بوجه عام

1- وصف المقاتل القانوني

كانت مسألة تحديد اولئك الذي يكون لهم اكتساب وصف المقاتل القانوني ، - وما يرتبه هذا الوصف من الحق في الحاق الاذى بالعدو ، وكتساب الحق في المعاملة كأسرى حرب حالة الوقوع في ايدي الاعداء -  واحدة من ادق مشاكل قانون الحرب التقليدي واثارت كثيرا من النقاش خلال المؤتمرات الدولية الخاصة بتقنين عادات واعراف الحرب، وخاصة في مؤتمرات بروكسل عام 1874 ، ولاهاي عام 1899 ، 1907 . ولئن كان من السهل الاتفاق حول توافر ذلك الوصف لافراد الجيوش النظامية التي يمتهن ضباطها وجنودها حمل السلاح في اطار النظم الخاصة بجيش يتبع الدولة، فان الامر لم يكن كذلك بالنسبة لافراد الشعب المدني الذي يهبون الى حمل السلاح دفاعا عن اوطانهم ، في تلك الساعات الحالكة من تاريخا، حينما تجتاح اقاليمها جيوش الغزو او تتأسس فيها سلطات الاحتلال. وسواء اتخذت تلك المقاومة شكل الهبات الجماعية الجماهيرية التلقائية، او شكل المقاومة الشعبية المنظمة، فهنا يمكن القول باكتساب افراد المقاومة لوصف المقاتل القانوني، بحيث يكون لهم الحق قانونا في الحاق الاذى بالاعداء، والتمتع بوصف اسرى الحرب حال وقوعهم في قبضة العدو القائم بالغزو او سلطات الاحتلال ، وما هي الشروط التي يجب توافرها للتسليم لهم بوصف المقاتل القانوني؟

لقد كان موضوع المقاومة الشعبية المسلحة ضد الغزو والاحتلال من ابرز المسائل التي احتدم حولها الجدل والنقاش طويلا في مؤتمرات بروكسل عام 1874 ، ولاهاي في 1899 ، 1907 وبدا واضحا انقسام الدول بين معسكرين، معسكر الدول الصغيرة التي دافع ممثلوها عن مذهبهم القائل بوجوب اطلاق حق الشعب المدني في المشاركة في الدفاع عن الوطن، وممارسة المقاومة الشعبية المسلحة التي نظر اليها بوصفها واجبا مقدسا، والعمل على تحرير هذا الحق من كل القيود، وقد كان من ابرز الحجج التي سيقت في هذا الصدد انه اذا جرى حصر إمكانية ممارسة الحرب في شكل واحد هو الحرب التي تجري بين الجيوش النظامية، فان الامور ستجري دائما ضد مصلحة الدول الصغيرة، لانه عندما تقوم الدول باعداد كل قواتها من اجل حرب نظامية ، فان الغلبة ستكون حتما للدول الكبيرة ذات الامكانيات البشرية والمادية الضخمة، وذلك هو ما يدعو بصفة خاصة الى المحافظة على المشاعر الوطنية ورعايتها، تلك المشاعر التي تصنع البطولات التي يزخر بها تاريخ كل الشعوب. بينما دافع ممثلو القوى العسكرية الكبرى عن مصالح دولهم التي كان من صالحها حصر الحرب في نطاق الجيوش النظامية لتجنب جيوشها الغازية او القائمة بالاحتلال في حروب مقالة مخاطر المقاومة الشعبية المسلحة التي تحميها قواعد القانون الدولي.

وتوفيقا بين هذين المذهبين المتعارضين تم التوصل - بعد جهود مضنية - الى اقرار نص المادتين الاولى والثانية من لائحة لاهاي الخاصة بقوانين واعراف الحروب البرية، فجاء في المادة الاولى "قوانين الحرب بما يترتب عليها من حقوق وواجبات لا تطبق فقط على الجيوش ، وانما ايضا على الميليشيا وفرق المتطوعين التي تتوفر لديها الشروط التالية:

1- ان تكون تحت قيادة شخص مسؤول عن مرؤوسيه.

2- ان تكون لها علامة مميزة يمكن تمييزها عن بعد.

3- ان تحمل اسلحة بشكل ظاهر.

4- ان تقوم بعملياتها الحربية طبقا لقوانين وتقاليد الحرب.

وفي البلاد التي تعتبر فيها الميليشيا والمتطوعين جزءا من الجيش، فانها تندرج في اصطلاح الجيش".

كما جاء في المادة الثانية " ان شعب الاقليم غير المحتل الذي يهب تلقائيا الى حمل السلاح عند اقتراب العدو لقتال قوات الغزو، دون ان يتوافر لديه الوقت الكافي للتنظيم وفقا للمادة الاولى يعتبرون كمحاربين اذا احترموا قوانين واعراف الحرب".

وهكذا اتسمت النظرة التقليدية للمقاومة الشعبية المسلحة بالقسوة والتشدد، وقامت على اساس فهم ضيق ومتشدد للدور الذي يمكن للمدنيين القيام به، دفاعا عن ارض الوطن في مواجهة الغزو او الاحتلال، ووقع ذلك الفقه التقليدي في التناقض عندما راح يتحدث عن البواعث الانسانية التي تكمن وراء مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغيرهم من المدنيين المسالمين، متجاهلا ان الوطنية هي انبل المشاعر الانسانية واقدسها على الاطلاق، وان تلك البواعث الانسانية بذاتها كانت توجب في الواقع اضفاء حماية قانون الحرب على اولئك الذي يهبون الى حمل السلاح، دفاعا عن أوطانهم بدافع من مشاعر الوفاء والولاء نحو الوطن.

وعلى الرغم من ان اتفاقيات جنيف لسنة 1949 قد وضعت في اعقاب الحرب العالمية الثانية ، التي لعبت المقاومة الشعبية المسلحة خلالها دورا هاما، وحظي افرادها بالتعاطف والتقدير، فانها فيما عدا الاعتراف صراحة بالمقاومة المنظمة ضد سلطات الاحتلال داخل الاقليم أو خارجه، قد اخذت بنصوص مشابهة لنصوص لائحة لاهاي بشأن المقاومة الشعبية المسلحة، وجرى تحديد الوصف القانوني للمقاتل عند الحديث عن اولئك الذي يكون لهم اكتساب وصف اسرى الحرب. قد جاء في المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة اسرى الحرب " اولا : اسرى الحرب بالمعنى المقصود بهذه الاتفاقية هم الافراد الذين يتبعون احدى الفئات الاتية يقعون في ايدي العدو:

1- …………………………….

2- افراد الميليشيا الاخرى وافراد الوحدات المتطوعة الاخرى بما في ذلك الذي يقومون بحركات مقاومة نظامية ويتبعون احد اطراف النزاع ويعملون داخل او خارج اراضيهم حتى  ولو كانت هذه الاراضي محتلة ، بشرط ان تتوافر في هذه الميليشيا او الوحدات المتطوعة بما فيها تلك المقاومات المنظمة الشروط الاتية :

أ - ان تكون تحت قيادة شخص مسؤول عن مرؤوسيه.

ب - ان تكون لها علامة مميزة يمكن تمييزها عن بعد.

ج - ان تحمل اسلحتها بشكل ظاهر.

د_  ان تقوم بعملياتها الحربية طبقا لقوانين وتقاليد الحرب.

 

3- سكان الاراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح باختيارهم عند اقتراب العدو لمقاومة  القوات الغازية دون ان يكون لديهم الوقت الكافي لتشكيل انفسهم في وحدات نظامية مسلحة بشرط ان يحملوا السلاح بشكل واضح وان يحترموا قوانين وتقاليد الحرب".

وقد شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عددا هائلا من حروب المقاومة الشعبية المسلحة، التي مارستها شعوب عديدة من اجل التخلص من الاستعمار، وممارسة الحق في تقرير المصير، حتى بدا الصراع بين حركات التحرر وسلطات الاستعمار من ابرز ظواهر الازمنة الحديثة.

وليس ثمة شك في ان الوضع القانوني الذي تقدمه اتفاقيات جنيف للمقاومة الشعبية المسلحة بصفة عامة، والمقاومة في مواجهة سلطات الاستعمار بصفة خاصة لم يكن مرضيا، حيث جرى الفقه الدولي في ظل اتفاقيات جنيف على التفرقة بين نوعين من المقاومة، المقاومة التي تتم في اطار نزاع مسلح دولي، وهي المقاومة التي تحميها قواعد القانون الدولي، ومقاومة تجري في اطار نزاع مسلح غير ذي طابع دولي، وهذه لا تطبق بشأنها الا المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف الاربع وهو ما كان يثير انتقادات مريرة، ويتناقض مع المبادئ القانونية الجديدة التي اكدها ميثاق الامم المتحدة وما تلاه من وثائق، واهمها مبدأ الحق في تقرير المصير، وتحريم حروب العدوان وضمان حقوق الانسان، هو ما حدا بجانب من الفقه الى التطلع الى قواعد جديدة تكفل تحقيق التواؤم مع الواقع الدولي الجديد وتواكب متغيراته.

ومن هنا كان طبيعيا ان تحتل المقاومة الشعبية المسلحة موضع الصدارة بين المشاكل القانونية التي حظيت بالاهتمام ، خلال الجهود الدولية المعاصرة التي استهدفت العمل على انماء وتطوير القانون الدولي الانساني المطبق على النزاعات المسلحة .

 

2- التطورات الحديثة

حفل الواقع الدولي بمتغيرات عديدة في اعقاب توقيع اتفاقيات جنيف، واستقرت بعض المبادئ القانونية التي ترجع بجذورها الى ما قبل هذا التاريخ، وبدت اكثر وضوحا بقدر ما اصابها من التطور والنمو، ويكفي ان نشير على سبيل المثال في هذا الصدد الى القضاء على الدولة في شن الحرب وتحريم حرب العدوان ، واستقرار مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وقد تزايدت الاصوات الداعية الى وجوب اضفاء مزيد من الحماية على افراد المقاومة الشعبية المسلحة ضد سلطات الاحتلال، ولفت البعض الانتباه الى ان الزام افراد المقاومة بالشروط الاربعة الموروثة من مؤتمر لاهاي في مطلع القرن الحالي يعني اننا نضع افراد المقاومة تحت رحمة جيش الاحتلال، ومن هنا فان من المتعين التخفيف من تلك الشروط والسماح لافراد المقاومة بالتخفي في الاحوال التي يسمح فيها لافراد الجيوش النظامية بالتخفي ايضا، مع المحافظة على التزام الجميع بضرورة احترام قوانين واعراف الحرب بوصف ان مثل هذا الالتزام هو الذي يضمن التقليل من وحشية عمليات القتال من جانب جميع الاطراف.

وقد كانت دورات مؤتمرات جنيف الدبلوماسي للعمل على انماء وتطوير قواعد القانون الدولي الانساني المطبق على النزاعات المسلحة، والتي عقدت في جنيف في الفترة من عام 1974 حتى عام 1977 - والذي توج باقرار بروتوكولين اضافيين لاتفاقيات جنيف لعام 1949 تم التوقيع عليها في 10 حزيران - يونيو - 1977 - مناسبة لطرح هذه الدعوات والآراء وقد تبنى المؤتمر في البروتوكول الاول الرغبة الدولية العارمة في وجوب توفير قدر اكبر من حماية القانون الدولي للمقاتلين من اجل الحرية حيث جاء في المادة الاولى من البروتوكول ، الملحق الاول:

"3- ينطبق هذا الملحق - البروتوكول - الذي يكمل اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحرب الموقعة بتاريخ 12 اب - اغسطس - 1949 على الاوضاع التي نصت عليها المادة الثانية المشتركة فيما بين هذه الاتفاقيات.

4- تتضمن الاوضاع المشار اليها في الفقرة السابقة، المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الانظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير، كما كرسه ميثاق الامم المتحدة والاعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة للعلاقات الدولية والتعاون بين الدول طبقا لميثاق الامم المتحدة".

وهو ما يعني في بساطة اعتبار النزاعات المسلحة الناجمة عن نشاط حركات التحرير بمثابة نزاعات مسلحة دولية، يطبق عليها البروتوكول - الملحق - الاول وقانون النزاعات المسلحة في مجموعة، ومن ناحية اخرى فان المواد 43 ، وما بعدمه من البروتوكول - الملحق - الاول قد انطوت اعل نظرة تتسم بالحداثة والتيسير ازاء افراد المقاومة، فهي قد اعتبرت - بموجب المادة ى43/- افراد المقاومة النظامية مندرجين في مفهوم القوات المسلحة، حيث نصت المادة 143/- من البروتوكول الاول على ان "تتكون القوات المسلحة لطرف النزاع من كافة القوات المسلحة والمجموعات 1والوحدا النظامية التي تكون تحت قيادة مسؤولة عن سلوك مرؤوسيها قبل ذلك للطرف حتى ولو كان ذلك الطرف ممثلا بحكومة او بسلطة لا يعترف بها الخصم. ويجب ان تخضع مثل هذه القوات لنظام داخلي يكفل اتباع قواعد القانون الدولي التي تطبق في النزاع المسلح".

ثم قضت المادة -44- من البروتوكول الاول على ان :

"1- يعد كل مقاتل ممن وصفتهم المادة -43 - اسير حرب اذا ما وقع في قبضة الخصم .

2- يلتزم جميع المقاتلين بقواعد القانون الدولي التي تطبق في المنازعات المسلحة بيد ان مخالفة هذه الاحكام لا تحرم المقاتتل حقه في ان يعد مقاتلا ، او ا يكون اسير حرب اذا ما وقع في قبضة الخصم، وذلك باستثناء ما تنص عليه الفقرتان الثالثة والرابعة من هذه المادة.

3- يلتزم المقاتلون، ازكاء لحماية نالمدنيي ضد اثار الاعمال العدائية ، ان نيميزو انفسهم عن السكان المدنيين اثااء اشتباكهم في هجوم نأ في عملية عسكرية تجهز وللهجو. اما وهناك من مواقف المنازعات المسلحة ما لا يملك فيها المقاتل المسلح ان يميز نفسه على النحو المرغوب ، فانه يبقى عندئذ محتفظا بوضعه كمقاتل شريطة ان يحمل سلاحه علنا في مثل هذه المواقف:

أ - اثناء اي اشتباك عسكري.

ب - طوال ذلك الوقت الذي يبقى خلاله مرئيا للخصم على مدى البصر اثناء انشغاله بتوزيع القوات في مواقعها استعدادا للقتال قبيل شن هجوم عليه ان يشارك فيه.

ولا يجوز ان تعتبر الافعال التي تطابق شروط هذه الفقرة من قبيل الغدر في معنى الفقرة الاولى (ج) من المادة 37 .

……………….".

3- وسائل المقاومة واساليبها "مشكلة الارهاب"

تميزت حروب مالمقاوم منذ اقدم العصور باستخدام اساليب خاصة في قتالها، وكان اسلوب حرب المجموعات الصغيرة، وهو ابرز تلك الاساليب والذي يرجع اليه في الواقع اصل اصطلاح guerrilla ، وهو الامر الذي كان الفقه التقليدي يسلم به في جملته، بسبب الظروف الخاصة التي تجري فيها المقاومة الشعبية المسلحة ضد عدو متفوق من الناحية العسكرية والمادية في غالب الاحوال، بيد ان التسليم بتلك الاساليب كان يجري دائما على اساس من تشبيهها باساليب الجيوش النظامية، وبعبارة اخرى فانه لم يكن من ةالمسمو للمقاومة ان تلجأ الى اساليب يحرم على الجيوش النظامية اللجوء اليهاح، فكان من المسلم به في ظل النرية التقليدية مثلا ان افراد المقاومة اذا ما توافرت لديهم الشروط المقررة لاكتساب وصف المقاتلين القانونيين ارتكاب عمال التخريب التي يجوز لافراد الجيوش النظامية اتيانها. ولم يكن يسمح لافراد المقاومة بالاظتجاء الى اساليب لا يجوز للجيوش النظامية اتيانها باي حال من الاحوال.

وكشفت تجارب الحرب العالمية الثانية وما تلاها عن اتجاه متزايد من جانب حركات المقاومة الى استخدام لأسالي تختلف عن اساليب القتال المألوفة بين الجيوش النظامية، فلقد ادى اختلال توازن القوى على نحو فادح بين مجموعات المقاومة من ناحية، وبين البدو الذي تجري ضده المقاومة من ناحية اخرى، الى لجوء تلك المجموعات في غالب الاحوال الى ما اصبح يعرف اليوم باساليب الارهاب terrorism ، بل لقد امتد اثر مثل تلك الاساليب الى المساس بسلامة المدنيين الابرياء او حياتهم في الكثير من الاحوال، وعرفت السنوات الاخيرة بوجه خاص تصاعد مد هذه الاساليب، ولئن كانت السنوات الاخيرة بذاتها قد شهدت نشاطا متزايدا ومتصلا بهدف صياغة النظرية الحديثة للمقاومة الشععبية في شكل قواعد دولية مكتوب. وذلك في اطار تطوير قواعد قانون النزاعات المسلحة، فلقد كان طبيعيا ان يكثر الجدل والنقاش حول المشاكل القانونية البالغة التعقيد التي تثيرها هذه الأساليب.

وإذا كانت النظرية الحديثة تسبغ وصف الشرعية الدولية على المقاومة في مفهومها الواسع ، وتستهدف تحقيق الحماية الواسعة لافرادها في ظل ادنى حد مستطاع من الشروط، فان من المفهوم، والمسلم به ضمنا في ظل هذه ةالنظرية الحديث ان للمقاومة ان تعمل على تحقيق اهدافها المشروعة بكافة الوسائل والاساليب العسكرية المتاحة لها، طالما كانت تلك الوسائل والاساليب لا تنطوي على مخالفة ةلمباد قوانين واعراف الحرب، وهو الشرط الذي بقي اساسا لمنح افراد المقاومة وصف المقاتلين القانونيين.

 

4- حماية المدنيين اثناء حروب المقاومة

يعد مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين - رغم ما تعرض له من اضطراب - بمثابة الاساس الذي يقوم عليه القانون الدولي الانساني. وتمثل حروب المقاومة ذروة التحدي لذلك ئالمبد حيث يتعرض المدنيون خلالها لاخطار فادحة. فافراد المقاومة غالبا ما يقومون أبالاختفا وسط المدنيين، الذي تعد ءسمندتهم وتأييدهم للمقاومة بمثابة اهم عناصر نجاحها وفعاليتها، فمنهم يحصل افراد المقاومة على المؤن والمعلومات والافراد الجدد الذي ينخرطون في سلك المقاومة. وهو ما يدفع السلطات التي تجري ضدها المقاومة والتي تعمل على قهر تلك المقاومة وسحقها، الى النظر بعين الشك والريبة نحو المدنيين ابوصفه اعداء محتلمين، او بوصفهم غطاء لافراد المقاومة الامر الذي يحدو بها الى اتخذا اجراءات القمع والقهر ضدهم. وتتدرج في ذلك من التوقيف والقبض الى اخذ الرهائن والتعذيب واعدام الرهائن بشكل جماعي او تدمير القرى والمنازل.

وتكشف تجارب المقاومة المعاصرة عن مالآلا والفظائع التي يتعرض لها المدنيون الذي كثيرا ما يكونون اهدافا مباشرة لعمليات القتال التي يشنها خصوم المقاومة. موهو الام الذي يثير رالتساؤ حول كفاية قواعد القانون القائم فيما يتعلق بحماية المدنيين في حروب المقاومة.

واذا كانت النظرية الحديثة في القانون الدولي الانساني هي نتاج لتلك الجهود المتتالية التي ترمي الى ضمان احترام حقوق الانسان اثناء النزاعات المسلحة، فان من المفهوم والمسلم به تماما، ان الحماية الواسعة التي يتعين ان يتمتع بها افراد المقاومة في ظل هذه النظرية الحديثة، ترتبط وتقترن دائما بحماية المدنيين الذي لا يساهمون في عمليات القتال ، هو امر واضح تماما في كل الجهود التي بذلت لتطوير قواعد القانون الدولي الانساني. ويلحظ المرء منذ مؤتمر طهران لحقوق الانسان في سنة 1968 وما تلاه من جهود، ذلك الحرص على الربط بين التوسع في حماية افراد المقاومة وتأكيد ضرورة العمل على حماية المدنيين اثناء النزاعات المسلحة بصفة عامة والنزاعات المسلحة الناجمة عن نشاط المقاومة الشعبية " او ما يطلق عليه حروب التحرير" بصفة خاصة وهو ما يسمح بالقول ان تطوير قواعد نظرية المقاومة على نحو يكفل حماية واسعة للمقاتلين من اجل الحرية قد ارتبط دائما بالعمل على تأكيد وتوسيع الحماية المقررة للمدنيين اثناء لالنزاعا المسلحة الناجمة عن حروب المقاومة .وقد تجلى ذلك في نصوص البروتوكولين "الملحقين" الاضافيين لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والموقع تعليهم في عام 1977 .