المشروعية الدولية للمقاومة المسلحة
د. عصام نعمان
نائب سابق في البرلمان اللبناني
هل ما يقوم به العرب، من ممارسة للقوة والعنف في مواجهة العدوان والاحتلال الاجنبيين، هو مقاومة ام ارهاب؟ *
انه سؤال قديم طرحته شعوب عدة باقلام مفكريها ومناضليها وهي تمارس كفاحها المرير ضد الاحتلال الاجنبي لاراضيها.
طرحته الشعوب التي اجتاحتها الجيوش النابوليونية في مطالع القرن التاسع عشر. والشعوب التي استعمرتها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا في القرن ذاته وفي مطلع القرن العشرين. وطرحته الشعوب التي ابتليت بحروب المانيا النازية في الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن. وطرحته جميع الشعوب في القارات الخمس التي قاست من ويلات الاستعمار ومظالم النظم السياسية المستبدة في حقبة الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
ومع ذلك يبدو العرب وكأنهم وحدهم معنيون بهذا السؤال على اعتاب القرن الحادي والعشرين، ربما لانهم ابرز الشعوب التي تنخرط، بشكل او باخر، في مقاومة مسلحة للعدوان والاحتلال الاجنبيين وللأنظمة السياسية المستبدة على امتداد القارة العربية، واحيانا عبر البحار وفي عقر دار مراكز التسلط والهيمنة العالميين.
في مواجهة المقاومة العربية المسلحة تحاول دول حلف الاطلسي و"اسرائيل" ان تلقي في روع العالم ان ما يفعله المقاومون العرب هو نوع من انواع الارهاب. بل هي سعت مؤخرا، من خلال مؤتمر شرم الشيخ، الى دمغ المقاومة العربية بالارهاب وحشد تأييد دولي واسع لمكافحتها.
في هذا المجال تسعى الولايات المتحدة و"اسرائيل" الى اقامة حلف دولي يربط العديد من الدول، لا سيما في العالم العربي، لشن الحرب على حركات المقاومة المسلحة، لا سيما في لبنان وفلسطين المحتلة، بالوسائل الآتية:
- تنسيق جهود اجهزة المخابرات وتبادل المعلومات وتوفير الخبرات.
- تعطيل مصادر تمويل حركات المقاومة المسلحة لشل انشطتها.
- الايقاع بين حركات المقاومة المسلحة واوساطها الشعبية وبيئتها القتالية.
- تأجيج الحروب الاهلية والصراعات المحلية لتعطيل فعالية حركات المقاومة المسلحة.
- التعاون في تخطيط عمليات عسكرية وارهابية وتنفيذها في الدول الحاضنة لحركات المقاومة المسلحة ومحاولة تصفية رموز قيادية فيها لاحباطها.
مشروعية المقاومة
غير ان الجهود الاطلسية "والاسرائيلية" المحمومة تبقى، رغم تكثيفها، عاجزة عن النيل من المشروعية الوطنية والدولية للمقاومة المسلحة. فهي مشروعية نابعة من القانون الدولي والاتفاقات الدولية وقرارات الامم المتحدة وتحظى بدعم قوي من الشعوب المبتلاة باحتلال اجنبي او بسلطة جائرة.
لعل الدفاع عن النفس هو كالمبدأ الاول في شرعنة المقاومة المسلحة. فالشعوب مدعوة دائما للدفاع عن وجودها الوطني، ومقاومتها للعدوان والاحتلال الأجنبيين مظهر بارز من مظاهر الدفاع عن النفس طلبا للحرية والاستقلال.
والحق في تقرير المصير هو المبدأ الثاني في شرعنة المقاومة المسلحة، ذلك لانه حق غير قابل للتصرف ولا يجوز لاي دولة مستبدة ان تتوسل بأي وسيلة لتعطيله او قمع الجهود الموظفة لنصرته.
والقانون الدولي هو المصدر الرئيس في دعم مفهوم المقاومة المسلحة، وهو يميز بين الارهاب بما هو "استخدام غير شرعي للقوة او العنف بقصد الحصول على اهداف سياسية"، والمقاومة المسلحة بما هي "اداة لممارسة الحق في تقرير المصير، او في التحرر من قوة احتلال لا تراعي القانون الانساني الدولي". (1)
في هذا الاطار يجب التنويه باتفاقات وقرارات دولية عدة اسهمت في تجذير المشروعية الدولية للمقاومة المسلحة، ابرزها:
- اتفاقيات لاهاي للعام 1899 والعام 1907 المتعلقة بقانون الاحتلال الحربي.
- اتفاقيات جنيف للعام 1949، لا سيما الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب والاحتلال الحربي، وحماية الحقوق والحريات وتحريم اللجوء الى القوة والتهديد. ولعل ابرز مبادئها اربعة: (2)
1- الاحتلال وضع مؤقت ليس له صفة الدوام وليس له أي تأثير في استمرار وجود الدولة.
2- الاحتلال لا يؤدي الى نقل السيادة من دولة الى اخرى، لان السيادة تبقى كامنة في السكان الذين يحق لهم، خلال فترة الاحتلال، رفض الغزو واللجوء الى المقاومة (بما فيها حروب العصابات وحركات المقاومة).
3- الاحتلال لا يخول دولة الاحتلال الا صلاحية ممارسة سلطة فعلية واقعية تهدف الى حفظ السلام والامن في الاقليم المحتل وتسيير شؤون سكانه.
4- قانون الاحتلال الحربي هو الذي يحدد الاطار التشريعي والاجرائي لسلطة الاحتلال. وكل تغيير تدخله عليه هذه السلطة يجب ان يقتصر على مواجهة متطلبات الحياة اليومية للسكان.
* ميثاق الامم المتحدة الذي حرم الحرب وحرم استخدام القوة، بل حرم مجرد التهديد باستخدامها ولم يسمح بالحرب الا في حالة الدفاع المشروع عن النفس. وقد اعتبرت المادة 51 منه ان للدول، فرديا وجماعيا، حقا طبيعيا في الدفاع عن نفسها اذا ما تعرضت لعدوان مسلح. وقد اعتبر معظم الفقهاء ان تفوق الكبار في السلاح يضطر الشعوب والدول الصغيرة الى ممارسة حقها بالدفاع المشروع عن طريق المقاومة بمختلف اشكالها، وفي طليعة ذلك المقاومة الشعبية وحرب العصابات. (4)
* الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر العام 1948 والاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية السياسية للانسان. وقد اعتبر الاعلان العالمي لحقوق الانسان في ديباجته انه من الضروري ان يتولى نظام قانوني حماية حقوق الانسان لئلا يضطر المرء، في نهاية الامر، الى التمرد على القهر والطغيان.
* القرارات الدولية التي صدرت عن مجلس الامن الدولي والجمعية العمومية للامم المتحدة منذ العام 1967 ولغاية 1991 التي انطوت على توصيف قانوني للاراضي المحتلة ووجوب تطبيق الاتفاقات الدولية، لا سيما منها اتفاقية جنيف الرابعة، ودعوتها "اسرائيل" الى التزام احكامها والاقلاع عن انتهاكها. وهي تشكل مرجعية قانونية مؤيدة للجانب العربي في مواجهة ممارسات اسرائيل التي ينطبق عليها "ارهاب الدولة". (5)
ولعل اهم هذه القرارات القرار الرقـم 2852 الصادر عـن الجمعية العمومية بتاريخ 20-12-1971 الذي دعا الى "ضرورة وضع مبادئ تهدف الى تعزيز حماية الافراد الذين يناضلون ضد السيطرة الاستعمارية والاجنبية وضد الاحتلال الاجنبي والانظمة العنصرية"، وضرورة "تطوير القواعد المتعلقة بوضع المناضلين ورجال العصابات وحمايتهم ومعاملتهم معاملة انسانية في ابان المنازعات المسلحة، الدولية وغير الدولية". (6)
غير ان كل هذه المبادئ والاحكام والاتفاقيات والقرارات الدولية تبقى، الى حد بعيد، اسيرة موازين القوى الدولية. فالدول الكبرى تحاول دائما ان تطبيق قانونها، قانون الغالب، وما على المغلوب او الضعيف الا ان يرضخ اذا اعيته الحيلة، غير ان صراع الدول الكبرى فيما بينها من جهة، وتكافؤها في القوة من جهة اخرى يسمحان للشعوب احيانا، كما في حقبة الحرب الباردة التي ذوت بانهيار الاتحاد السوفياتي في مطالع التسعينيات، بان تلتقط انفاسها فتباشر مقاومة واسعة تتكلل احيانا بانتصارات مؤزرة كما في حالات الجزائر وفيتنام وايران.
واليوم اذ تعود الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الاميركية، الى بسط هيمنتها الفظة على العالم لا يبقى امام الاحرار في الشعوب المستضعفة الا التمرد والعصيان والمقاومة.
ولعلني الا اغالي بالقول ان المقاومة في عصر الهيمنة اصبحت شرطا للوجود الحر.
اجل، انا اقاوم، اذا انا موجود. بل انا حر.
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟
* مداخلة القيت في بعلبك بدعوة من نادي السلام الثقافي.
هوامش
(1) شفيق المصري: "لماذا لا يعتمد القانون الدولي في تعريف الارهاب". جريدة "النهار"، تاريخ 12/3/1996، صفحة 13.
(2) محمد المجذوب " "الاحتلال الاجنبي وشرعية المقاومة"، مجلة دراسات دولية، شتاء 1993، صفحة 56-35.
(4) I.P. Trainin, Questions of Guerilla Warfare in the Law of war, A.J.I.L., 1046, pp 534-562
( 5) شفيق المصري، المرجع سالف الذكر.
(6) نشاط الامم المتحدة في حقل حقوق الانسان، منشورات الامم المتحدة (بالفرنسية) العام 1975، صفحة 122-126