امير
سالم المحامي
مركز
الدراسات والمعلومات
القانونية لحقوق الانسان ـ القاهرة
مقدمة:
لم
تلبث الانسانية ان تلتقط انفاسها مما خلفته
الحرب العالمية الاولى حتى اندلعت الحرب
العالمية الثانية التي ابادت الملايين من
البشر محاربين ومدنيين ونساء واطفال وعجائز
ممن لم يكن لهم ثمة دور ولا قرار في المعارك،
مما ادى الى ضرورة اجراء مفاوضات على المستوى
العالمي لمواجهة هذه النكبات والحد من ويلات
الحروب والاجرام الدولي.
لقد
تولد عن هذه المفاوضات عقد محاكمتين لمجرمي
الحرب العالمية الثانية سنة 1945، الاولى
محاكمة نورمبرغ والثانية محاكمة طوكيو، وقد
ارست هاتين المحاكمتين كثير من القواعد
لمعاقبة مجرمي الحروب.
وقد
ادركت البشرية انه لم يعد كافيا ان يتم وضع
قواعد وضوابط للحروب، بل اصبح من الضروري
الغاء حق الدول في شن الحرب، حيث نصت المادة 2/4
من ميثاق الامم المتحدة الصادر 1945 على ان
اعضاء الهيئة جميعا تمتنع من علاقاتهم
الدولية عن التهديد باستعمال القوة او
استخدامها ضد سلامة الاراضي او الاستقلال
السياسي لاية دولة على أي وجه آخر لا يتفق
ومقاصد الامم المتحدة.
بعد
حوالي اربع سنوات من توقيع ميثاق الامم
المتحدة عقد مؤتمر جنيف لتدعيم قواعد القانون
الدولي لحماية ضحايا الحرب واسفر عن توقيع
اتفاقيات اربع في 12 اغسطس 1949 هذه الاتفاقيات
اصطلح على تسميتها بـ "القانون الدولي
الانساني" والاولى تتعلق بتحسين حال
الجرحى والمرضى من افراد القوات المسلحة في
الميدان اما الثانية فهي بشان تحسين احوال
الجرحى والمرضى والغرقى من افراد القوات
المسلحة من البحار، والثالثة بشان معاملة
الاسرى واخيرا الرابعة وهي بشأن حماية
الافراد المدنيين وقت الحرب، اجمالي مواد
الاتفاقيات الاربع، 400 مادة تنظم حقوق ضحايا
العمليات العسكرية فضلا عن انها تتناول حماية
المدنيين من الاراضي التي يتم احتلالها.
متى
ارتضت الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية
اصبحت تلك المعاهدات ذات قوة الزامية قانونية
للدولة، بحيث تصبح جزءا من القانون الوطني
المحلي للدولة وقد نصت المادة 27 من اتفاقية
فيينا لقانون المعاهدات الصادرة في 23 مايو
عام 1969 على انه لا يجوز لطرف من معاهدة ان
يتمسك بقانونه الداخلي كسبب لعدم تنفيذ هذه
المعاهدة مما يتضح معه ان القانون الدولي
العام لقواعد الاتفاقية او العرفية ذو الزام
قانوني بالنسبة للمخاطبين به ، أي تصبح تلك
القواعد في ذات القوة الالزامية للقانون
الوطني المحلي.
وانه
ذات مواد الاتفاقات الدولية وخاصة تلك التي
تتصدى لحقوق الانسان او حماية الانسانية
والجنس البشري وتكون الحقوق الواردة فيها
سارية لكي تتمتع بها الدول وكذلك الافراد
ويترتب على مخالفة الدولة لاي من هذه القواعد
تقرير مسؤوليتها الدولية هذا قد التزمت “اسرائيل”
باتفاقيات جنيف الاربعة والتصديق عليها في 6
يوليو 1951 واصبحت نافذة في حقها ولا يجوز لها
ان تتحلل من هذا الالتزام باي حجة كانت خاصة
لو كانت قوانينها الداخلية.
كما
ان التزامها ينعقد بموجب نص المادة الاولى من
الاتفاقية الثالثة بشأن اسرى الحرب والتي تنص
على ان يتعهد الاطراف السامية المتعاقدون
باحترام وضمان احترام احكام هذه الاتفاقية في
جميع الاحوال.
نصت
المادة 13 من الاتفاقية الثالثة على ان "يجب
معاملة اسرى الحرب معاملة انسانية في جميع
الاوقات. ويحظر ان تقترف الدولة الحاجزة أي
فعل او اهمال غير مشروع يسبب موت اسير في
عهدتها، ويعتبر انتهاكا جسيما لهذه
الاتفاقيات..
وعلى
الاخص لا يجوز تعريض أي اسير حرب للتشويه
البدني او التجارب الطبية او العلمية من أي
نوع مما لا تبرره المعالجة الطبية للاسير
المعني او لا يكون من مصلحته وبالمثل يجب
حماية اسرى الحرب في جميع الاوقات وعلى الاخص
ضد جميع اعمال العنف او التهديد وضد السباب
وفضول الجماهير وتحظر تدابير الاقتصاص من
اسرى الحرب.
ولما
كانت الكثير من الادلة كاعترافات العسكريين
والساسة “الاسرائيليين”
ومن خلال الصحافة “الاسرائيلية”
وكذلك شهادات الشهود والنتائج الحية لجرائم
الحرب “الاسرائيلية”،
سواء الموثقة اعلاميا وعالميا وكذا شهادة بعض
المجني عليهم الذين نجوا وظلوا احياء وسواء
كانوا مدنيين او عسكريين.
فان
مسؤولية “اسرائيل”
كدولة عن تلك الجرائم تنعقد بموجب مواد
الاتفاقية فطبقا لنص المادة 12 فان الاسير يقع
تحت سلطة الدولة المعادية لا تحت سلطة
الافراد او الوحدات العسكرية التي اسرتهم.
وبخلاف المسؤوليات الفردية التي يلقاها
الاسير تكون الدولة الحاجزة مسؤولة عن
المعاملة التي يلقاها الاسير.
اخذت
اتفاقية جنيف الثالثة بمبدأ مسؤولية الفرد
الجنائية عن الافعال التي يأتيها بالمخالفة
لنصوصها وقد وردت هذه الافعال على سبيل الحصر
في المادة 130 من الاتفاقية حيث نصت على ان
تتضمن المخالفات الجسيمة احد الافعال
التالية اذا اقترفت ضد اشخاص محميين او
ممتلكات محمية بالاتفاقية وهي القتل العمد
والتعذيب او المعاملة اللاانسانية. وتعمد
احداث الام شخصية وارغام الاسير على الخدمة
لدى الدولة المعادية وتعمد حرمانه من حقه في
محاكمة قانونية عادلة.
وكذلك
تنعقد المسؤولية الفردية طبقا لما جاء
بلائحتي نورمبرغ وطوكيو حيث تقرر من صدورهما
مبدأ مسؤولية الفرد عن مخالفات الالتزامات
الدولية، وكذلك جاء نص المادة 12 من الاتفاقية
وتقع المسؤولة الجنائية الدولية على الفرد
ايا كان مركزه، فالمركز الرسمي لمقترف
الجريمة لا يعفيه من المسؤولية والعقاب وهو
ذات المبدأ الذي اقرته لجنة القانون الدولي
ومؤخرا المحاكمة الجنائية الدولية لمجرمي
حرب البوسنة من الصرب وقد نصت على "لا يعفى
مقترف الجريمة الدولية من تحمل المسؤولية
الدولية ولو كان قد تصرف بوصفه رئيسا للدولة
او حاكما اثناء ارتكابها" وهذا ما اكدته
المادة 129 من اتفاقية اسرى الحرب بقولها "يلتزم
كل طرف من الاطراف المتعاقدة بالبحث عن
الاشخاص المتهمين باقتراف مثل هذه المخالفات
التي امروا بها" والاتفاقية هنا لا تكتفي
بمسؤولية مرتكبي الجرائم بل تقرر مسؤولية
الرؤساء الذين يامرون بارتكابها، بل ان
اتفاقية اسرى الحرب قد اضافت بعدا جديدا من
تأثيم الجرائم وفي نطاق مسؤولية مرتكبيها او
الامرين بارتكابها.
وطالما
ان دولة “اسرائيل”
والشعب اليهودي قد اصموا آذان العالم بالصراخ
والعويل وظلوا وما يزالوا يطاردون مجرمي
النازية في ارجاء المعمورة، مستخدمين كل
صغيرة وكبيرة وردت في فقه القانون الدولي
واعرافه واعتصروا نتائج محكمتي نورمبرغ
وطوكيو، واستندوا الى اتفاقيات جنيف الاربعة.
فلسنا
اقل من ان نستخدم حقوقنا المتاحة طبقا
للقانون الدولي والاعراف الدولية وجرائم “اسرائيل”
سواء مع المدنيين او العسكريين الاسرى او تحت
ظروف الاحتلال تكاد لا تعد ولا تحصى، وتكاد
تكون ثابتة بادلة قطعية، والامر بايدينا، ملف
الجريمة امامنا ثابت وموثق، يبقى ان نستخدم
عقولنا وارادتنا، حق المحاكمة متاح، تجربة
البوسنة، ما تزال تفرض نفسها على الاعلام
العالمي.
يمكننا
ان نطالب بتشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق
طبقا لنص المادة 90 من البروتوكول الاول
الملحق باتفاقيات جنيف، بل علينا واجب
المطالبة بالتعويضات وتوقيع الجزاءات
الجنائية، علينا تحدي “اسرائيل”
في المحافل الدولية والاعلام والرأي العام
العالمي، وفضحها من كونها الضحية بين العرب
الارهابيين، الى كشف جرائمها الجنائية
الدولية، انها فرصة دولية نادرة للمطالبة
بمحاكمة مجرمي الحرب “الاسرائيليين”.
سيعرف
العالم ان ثمة مسؤولين “اسرائيليين”
سابقين وحاليين متورطين في تلك الجرائم، وهذا
العالم هو الذي ارتضى طبقا للقانون الدولي
اختطاف “اسرائيل”
لا يخمان بالقوة من الارجنتين ونقله ومحاكمته
في “اسرائيل”
امام "محكمة القدس “الاسرائيلية”"
ولكن طبقا للقانون الدولي لمحاكمة مجرمي
الحرب.
بينما
المتهم المختطف لم يكن اسرائيليا، والجرائم
التي ارتكبها لم تقع في او على "الاراضي
المحتلة" ولم تكن الافعال التي ارتكبها
محرمة بمقتضى القانون المحلي “الاسرائيلي”
لان دولة “اسرائيل”
لم تنشأ اثناء الحرب العالمية الثانية. فهل
سيكيل العالم بمكيالين.
وهل
ستقبل مؤسسات القانوني الجنائي الدولي
ومؤسسات الامم المتحدة خاصة المعنية
بالقانون الانساني الدولي او بحقوق الانسان.
هل
سيقبل ضمير العالم استمرار مجرمي الحرب “الاسرائيليين”
يرتعون احرارا دون تلقي الجزاء الجنائي
الدولي العادل ودون ان تدفع “اسرائيل”
تعويضات عن جرائمهما.