المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام
في حزيران 1982، شن العدو الاسرائيلي الحرب على لبنان، واستطاع بعد اكثر من شهرين من المعارك الضارية ان يتوغل في قلب العاصمة اللبنانية ويفرض على المسلحين الفلسطينيين الجلاء عن البلاد.
وفي ظل الاحتلال الاسرائيلي الغاشم، وفي غمرة الاحباط القاتل، وازاء الصمت العربي الرهيب اطلت المقاومة الشعبية اللبنانية (التي اقتصرت فيما بعد على المقاومة الاسلامية) كالفجر الساطع بعد الليل الطويل. وتمكنت هذه المقاومة، بعد فترة وجيزة من ظهورها، من ان تحقق انتصارات باهرة تجلت في ارباك قوات العدو وانهاكه، وفي توجيه صفعة الى اسطورة تفوقه العسكرية، وفي احداث انقسامات سياسية داخل كيانه.
ومنذ ذلك التاريخ طرح، على صعيد القانون الدولي العام، سؤال يتعلق برعية المقاومة وبحق المدنيين في حمل السلاح ومقاومة قوات الاحتلال، بمختلف الوسائل والاشكال. ومن المستحسن، قبل الاجابة عن هذا السؤال، ان نبدي بعض الملاحظات ونبين اهمية هذه المقاومة لدى العدو.
اولاً - ملاحظات سريعة حول المقاومة الشعبية
1 - ان المقاومة الشعبية المسلحة ضد الاعداء الو المغتصبين ظاهرة حفل بها تاريخ الشعوب. فأفراد الشعب كانوا يهبون لمساعدة الجيوش النظامية عندما كانت بلادهم تواجه اعتداءات خارجية. وكان من الصعب، في الماضي، اجراء تمييز دقيق بين الجيوش النظامية والمتطوعين من ابناء الشعب.
2 - ان اهمية المقاومة الشعبية المسلحة قد تعاظمت في القرن العشرين، وخصوصاً خلال الحرب العالمية الثانية وفي العقود التي تلتها. ومع ان هذه الظاهرة قد اثارت مشكلات قانونية ملحة، فان المهتمين بالقانون الدولي العام لم يكرسوا لمعالجتها ما تستحق من رعايته وعنايته.
3 - ان الفقه الدولي يعطي تفسيراً واسعاً لعبارة "الشعب المقاوم"، أي الشعب الذي يحمل السلاح ضد الاعداء. فليس المقصود بالشعب، وفقاً لهذا التفسير الواسع، الافراد الذين يرتبطون بروابط سياسية او قانونية بالدولة، فالمقاومة الشعبية قد تجري دون ان تكون هناك دولة، او قد تجري من اجل انشاء دولة، ثم ان وجود الشعب سابق لوجود الدولة. بل المقصود بالشعب هنا هو مجموعة الافراد الذين ينتمون الى وطن واحد، سواءٌ اكانوا مقيمين فيه او غير مقيمين، والذين تجمعهم روابط مشتركة من اللغة او التاريخ او التراث او غير ذلك من العوامل القومية.
4 - ان المقاومة الشعبية لا تشترط (من اجل تحقيقها واكتساب الشرعية) قيام الشعب بأكمله بها. فقد تقوم بها فئات او عناصر معينة من الشعب. غير ان الامر المهم هو تعاطف الشعب مع تلك المجموعة التي قررت القيام بهذا الواجب الوطني. وقد يترجم هذا التعاطف (وهذا ما يحدث في معظم الاحيان) الى دعم او تأييد شعبي. والاحداث التاريخي تؤكد ان الدعم الشعبي للمقاومة شرط اساسي لنجاحها واستمرارها.
5 - ان القانون الدولي المعاصر يبيح لرجال المقاومة اللجوء الى كل الوسائل الممكنة لانهاك قوات الاحتلال. ومن هذه الوسائل استخدام القوة المسلحة، والقيام باعمال التخريب، واتباع اسلوب حرب العصابات. وقد تكون المقاومة مدنية لا عسكرية، فتخلو عندئذٍ من اعمال العنف.
6 - ان المقاومة الشعبية المسلحة تجري دائماً ضد عدو اجنبي يقوم بغزو البلاد، او ينتهك حرمة الاستقلال، او يسيء الى كرامة الوطن. وبهذا تختلف المقاومة المسلحة عن الحرب الاهلية التي تندلع داخل الوطن بين الشعب (او فئة منه) وبين النظام القائم، او بين فئات من المواطنين تتنافس او تتناحر من اجل السيطرة على مقاليد الامور، او الدفاع عن نهج معين، او فرض فلسفة معينة. ومن هذه الزاوية تختلف ايضاً عن حروب الانفصال التي يقوم بها مواطنون في اقليم من اقاليم الدولة من اجل الانفصال عن الدولة وتكوين دولة او دول جديدة.
7 - ان المقاومة المسلحة تتسم بدافع وطني يتجاوب ويتلاءم مع المصلحة الوطنية العليا ويتجلى في الدفاع عن ارض الآباء والاجداد ضد العدوان او الاحتلال او الاستعمار. واذا كان هذا الدافع هو احد الخصائص المميزة للمقاومة الشعبية فانه يعد معياراً لتمييزها عن اعمال العنف والقتال التي قد تقوم بها جماعة بقصد السلب والنهب، حتى ولو جرت تلك الاعمال ضد عدو اجنبي، ولتمييزها ايضاً عن تلك العمليات الحربية التي يقوم بها مسلحون، ضد دولة اجنبية، خدمة لاغراض او مآرب سياسية لاحد الحكام او الاحزاب .
8 - ان الاعمال الإستشهادية التي نفذها ابطال المقاومة في لبنان بعد وصول قوات العدو الى بيروت هي التي اثارت الذعر في قلوب الاسرائيليين، وجعلتهم ينسحبون باتجاه الجنوب، ويقتنعون بان سلاحهم المتطور والمدمر عاجز عن حماية مكاسبهم العدوانية عندما يقرر بعض الابطال تحويل اجسادهم الى قنابل موقوتة.
9 - ان اعتماد المقاومة كأسلوب للكفاح ضد العدو يعني وجوب اسقاط كل اشكال التسوية التي يلجأ اليها بعض الحكام العرب، وكل اشكال الحروب النظامية التقليدية التي قد تثير من الاشكالات والتدخلات ما لا قدرة لنا عليه في الوضع الراهن. لقد جربت الانظمة العربية، منذ العام 1948، الحروب النظامية ضد العدو الصهيوني، فلم توفق. وبعد فشل الحروب النظامية لجأت الى مختلف ضروب التسوية، فاستغاثت بالامم المتحدة، ورضيت بالاشتراك في المؤتمرات الدولية، ووافقت على الدخول في مفاوضات مباشرة او غير مباشرة، علنية او سرية، مع العدو. وبعد تجارب مريرة ومذلة اكتشفت (دون ان تعترف) ان منطق التسوية فاشل وان المفاوضات مع المحتل او المغتصب مصيرها الاخفاق. وجاءت المقاومة اللبنانية تثبت صحة المبدأ القائل بان التحرير لا يتم الا بالكفاح الشعبي المسلح.
10 - ان فكرة المقاومة الشعبية ضد العدو الاسرائيلي طرحت في الماضي، ولكن البعض عارضها بدعوى ان طبيعة الارض والجغرافيا في بلادنا لا تلائم هذا النوع من النضال. وعندما ضرب المثل بنجاح المقاومة في فيتنام والجزائر، قيل ان التضاريس الجغرافية في البلدين، أي وجود الغابات والمستنقعات والجبال، هي التي وفرت عناصر النجاح لهذه المقاومة. ولكن المقاومة اللبنانية نجحت على الرغم من عدم وجود غابات كثيفة وجبال شامخة وساحات شاسعة في جنوب لبنان. وكل ذلك يثبت ان المقاومة تستطيع العمل في كل وقت وظرف، والمتكيف مع أي وضع جغرافي. واذا كان لا بد من اعتماد معيار لعمل المقاومة فالمعيار هو الارادة المقترنة بالايمان والاستعداد للاستشهاد والتضحية بالنفس في سبيل المثل والقيم. ونجاح المقاومة في الجنوب اللبناني يشكل ادانة صارخة لطروحات المتخاذلين الذين تنبأوا باستحالة قيام مقاومة شعبية في الاراضي العربية المحتلة. ولعل التحدي الاكبر الذي يواجه العرب الرافضين للاستسلام هو القدرة على رعاية هذه النواة من المقاومة العربية التي نبتت في جنوب لبنان، وتوفير اسباب الحياة والنمو لها لتصبح الاسلوب العربي المعتمد لمواجهة الاحتلال والعدوان.
ثانياً - اعتراف العدو بأهمية المقاومة اللبنانية
ان المقاومة اللبنانية التي اثارت الاكبار والهبت المشاعر هي، بشهادة الجميع، اروع ظاهرة واعظم حدث في تاريخ الصراع العربي - الصهيوني. ويكفينا الاستشهاد بما قالته الصحافة الاسرائيلية عنها لندرك مدى اهميتها واثرها في تطور الاحداث.
1 - لقد اعترف المعلق الاسرائيلي (زئيف شيف)، بعد مرور اشهر على انطلاق المقاومة اللبنانية، بأنه لا يكاد يمر يوم واحد، منذ الاحتلال، دون ان تتعرض القوات الاسرائيلية فيه لعملية هجومية او اكثر، كما انه لا يكاد يمر اسبوع واحد دون ان يسقط من الاسرائيليين قتلى وجرحى نتيجة هذه العمليات. ووجد ان الحرب التي يواجهها الجيش الاسرائيلي في لبنان تختلف عن سابقاتها من الناحية العسكرية، فحجم الخسائر في الارواح البشرية الاسرائيلية يدل على ان هذا الجيش لم يعد يملك رداً ملائماً على المشكلة التي يواجهها. ودحض المعلق مزاعم وزير حربية "اسرائيل" آنذاك (ارييل شارون) في ان "المخربين جبناء لا يجرؤون على مهاجمة الجيش الاسرائيلي"، فقال ان "ما يجري في لبنان هو عكس ذلك تماماً، فهم لا يهاجمون الا الجيش الاسرائيلي، ولا يترددون في الاشتباك معه مباشرة وفي وضح النهار. والاسرى الذين يحتجزهم المخربون هم احد البراهين على ذلك" .
2 - ووصف معلق اسرائيلي اخر، هو (غابي زوهار)، نشاط المقاومة ضد الجيش الاسرائيلي بانه يأخذ طابع حرب العصابات التي تعتمد اسلوب (اضرب واهرب)، واسلوب تلغيم المحاور، وادخال السيارات المفخخة، واطلاق النار من الكمائن على دوريات الجيش الاسرائيلي وحواجزه ومركز قيادته في الجنوب اللبناني. واشار الى ان هذه المقاومة تستعين "بالسكان المحليين الذين نفد صبرهم من وجود الجيش الاسرائيلي في الجنوب اللبناني". وتوقع المعلق ان تزداد عمليات المقاومة لتصبح حرب استنزاف وامراً واقعاً لا جدال فيه. وحذر من حرب العصابات التي تعتبر "اسوأ حرب يمكن ان تعانيها اية دولة، فكيف بإسرائيل!" .
3 - وتحت عنوان "الف وجه للموت في لبنان"، تحدث معلق ثالث، هو (ايتان هافر)، عن "الموت المتربص في كل زاوية" بالجنود الاسرائيليين في لبنان، ووصف حالة الذعر التي يعيشها هؤلاء بقوله: "لا يذهب احد الى مكان ما الا عند الضرورة، ولا يفعل الا ما هو ضروري… لقد دخل الجيش الاسرائيلي، بمشيئته، في حصار… هناك حماية مستمرة للتنقل، وليس من المستحب السير متراً واحداً دون مرافقة مركبة عسكرية اخرى، وجهاز اتصال، وقلنسوة حديدية. انه لامر مخيف جداً… ان الجيش الاسرائيلي يتقوقع في النهار والليل داخل قواعده كالقنفذ… ان كل طلقة رصاص، او وميض مصباح، يجعل جنود الجيش الاسرائيلي يرتعدون…" .
4 - وازاء نمو المقاومة اللبنانية، انبرى معلق رابع، هو (تيلي زلينغر)، يحذر من ان الزمن لا يعمل لمصلحة "اسرائيل"، لان "المخربين" استطاعوا، عن طريق تجمعات صغيرة ومحلية، يدعمها السكان المحليون، ان يستعيدوا قوتهم بعد الضربة الاولى، ولان مشاعر العداء ضدنا، التي تراكمت خلال الاشهر الماضية، "اصبحت ظاهرة تشير بحد ذاتها الى الدور الذي يؤديه الوقت ضدنا، فالذين استقبلونا في حزيران (يونيو) 1982 بالارز مستعدون اليوم لاستقبالنا بالقنابل اليدوية ونيران الاسلحة الخفيفة". وتطرق المعلق الى فاعلية عمليات المقاومة ضد الجيش الاسرائيلي فوجد ان اسلوب حرب العصابات المتبع اليوم في لبنان "يدفع هذا الجيش الى موقف ردة الفعل ازاء المفاجآت، لا الى موقف المبادر". وتحدث عن معنويات الجنود الاسرائيليين فوصف "ظروفهم الصعبة والمستحيلة تقريباً"، وحالة الذعر التي ترافقهم ليل نهار .
5 - وتناول معلق خامس، هو (مناحيم هوروفيتس)، جانباً من جوانب "الوضع الذي لا يطاق" في الجنوب بالنسبة الى الجيش الاسرائيلي هناك، فتحدث عن فشل الرهان الاسرائيلي على استمالة سكان الجنوب او اثارة الخلافات المذهبية بينهم، ووصف حالة القلق التي تعتري الجنود الاسرائيليين من جراء تزايد عمليات المقاومة، فقال انهم لم يعودوا يجازفون، "فمن وجهة نظرهم، كل انسان، وكل طريق، وكل سيارة تقف او تسير مسرعة، هي اشياء مشبوهة" .
ثالثاً - شرعية المقاومة المسلحة في القانون الدولي العام
يقوم بين الظواهر الاجتماعية والمواقف القانونية والفقهية تلازم وتفاعل وتكامل. فلولا تصدي الشعوب، منذ القدم، للمعتدين لما استطاع الفكر المقاوم تحديد العلاقة بين سلطات الاحتلال وسكان الاراضي المحتلة على اساس استمرار علاقة الولاء والتبعية لدولة الاصل وانتفاء أي التزام بالطاعة لدولة الاحتلال. بل انه كان لضروب المقاومة التي مارستها الشعوب الرازحة تحت نير الاحتلال في سبيل الدفاع عن وجودها وكرامتها اثر بارز ودور فاعل في تطوير احكام قانون الاحتلال الحربي في مجال تحريم الضم والاستيلاء، والحفاظ على سيادة الدولة، وجواز الدفاع عن النفس طلباً للحرية وحماية للاستقلال.
ولو اطلعنا على احكام القانون الدولي المعاصر لما وجدنا فيه قاعدة تحول دون قيام سكان الاراضي المحتلة باعمال المقاومة الوطنية، مسلحة كانت ام غير مسلحة. والفقه الدولي الحديث لم يتخلف عن الركب في هذا الميدان فراح يعتبر ان لهؤلاء السكان حقاً في الثورة على سلطات الاحتلال وان واجبهم القومي يحتم عليهم اللجوء الى المقاومة. وذهب البعض الى ابعد من ذلك عندما رأى ان عليهم واجب الثورة، وان هذا الواجب مفروض ومغروس في نفوسهم بموجب علاقة الولاء المستمر بينهم وبين دولتهم المحتلة.
ولقي هذا الاتجاه قبولاً وتأييداً لدى دول عديدة، منها بريطانيا والولايات المتحدة، فنصت في تشريعاتها العسكرية على ثورات الحروب ان انتفاضات الحروب War Rebellions. وعلى سبيل المثال نذكر ان المادة العاشرة من قانون الحرب البرية الامريكية تنص على انه "ليس لمحارب الحق في ان يعلن انه سيعامل كل من يقبض عليه ضمن القوات المسلحة لجماعات الشعب الثائر في وجه العدو معاملة الشريك في عصابة لصوص، او معامل اللص المسلح" .
وكل معالجة قانونية لشرعية المقاومة الوطنية في الاراضي المحتلة تتطلب كلمة في قانون الاحتلال الحربي، وحديثاً عن انواع المقاومة، واستعراضاً للجهود الدولية الرامية الى دعم هذه الشرعية.
1 - قانون الاحتلال الحربي وصفته الآمرة
ان جزءاً من اقليم الدولة اللبنانية يرزح، منذ سنوات، تحت نير الاحتلال الاسرائيلي. وتشهد المناطق المحتلة، وخصوصاً منطقة الجنوب، مقاومة مسلحة وهجمات متلاحقة ضد قوات العدو. والمعارك والاشتباكات التي تجري يومياً تقريباً. وببسالة تثير الاعجاب، بين افراد المقاومة وقوات الاحتلال تطرح، على صعيد الاعراف والقوانين والمواثيق الدولية، السؤال الذي اشرنا اليه عن حق افراد الشعب الخاضع لاحتلال اجنبي في اللجوء الى المقاومة، بمختلف الوسائل والاشكال، من اجل التصدي لهذا الاحتلال.
نلاحظ، قبل الاجابة عن هذا السؤال، ان تغييراً جوهرياً طرأ، في العصر الحديث، على طبيعة الحرب، وخصوصاً بعد ان دان القانون الدولي المعاصر استخدام القوة واعتبرها عملاً غير مشروع. فالفقرة الرابعة من المادية الثانية من ميثاق الامم المتحدة تنص على وجوب امتناع الدول الاعضاء، في علاقاتهم الدولية، عن التهديد باستعمال القوة او استعمالها ضد سلامة الاراضي او الاستقلال السياسي لاية دولة، او على أي وجه اخر لا يتفق ومقاصد الامم المتحدة.
ومع ذلك فما زالت دول كبرى وصغرى تعمد، من وقت الى اخر، الى انتهاك مبادىء الميثاق الاممي واحتلال اراضي الغير. وهذا ما حتم في الماضي وجود قانون للاحتلال الحربي. فلماذا وضع هذا القانون؟ وما هي اهم المراحل التي مر بها؟ واذا كان لهذا القانون صفة آمرة، فما المقصود بها؟
أ - قانون الاحتلال الحربي
يميز الفقه الدولي بين حالتي الحرب والاحتلال الحربي، فالاولى هي مرحلة الاشتباك والقتال على ارض المعركة، والثانية هي المرحلة المؤقتة التي تعقب العدوان المسلح.
ولكل من الحالتين قانونها الخاص. وقواعد قانون الحرب ظهرت وتبلورت قبل قواعد قانون الاحتلال. ونجد في اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي الخاصة بالحرب البرية، وفي اتفاقية جنيف الرابعة حول حماية المدنيين، تدويناً او تقنيناً للاحكام المتعلقة بقانون الاحتلال الحربي.
وعرفت المادة (42) من اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي للعام 1907، الاقليم المحتل بانه الاقليم الذي يصبح بالفعل خاضعاً لسلطة الجيش المعادي. ولا فرق في ذلك بين احتلال عسكري تم نتيجة استلام الدولة المنهزمة، او نتيجة تخلي القوات المسلحة عن سلاحها، او نتيجة عقد هدنة او ايقاف لاطلاق النار غير مصحوب بالغاء حالة الحرب.
والناحية المهمة في الاحتلال هي اخضاع اقليم دولة ما، او جزء من هذا الاقليم، مادياً وعسكرياً، لسيطرة فعلية اجنبية، ووجوب خضوع سلطة الاحتلال لقانون الاحتلال الحربي الذي ينظم حالة الاحتلال ويحدد العلاقات بين سلطات دولة الاحتلال من جهة، وبين سلطات الدولة المحتلة والسكان المدنيين في الاراضي المحتلة من جهة اخرى.
وقانون الاحتلال الحربي لم ينشأ في القرن الماضي، وخصوصاً بعد تفاقم الحروب النابليونية التي كانت وبالاً على السكان المدنيين في الاراضي المحتلة، الا للتجاوب مع رغبات الشعوب في وضع حد نهائي للاساليب الوحشية التي كانت تستعملها الجيوش الغازية ضد السكان الامنين.
وكانت الولايات المتحدة التي تعرضت، خلال حربها الاهلية، لأقسى انواع الجرائم اول من قنّن او دوّن، في العام 1863، قواعد الحرب ونظم سلوك القوات المحاربة وحرم عليها اعمال السلب والنهب ونص على عقوبات ضد افراد هذه القوات لدى ارتكابهم هذه الجرائم.
وعندما عقد مؤتمر بروكسيل في العام 1874، وحضرته غالبية الدول الاوروبية، كان التقنين الامريكي بين ايدي المندوبين. وعندما قدمت الحكومة الروسية مشروعاً بقواعد الحرب البرية انقسم المؤتمر الى فريقين: فريق الدول الكبرى الذي طالب بالزام سكان الاراضي المحتلة بالطاعة لسلطات الاحتلال وبعدم اللجوء الى العنف لطرد المحتلين، وفريق الدول الصغرى الذي طالب بعدم الاعتراف لدول الاحتلال بحقوق في الاراضي المحتلة، كما طالب بان يكون للشعب حق الثورة على قوات الاحتلال حتى يتم طردها.
واستطاع المؤتمر، في النهاية، التغلب على الصعوبات والتوصل الى مشروع اتفاق يتضمن قواعد للحرب البرية مستمدة من القواعد العرفية التي كانت سائدة من قبل. ومع ان الدول لم تصدق على المشروع فقد كان اثره واضحاً في التعليمات العسكرية التي اخذت الدول توجهها الى جيوشها خلال المعارك.
وفي العام 1899، عقد مؤتمر لاهاي الاول وتمكن من وضع العديد من الاتفاقيات، كان من بينها لائحة الحرب البرية المستمدة من مشروع مؤتمر بروكسيل، والتي الحقت بالاتفاقية الثانية. وفي العام 1907، عقد مؤتمر لاهاي الثاني واعاد النظر في بعض الاتفاقيات والتصريحات الصادرة عن المؤتمر الاول، وتمكن من وضع اتفاقية حول قانون الاحتلال الحربي. وفي الحربين العالميتين انتهكت احكام هذا القانون وتبين للجميع ان المواد الخاصة بحماية المدنيين في فترة الاحتلال لم تعد كافية في حالات الحروب الشاملة.
وفي العام 1949، دعت الحكومة السويسرية، بإيعاز من لجنة الصليب الاحمر الدولي، الى مؤتمر دبلوماسي عقد في مدينة جنيف وحضره مندوبون عن 64 دولة. وفي 12/8/1949، وبعد اربعة اشهر من المداولات العميقة والمثمرة، تم توقيع اربع اتفاقيات، كانت الرابعة منها خاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب والاحتلال الحربي. وهذه الاتفاقيات جاءت لتكمل او تعدل او تقنّن نصوص الاتفاقيات السابقة. وتعتبر الاتفاقية الرابعة من الانجازات الباهرة التي استطاعت الشعوب تحقيقها في حقل القانون الدولي والانساني. وكان لبنان و"اسرائيل" من الدول التي حضرت المؤتمر المذكور، ووافقت على الاتفاقيات الاربع، وصدّقت فيما بعد عليها دون تحفظات.
فقواعد قانون الاحتلال الحربي تتكون، اذن، من النصوص الواردة في اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي، الخاصة بالحرب البرية، والواردة في اتفاقية جنيف الرابعة، بالاضافة الى المبادىء العامة لحقوق الانسان ووسائل حمايتها.
ب - الصفة الآمرة لقانون الاحتلال الحربي
تتميز قواعد هذا القانون بان لها صفة آمرة، أي ملزمة لكل الدول، سواء اكانت اطرافاً ام غير اطراف فيها. وقد حددت المادة (53) من اتفاقية فيينا للعام 1969، حول قانون المعاهدات، القاعدة الامرة في القانون الدولي العام بانها "القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل الجماعة الدولية باعتبارها قاعدة لا يجوز الاخلال بها، ولا يمكن تبديلها الا بقاعدة جديدة من قواعد القانون الدولي تملك الصفة ذاتها".
صحيح ان هناك فقهاء دوليين يرون ان القانون الدولي يتكون من قواعد اختيارية وان للدول الحق، في كل وقت، في ابرام أي نوع من المعاهدات، وان تكن مخالفة للقواعد العامة للقانون الدولي، الا ان الفقه الدولي المعاصر يتبنى موقفاً مغايراً.
فهناك فريق يرى ان القواعد الآمرة في القانون الدولي هي تلك التي يتكون منها النظام العام الدولي. وهناك فريق آخر يحدد تلك القواعد بانها تلك التي تتضمن الحد الادنى من السلوك الضروري لضمان العلاقات الدولية. ويقول فريق ثالث ان القواعد الامرة هي التي تعبر عن بعض الحاجات الاجتماعية والسياسية.
وثمة اتجاه يعتبر القواعد التي تضمنها ميثاق الامم المتحدة قواعد آمرة لا يمكن الاتفاق على عكسها او الاخلال بها. ومن القواعد التي استقر الرأي على اعتبارها آمرة في القانون الدولي، القواعد التي تمس حقوق الدول، والقواعد الخاصة بحقوق الانسان وحرياته الاساسية، والمبادىء الاساسية للميثاق الاممي الخاصة بمنع التهديد باستعمال القوة او استعمالها في العلاقات الدولية، والقاعدة الخاصة بالحل السلمي للمنازعات الدولية، والقاعدة الخاصة بمساعدة الامم المتحدة في أي عمل تقوم به طبقاً لميثاقها، والامتناع عن مساعدة الدول المعتدية… وذلك لان هذه القواعد وضعت من اجل مصلحة الانسانية قاطبة .
لقد رفضت المانيا، خلال الحرب العالمية الثانية، تطبيق اتفاقيات لاهاي ولوائحها بحجة انها تتضمن شرطاً ينص على عدم تطبيقها الا بين الاطراف المتعاقدة، كما ينص على عدم تطبيقها الا في حالة واحدة، وهي حالة اشتراك جميع هذه الاطراف في الحرب. غير ان الفقه رفض هذه الحجة التي اثارتها دول الاحتلال للتهرب من تطبيق الاحكام القانونية، ذات الصفة الامرة، في الاراضي المحتلة.
واتيح لمحكمة نورمبرغ ان تناقش مدى الزام اتفاقيات لاهاي واللوائح الملحقة بها لغير الاطراف، فاعتبرت ان هذه الوثائق الدولية ملزمة لالمانيا بصرف النظر عن شرط المشاركة العامة المنصوص عليه في المادة الثانية من اتفاقية لاهاي للعام 1907. وبذلك تكون المحكمة قد اكدت الصفة الامرة للوائح لاهاي، بالنسبة الى كل الدول، بوصفها عملاً اقرارياً لعرفٍ كان مستقراً قبل وضع اللوائح، وليس عملاً منشئاً لقواعد جديدة. ولهذا فمن شأنها ان تطبق على كل الدول، لا فرق في ذلك بين دول اطراف او غير اطراف.
وايد القضاء الوطني هذا الاتجاه، فقررت محكمة الاستئناف اليونانية، في قضية تتعلق بالاحتلال البلغاري لليونان، اثناء الحرب العالمية الثانية، ان سلطات الاحتلال ملزمة بتطبيق المبادىء التي وردت في لوائح لاهاي في الاراضي المحتلة، وان القواعد التي تضمنتها اتفاقيات لاهاي تمثل مبادىء القانون العرفي الدولي الملزمة لكل الدول، وان لم تكن اطرافاً فيها، كما كان الحال بالنسبة الى اليونان.
ولو تأملنا اتفاقية جنيف الرابعة لوجدنا انها من نوع المعاهدات الجماعية التي تتسم بصفة عالمية، وتشبه الى حد كبير الميثاق الأممي الملزم لكل دول العالم، بما فيها الدول غير الاطراف في الميثاق. الا تنص الفقرة السادسة من المادة الثانية منه على ان الامم المتحدة تعمل على ان تسير الدول غير الاعضاء فيها على المبادىء التي تضمنها الميثاق؟ اليست حماية الاجيال من ويلات الحروب، وحماية حقوق الانسان وحرياته، وتحريم اللجوء الى القوة او التهديد بها من هذه المبادىء؟ وهل ترمي اتفاقية جنيف الرابعة الى تأمين شيء آخر غير حماية هذه الحقوق؟ .
ان المبدأ الذي جاءت به الفقرة السادسة المذكورة "يعكس مرحلة من تطور المجتمع الدولي لم تعد فيها المصادر التقليدية للقانون الدولي بقادرة على وضع القواعد الكفيلة بالحفاظ على السلام الدولي وحمايته، في كل المواقف والاحوال، وفي كل جوانب المعمورة، تحقيقاً للأمن والاستقرار في هذا المجتمع. فمن الطبيعي، اذن، الا يظهر اساس هذا المبدأ في هذه المصادر. ومن الطبيعي ايضاً ان يتعين البحث عن هذا الاساس في التحول الثوري الذي طرأ على اساليب انتاج القواعد القانونية في النظام الدولي". واذا كانت الامم المتحدة تستمد اختصاصها التشريعي من كونها الهيئة التي اقامتها الغالبية الكبرى للمجتمع الدولي للمحافظة على السلام والامن، ومن كونها المركز الذي ينظم وينسق الجهود اللازمة لادراك هذه المقاصد، فقد "اصبح لارادة اغلبية المجتمع الدولي، في المرحلة الحاضرة من تطور القانون الدولي، القدرة على احداث الاثر القانوني ليبس فقط بين اطراف هذه الارادة، بل حتى تجاه اولئك الذين لم يشاركوا في تكوينها" .
وبالاضافة الى هذه الحجة فقد صدقت الغالبية الساحقة من دول العالم على اتفاقية جنيف الرابعة، وادخلتها في صلب تشريعاتها الداخلية. واشارت معظم القرارات الصادرة عن اجهزة الامم المتحدة الى الاتفاقية ونادت بضرورة التزام الدول بقواعدها. بل ان الفقرة الاخيرة من المادة (158) منها تنص على ان انسحاب الدولة من الاتفاقية لا يعفيها من الالتزامات التي تترتب على اطراف النزاع بموجب مبادىء قانون الشعوب، المستمدة من العادات التي استقرت بين الشعوب المتمدنة ومن قوانين الانسانية ومتطلبات الضمير العام.
ومجموعة المبادىء والقواعد الاساسية التي يخضها لها الاحتلال الحربي والتي تحددها الاتفاقية الرابعة هي التي تعنينا هنا. ويمكننا تلخيصها بالامور التالية:
1 - الاحتلال وضع مؤقت ليس له صفة الدوام وليس له أي تأثير في استمرار وجود الدولة.
2 - الاحتلال لا يؤدي، من الناحية القانونية، الى نقل السيادة من دولة الى اخرى، أي انه لا يكسب دولة الاحتلال حق السيادة على الاقليم المحتل، لان السيادة تبقى كامنة في السكان الذي يحق لهم، خلال فترة الاحتلال، رفض الغزو واللجوء الى المقاومة.
3 - الاحتلال لا يخول دولة الاحتلال الا صلاحية ممارسة سلطة فعلية واقعية تستهدف حفظ السلام والامن في الاقليم المحتل وتسيير شؤون سكانه.
4 - قانون الاحتلال الحربي هو الذي يحدد الاطار التشريعي والاجرائي الذي يحق لسلطة الاحتلال ان تتحرك ضمنه. وكل تغيير تدخله هذه السلطة على شؤون الاقليم يجب ان يتم في اضيق نطاق ويقتصر على مواجهة متطلبات الحياة اليومية للسكان.
و"اسرائيل"، كدولة احتلال في لبنان، قد تمادت في خرقها لكل هذه المبادىء، مما دفع فئة من اللبنانيين الى حمل السلاح لطردها من ارضهم.
2 - انوع المقاومة المسلحة
لمقاومة المسلحة على انواع. وقد حاولت بعض الاتفاقيات الدولية اخضاع ممارستها لشروط محددة. وعندما اتسعت رقعتها بعد الحرب العالمية الثانية ازداد الاهتمام بأمرها في المحافل الدولية، كما ازدادت الرغبة في تنظيم ممارستها واضفاء الصفة القانونية على رجالها.
في الماضي كانت القواعد التقليدية لقانون الحرب تميز بين فئتين من الناس : المحاربين الذين تتكون منهم القوات المسلحة للدولة، وغير المحاربين الذين يمثلون السكان المدنيين.
واثير آنذاك خلاف حول الاعتراف بصفة المحارب للمقاتلين غير النظاميين، وذلك في حالتين:
الاولى تتعلق بـ"هبّة الشعب" في وجه العدو Levee` en masse . ولهذا التعبير معنيان: فهو قد يعني انتفاضة السكان في وجه العدو الغازي، بناءً على دعوة من حكومتهم، وانضمامهم الى التنظيمات العسكرية التي تنشئها الحكومة للدفاع عن الوطن. وهو قد يعني قيام السكان تلقائياً بحمل السلاح والتصدي للغازي.
والمادة الثانية من اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي تقرر اضفاء صفة المحاربين على السكان الذين يندفعون في مقاومة المعتدي دون ان يكون لديهم الوقت لتنظيم صفوفهم. الا ان المادة تشترط عليهم للافادة من صفة المحارب: ان يحملوا السلاح علناً، وان يحترموا قوانين الحرب وعاداتها، وان لا يكون الاقليم قد احتل بعد.
والحالة الثانية تتعلق بـ "فصائل المتطوعين" او "قوات التحرير" التي تسمى بالفرنسية Corps Francs او القناصة. وهي تتكون من افراد يشتركون طوعاً في العمليات الحربية دون ان يكونوا اعضاء في اية وحدة من وحدات الجيش النظامي. ووضع هؤلاء الافراد ما زال غير محدد، والفقه الدولي ما زال منقسماً بصددهم.
والمادة الاولى من اللائحة الملحقة بالاتفاقية الرابعة للعام 1907 تمنح افراد الميليشيات والمتطوعين صفة المحارب النظامي، اذا توافرت فيهم الشروط الاربعة التالية:
- ان يكونوا تحت امرة شخص مسؤول.
- ان يحملوا علامة مميزة ثابتة يمكن تبينها عن بعد.
- ان يحملوا السلاح علناً.
- ان يراعوا في عملياتهم قوانين الحرب واعراقها.
- وفصائل المتطوعين تتكون عادة من رعايا الدولة المحاربة. ولكن ليس هناك ما يحول دون انضمام متطوعين من رعايا دول اخرى اليهم. وفي هذه الحالة تطبق عليهم، كما تطبق على الاخرين، قواعد الحرب، فيعاملون معاملة الاسرى اذا وقعوا في قبضة العدو.
وفي الحرب العالمية الثانية، ومن خلال عمليات التصدي للقوات المحتلة، برزت ظاهرتان:
الاولى هي ظاهرة القوات الحرة Forces Libres . ففي العام 1940، وافقت حكومات اوروبية، بعد هزائمها العسكرية امام الجيوش النازية المعتدية، على ايقاف العمليات الحربية. غير ان عناصر وطنية رفضت الرضوخ لهذا الامر وقررت متابعة الكفاح المسلح. وهذا ما اقدمت عليه "القوات الفرنسية الحرة" التي كانت بقيادة الجنرال ديغول. وقد ساوى الاجتهاد الفرنسي بين افراد هذه القوات وبين المحاربين النظاميين.
والثانية هي ظاهرة حركات المقاومة. فقد تميزت الحرب العالمية الثانية ايضاً بالدور المهم الذي قام به تجمع "الانصار" في الاراضي التي احتلتها جيوش المحور، ولا سيما في فرنسيا. وفي العام 1939، لم يكن هناك أي تنظيم قانوني يتعلق بهذه الظاهرة. وكانت لائحة لاهاي لا تهتم الا بحركات المقاومة المنظمة، ولا تتضمن شيئاً عن وضع المقاوم الفردي. واستغلت المانيا النازية هذه الثغرة فاعتبرت افراد المقاومة ارهابيين واعدمت كل من وقع منهم في قبضتها.
ولم تحصل "قوات الداخل الفرنسية"، وهي احدى حركات المقاومة، على وضع قانوني الا بعد نزول الحلفاء في الساحل الفرنسي وصدور مرسوم بذلك من "اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني" في 9/6/1944. ولم يتوانَ الاجتهاد الوطني في الدول الاوروبية التي شهدت ظاهرة حركات المقاومة عن اقرار المساواة، بشكل عام ومن حيث النشاط، بين اعضاء هذه الحركات وبين المحاربين النظاميين. وكان الاجتهاد الهولندي واضحاً وصريحاً عندما اكد شرعية حركات المقاومة السرية التي نشطت خلال الاحتلال النازي لهولندا، وعندما اعتبر ان هذه الحركات تشكل "قوة شرعية من المحاربين ضد اعمال المحتل التي كانت تتنافى كلياً مع القانون الدولي" .
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت، من جديد، انواع مختلفة من المقاومة غير النظامية، مارست نشاطها في العديد من دول القارة الافريقية وامريكا اللاتينية، مما دفع البعض الى المطالبة بإدخال التعديلات اللازمة على قوانين الحرب لكي تتمكن من مواكبة التطورات الحديثة في مجال التصدي للمعتدين او المستبدين، وتستوعب اعمال المقاومة في داخل الاراضي المحتلة او خارجها، سواء أتوافرت فيها الشروط الاربعة ام لا.
ولو اجرينا مقارنة سريعة بين احكام اتفاقيات لاهاي واحكام المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب، لوجدنا ان اهم الفروق بينهما تنحصر في الامور التالية:
1 - ان احكام لاهاي اقتصرت على حماية افراد الميليشيات وافراد القوات المتطوعة، أي القوات المقاتلة المرتبطة بالجيوش المحاربة. اما الفقرة الثانية من المادة الرابعة فقد شملت بحمايتها، بالاضافة الى اعضاء الميليشيات والقوات المسلحة ووحدات المتطوعين والعاملين الى جانب القوات المسلحة، اعضاء الميليشيات الاخرى واعضاء وحدات المتطوعين الاخرى، بما فيها حركات المقاومة المنظمة، أي ان الفقرة المذكورة غطت بحمايتها كل اشكال المقاومة، حتى ولو عملت مستقلة عن الجيوش النظامية.
2 - ان احكام لاهاي اسبغت وصف المحاربين على الفئات التي تقاتل خارج الاقليم المحتل. اما احكام المادة الرابعة فقد شملت افراد المقاومة النظامية التي تعمل داخل الاراضي المحتلة او خارجها، بشرط ان تتوافر فيهم الشروط الاربعة.
3 - ان احكام لاهاي لم تخضع كل صور الحرب المادية والمنازعات المسلحة لحكم القانون. اما اتفاقيات جنيف فقد اخضعتها لحكم القانون، سواء اكانت الحرب رسمية ام غير رسمية، مشروعة ام غير مشروعة. واذا كانت هذه الاتفاقيات قد اعترفت بحركات المقاومة المنظمة ومنحتها حقوق القوات المحاربة، فانها اخضعتها، في الوقت ذاته، لاحكام قوانين الحرب.
4 - ان احكام لاهاي وجنيف خولت افراد الشعب الذي يهبون في وجه العدو الاستفادة من وصف المحاربين. وهذا النص يغطي عمليات المقاومة غير المنظمة خارج الاراضي المحتلة. غير ان الاحكام المذكورة لم تتعرض صراحة لوضع افراد المقاومة غير النظامية، او لوضع افراد الشعب الذين يقومون باعمال المقاومة الفردية داخل الاراضي المحتلة. وبعبارة اوضح: انها لم تتعرض لوضع المدنيين الذين يحملون السلاح ضد قوات الاحتلال داخل الاراضي المحتلة. واشتراط توافر شارة مميزة في هؤلاء الافراد امر اثبتت التجارب استحالته نظراً لما يتطلب نجاح عملياتهم من سرية وكتمان .
3 - الجهود الدولية الداعمة لشرعية المقاومة
عندما عقد المؤتمر الدبلوماسي الذي انبثقت عنه اتفاقيات جنيف شعر كثير من المندوبين بصعوبة التوفيق بين امرين: بين اعلان عدم شرعية الحرب او تحريمها من جهة، وبين مطالبة سكان الاقليم المحتل باحترام حقوق دولة الاحتلال والرضوخ لسلطتها وارادتها من جهة اخرى، او بين اعتبار الاحتلال عملاً عدوانياً لا يترتب عليه أي حق او مكسب من جهة، وبين حرمان السكان من حق اللجوء الى أي نوع من انواع الثورة او التمرد على سلطات الاحتلال. ولهذا استند البعض الى حق الشعب في الدفاع عن النفس ضد الاحتلال فتقدم باقتراحات تهدف الى الاعتراف الصريح باعمال المقاومة الفردية، أي المقاومة المنظمة.
ويبدو ان المؤتمر حاول ان يتجاوب ويتعاطف مع هذا الاتجاه حينما اقر في المادة الخامسة من الاتفاقية الخاصة بأسرى الحرب، التي قضت بانه "اذا ما اثير شك حول انتماء الاشخاص الذين يقومون بعمل حربي ويقعون في ايدي العدو الى اية فئة من الفئات التي عددتها المادة الرابعة، فان هؤلاء الاشخاص يتمتعون بالحماية التي تقررها الاتفاقية، بانتظار تحديد وضعهم من قبل محكمة مختصة".
ولكننا نعرف بان هذا النص تشوبه بعض الثغرات، فهو لا يعترف الا بالمقاومة المنظمة، ولا يوفر الحماية الكافية للمقاومة عندما تكون فردية، أي يقوم بها افراد، وعندما تكون غير منظمة. وهو يترك لسلطات الاحتلال، تقريباً، مسألة الفصل في الشبهات والشكوك حول انتماء المقاتلين، ومسألة تعيين المحكمة المختصة للفصل في حقيقة وضعهم. وهو لا يواكب التطورات والتغيرات الحالية التي طرأت على المجتمع الدولي في السنوات الاخيرة، ولا يسعى لاستيعاب ظاهرة المقاومة المسلحة التي انتشرت في كل ارجاء الدنيا وكان لها اثر بارز في اهتزاز الانظمة السياسية وتوتر العلاقات الدولية. وهو، اخيراً، لا يتفق ولا يتفاعل مع الاتجاهات والمواقف الحديثة التي جسدتها الممارسة الدولية وعبر عنها الفقه او الاجتهاد الدولي. وكلها تدعو الى ايجاد صيغة عادلة لتأمين الاعتراف الدولي باعمال المقاومة، المنظمة وغير المنظمة.
وتجاوباً مع الرغبات التي اعرب عنها المؤتمر الدولي لحقوق الانسان، المنعقد في طهران في العام 1968، اصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 19/12/1968، قراراً، رقم 2444، دعت فيه الامين العام الى التشاور مع اللجنة الدولية للصليب الاحمر والهيئات الدولية المختصة الاخرى لدراسة التدابير التي يمكن اتخاذها لضمان تطبيق افضل للاتفاقيات والقواد الدولية ذات الطابع الانساني، والتي يعمل بها خلال المنازعات المسلحة. كما دعته الى الاهتمام بوضع اتفاقيات دولية جديدة ذات طابع انساني، او وضع وثائق قانونية خاصة، بغية توفير حماية افضل للمدنيين والاسرى والمقاتلين في أي نزاع مسلح.
وفي العام 1970، وبناء على طلب من الجمعية العامة (القرار 2957 للعام 1969)، رفع الامين العام للأمم المتحدة تقريره الثاني الى تلك الجمعية، وعالج فيه مسألة احترام حقوق الانسان ابان المنازعات المسلحة. وناقشت الجمعية هذه المسألة بعمق واصدرت، في 9/12/1970 خمسة قرارات حول الموضوع.
والقرار، رقم 2674، هو الذي يعنينا هنا، ففيه اعادت الجمعية تأكيدها رسمياً وجوب تجنب حروب العدوان والمنازعات المسلحة، وشجبت تصرفات الدول التي ما زالت تشن حروب العدوان، منتهكة بذلك ميثاق الامم المتحدة، ومتحدية مبادىء المواثيق الدولية من امثال بروتوكول جنيف للعام 1925، واتفاقيات جنيف للعام 1949. واعلن القرار ان الدول التي تخرق حرمة هذه المواثيق يجب ان تدان وتعد مسؤولة امام الجماعة الدولية. واكد القرار ايضاً ان الاشخاص الذين يسهمون في حركات المقاومة، وكذلك المناضلين من اجل الحرية، يجب ان يعاملوا، لدى القبض عليهم، كأسرى حرب.
وفي شهري ايار - حزيران (مايو - يونيو) 1971، عقد في جنيف مؤتمر للخبراء الحكوميين حول تطوير القانون الدولي الانساني القابل للتطبيق في المنازعات المسلحة.
وكان التقرير الثالث الذي رفعه الامين العام الى الجمعية العامة يدور، بشكل اساسي، حول اعمال المؤتمر المذكور. وفي 20/12/1971، اصدرت الجمعية قراراً، رقم 2852، دعت فيه الى "ضرورة وضع مبادىء تهدف الى تعزيز حماية الافراد الذين يناضلون ضد السيطرة الاستعمارية والاجنبية، وضد الاحتلال الاجنبي والانظمة العنصرية"، وضرورة "تطوير القواعد المتعلقة بوضع المناضلين ورجال العصابات، وحمايتهم ومعاملتهم اللانسانية، ابان المنازعات المسلحة، الدولية وغير الدولية" .
وكانت الجمعية العامة قد اصدرت، في 24/10/1970، وتحت الرقم 2625، "الاعلان المتعلق بمبادىء القانون الدولي، الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، وفقاً لميثاق الامم المتحدة". وقد جاء فيه ان "على كل دولة ان تمتنع عن اللجوء الى أي تدبير قسري من شأنه ان يحرم الشعوب من حقها في تقرير مصيرها، ومن حريتها واستقلالها. وعندما تنتفض هذه الشعوب وتقاوم، خلال ممارستها حقها في تقرير مصيرها، أي تدبير قسري كهذا، فمن حقها ان تلتمس وتتلقى دعماً يتلاءم مع اهداف الميثاق ومبادئه".
ولو راجعنا مجموعة القرارات الصادرة عن الجمعية العامة لوجدنا ان هناك، منذ العام 1975، نصاً يتكرر سنوياً ويتضمن اعادة تأكيد الجمعية "شرعية كفاح الشعوب في سبيل الاستقلال والسلامة الاقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والاجنبية، ومن التحكم الاجنبي، بكل ما تملك هذه الشعوب من وسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح".
والامر الي يسترعي الانتباه ويثلج الصدر، لدى الاطلاع على هذه القرارات، هو الوتيرة التصاعدية لازدياد عدد الدول الموافقة على هذا النص. ففي العام 1975، حظي بموافقة 99 دولة، ضد دولة واحدة (اسرائيل) وامتناع 18 دولة عن التصويت. وفي العام 1976، ارتفع عدد الموافقين الى 109. وفي العام 1977، وصل الى 113. وفي العام 1980، بلغ 119.
وحذت لجنة حقوق الانسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في الامم المتحدة حذو الجمعية العامة، فتبنت النص ذاته في قراراته الاخيرة .
وهكذا يمكننا ان نعتبر اقرار القانون الدولي العام بحق الشعوب المشروع في الكفاح المسلح وغير المسلح، دفاعاً عن حريتها وسيادتها وتقرير مصيرها، من اعظم الانتصارات والمكاسب التي حققتها هذه الشعوب في معاركها المتواصلة ضد الظلم والاستبداد.
فتاريخ المجتمعات البشرية يمكن تلخيصه بظاهرة الصراع العنيف، والدامي غالباً، بين الشعوب التي تكافح من اجل حقها الطبيعي في المياه الحرة وبين القوى الغاشمة، الداخلية والخارجية، التي تريد استغلال هذه الشعوب وفرض سيطرتها عليها من اجل المآرب الخاصة والابقاء على الامتيازات الطبقية او الفئوية.
غير ان الشعوب، باصرارها على متابعة مسيرة النضال واستعدادها لتحمل كل التضحيات، استطاعت، عبر العصور، ان تنتزع من المستبدين اقراراً بحقها في مقارعة الظلم والعدوان، وان تنتزع من الهيئات الدولية مواثيق واتفاقيات تقر بحقها في تقرير مصيرها واختيار الانظمة التي تلائمها والتصرف بحرية في ثرواتها الطبيعية.
ونستطيع اليوم ان نؤكد ان احكام القانون الدولي العام المعاصر تقر، بشكل عام، بحق كل الشعوب في مقاومة العدوان. وليست شرعية المقاومة الوطنية، او شرعية حرب التحرير، للتخلص من الاحتلال مسألة طارئة فاجأت القانون الدولي، وانما هي مسألة وجدت وطرحت في النصف الثاني من القرن المنصرم، عندما جرت المحاولات الاولى لتقنين قواعد الحرب.
ويأتي في طليعة الوثائق والاتفاقيات والمواثيق التي تكرس او تدعم المبادىء المتعلقة بحق المقاومة ومشروعيتها:
1 - اتفاقيات مؤتمريْ لاهاي
ففي المؤتمرين حاولت الدول الكبرى حصر قانونية الحرب او مشروعيتها بجيوشها النظامية وبالحروب التي تخوضها هي، باعتبار الحرب وسيلة مشروعة من وسائل السياسة للدول ذات السيادة. ولكن الدول الصغيرة، المعرضة دوماً للعدوان والاحتلال، رفضت هذه المحاولة واصرت على ضرورة الاعتراف بمشروعية المقاومة الوطنية وضرورة حمايتها في اية عملية تدوين لقانون الحرب. واضطرت الدول الكبرى الى الرضوخ والاعلان بان تقنين بعض قواعد الحرب واعرافها لا يعني، باي حال من الاحوال، الانتقاص من قانونية وسائل الدفاع الاخرى.
ومع ان الغرض من عقد المؤتمرين كان التخفيف من ويلات الحروب وحماية حقوق الانسان وايجاد الحلول السلمية للمنازعات الدولية، فقد اعترفت الاتفاقيات التي صدرت عنهما بقانونية المقاومة الوطنية ضد العدوان والاحتلال، وقررت لافرادها الحقوق ذاتها المقررة لافراد الجيوش النظامية، والقوات المتطوعة، والشعب الذي يهب في وجه العدو.
وعرفت المادة الثانية من لائحة لاهاي للعام 1907 "الشعب القائم او المنتفض في وجه العدو" بانه مجموعة المواطنين من سكان الاراضي المحتلة، الذين يحملون السلاح ويتقدمون لقتال العدو، سواء اكان ذلك بأمر من حكومتهم، ام بدافع من وطنيتهم او واجبهم. وقررت المادة ان هؤلاء المواطنين المقاتلين يعتبرون في حكم القوات النظامية وتطبق عليهم صفة المحاربين، بشرط توافر شرطين فيهم: حمل السلاح علناً والتقيد بقوانين الحرب واعرافها.
وجرى العرف حتى نهاية الحرب العالمية الاولى على اعتبار "القوات المتطوعة" و"الشعب المنتفض في وجه العدو" حركات مقاومة شعبية منظمة يستحق افرادها حمل صفة المحاربين. وقد سار الفقه الدولي في هذا الاتجاه.
2 - ميثاق الامم المتحدة
لم يكتفِ هذا الميثاق بتحريم الحرب وتحريم استخدام القوة، بل ذهب، في الفقرة الرابعة من المادة الثانية، الى ابعد من ذلك فحرم مجرد التهديد باستخدامها. وبذلك تكون الامم المتحدة قد الغت مبدأ الحرب القانونية من القانون الدولي واعتبرت كل حرب هجومية حرباً عدوانية.
ولم يسمح الميثاق بالحرب الا في حالة الدفاع المشروع عن النفس، وضمن قيود معينة. واعتبرت المادة (51) فيه ان للدول، افرادياً وجماعياً، حقاً طبيعياً في الدفاع عن نفسها اذا ما تعرضت لعدوان مسلح.
وعلى الرغم من هذا الانجاز العظيم فقد اصرت الدول الاستعمارية على تفسير حق الدفاع عن النفس بشكل مغالط للواقع، فادعت انه يقتصر على الدول فقط دون الشعوب، ورفضت بالتالي مبدأ حروب التحرير، وحروب العصابات، وحركات المقاومة الشعبية.
غير ان معظم الفقهاء يرون ان هذا المنطق مرفوض بحكم الواقع الدولي والانساني. فالدول الصغيرة او الناشئة لا تقوى على مواجهة عدوان الدول الكبرى بحروب نظامية وفي جبهات تقليدية. ان تفوق الكبار في السلاح يضطرها الى ممارسة حقها في الدفاع المشروع عن طريق المقاومة بمختلف اشكالها، وفي طليعة ذلك المقاومة الشعبية وحرب العصابات. وقد مارست شعوب اوروبية هذا الاسلوب ضد العدوان النازي والفاشي دون ان تعتبر مقاومتها عملاً مخالفاً للمبدأ المقرر في المادة (51).
لقد انهارت الانظمة الحاكمة امام الاجتياح النازي، فنهض الشعب او قسم منه وحل محل الحكومات في ممارسة حق الدفاع عن الارض والاستقلال. وكانت المقاومة الشعبية هي الشكل المعتمد والسائد. وابلت المقاومة بلاءً حسناً، وكان لها الفضل الاكبر في انهاك العدو قبل سحقه .
واعترفت الدول الكبرى بشرعية هذه المقاومة، وتعاملت معها كممثل شرعي لشعوبها، وامدتها بالمال والسلاح، وسمحت لها بافتتاح مكاتب رسمية ومراكز تدريب في اراضيها. فالولايات المتحدة، مثلاً، لم تتوانَ عن دعم مختلف حركات المقاومة مادياً ومعنوياً. وكان تأييدها للمقاومة الفرنسية كبيراً.
والحقيقة ان كل انواع المقاومة في اوروبا حظيت بعطف الولايات المتحدة وتشجيعها. ففي شهر آب (اغسطس) 1943، اعترفت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا بالمقاومة الفرنسية. وفي كانون الثاني (يناير) 1942، اصدر وزير الخارجية الامريكية تصريحاً ايد فيه المقاومة الالبانية ضد الاحتلال الايطالي واعلن "ان جهود فرق المقاومة المختلفة التي تعمل في البانيا ضد العدو المشترك تثير الاعجاب والتقدير". واعترفت معاهدة السلام مع ايطاليا، في العام 1947ن بالمقاومة الايطالية. واذا كانت مختلف الفلسفات القانونية تكرس حق الشعب في ان ينتفض ضد حكومته، فالمنطق يقود، من باب اولى، الى الاعتراف بحقه في الثورة على قوة غريبة تحتل ارضه .
3 - الاتقاقيات الدولية حول حقوق الانسان والشعوب.
انها كثيرة، واشهرها واهمها: الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الصادر في العام 1948 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهو يعتبر، في ديباجته، انه من الضروري ان يتولى نظام قانوني حماية حقوق الانسان، لئلا يضطر المرء، في نهاية الامر، الى التمرد على القهر والطغيان.
والى جانب (الاعلان) هناك اتفاقيتان صدرتا في العام 1966، الاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية للانسان.
وتطبيقاً لمبادىء حقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، اقرت الجمعية العامة في 14/12/1960 (قرار رقم 1514) "الاعلان الخاص بمنح الاستقلال للاقطار والشعوب المستعمرة". وقد جاء فيه "ان اخضاع الشعوب للاستعباد الاجنبي والسيطرة الاجنبية والاستغلال الاجنبي يشكل انكاراً لحقوق الانسان الاساسية، ويناقض ميثاق الامم المتحدة، ويعرض السلام والتعاون العالميين للخطر"، و"ان كل محاولة تستهدف، جزئياً او كلياً، تقويض الوحدة الوطنية والسلامة الاقليمية لقطر ما، تتعارض مع مقاصد ميثاق الامم المتحدة ومبادئه".
4 - تعريف العدوان
في 14/12/1974، اصدرت الجمعية العامة، بعد طول انتظار، قراراً بتعريف العدوان، فعرفت المادة الاولى منه العدوان بانه "استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة اخرى، او ضد سلامتها الاقليمية، او ضد استقلالها السياسي…".
وحددت المادة الثالثة الاعمال التي تشكل عدواناً، ومنها: الاجتياح والاحتلال الحربي وقصف الاقليم وحصار المرافىء والسواحل. ونصت المادة السابعة على انه ليس في التعريف ما يمكن ان يمس حق الحرية والاستقلال وتقرير المصير الذي تتمتع به الشعوب، وما يمكن ان يجحف بحقها في ان تكافح من اجل هذا الهدف وفي التماس الدعم وتلقيه من الغير.
والعدوان، حسب المادة الخامسة، لا يمكن ان يبرر بأي اعتبار، سواء اكان سياسياً، ام اقتصادياً، ام عسكرياً، لان حرب العدوان جريمة ضد السلام العالمي تترتب عليها مسؤولية دولية. وكل المكاسب والمزايا الناتجة عن العدوان لا يمكن ان تعتبر مشروعة، ولا يمكن الاعتراف بآثارها.
5 - اتفاقيات جنيف للعام 1949
لقد اصرت الدول الاستعماري، عند وضع هذه الاتفاقيات، على ايراد عبارة "حركات المقاومة المنظمة"، بغية تضييق الخناق على الثورات المسلحة ضد سلطات الاحتلال. ولكن الواقع يثبت لنا انتفاء وجود مقاومة مسلحة يمكن ان يتوافر فيها شرط التجمع والتنظيم في ظل الاحتلال، الى جانب الشروط الاربعة. وان حصل ذلك كان مصيرها الضعف والتفكك.
ان حركات المقاومة هي، عادة، تنظيمات سرية لا تحمل شارة مميزة ولا تظهر بزي عسكري. ثم ان حمل السلاح علناً لم يعد امراً معقولاً او عملياً في الحروب الحديثة. ان رجال المقاومة لا يهرون بسلاحهم الا في لحظات القتال.
ولهذا وجد الكثيرون ان الشرطين المتعلقين بالشارة المميزة وكيفية حمل السلاح يشكلان قيدين يصعب التقيد بهما، وان التشديد على الشروط جميعاً يؤدي "الى حرمان الكثير من حركات المقاومة في العالم من صفتها هذه، وذلك لتناقض احكام الاتفاقيات الدولية في الكثير من زواياها مع متطلبات العمل الفدائي التي تستند الى السرية والمفاجأة، ومع طبيعة الحرب الحديثة التي تعتمد على السرعة وانواع الاسلحة المتطورة تقنياً. وقد تفهمت المحاكم المنشأة بعد الحرب العالمية الثانية هذه الصعوبات، فاتخذت موقفاً ليناً تجاه حركات المقاومة التي لم تلتزم كلياً بشروط انظمة لاهاي، المطابقة لشروط اتقاقية جنيف. وقالت المحاكم بوجوب معاملة رجال المقاومة المقبوض عليهم كأسرى حرب حتى لو ثبت في المحاكمة انهم غير جديرين بصفة المحاربين القانونيين" .
ومع ان معظم الفقهاء لم يجدوا في اتفاقيات جنيف نصاً صريحاً يحول دون لجوء سكان الاراضي المحتلة الى اعلان الثورة المسلحة او العصيان المدني على سلطات الاحتلال، ومع ان بعضهم قرر، بصراحة تامة، ان حروب العصابات وحركات المقاومة التي يقوم بها الشعب المحتل للدفاع عن وطنه وحريته هي حروب مشروعة يحميها القانون الدولي ، فان الموقف من حركات المقاومة غير النظامية والثورات التلقائية العامة ضد المحتلين ما زال غير موحد.
والسبب يعود الى موقف الكبار من شرعية المقاومة. فهذا الموقف ما زال خاضعاً لمصالحهم وتباين اوضاعهم. فالدولة الكبرى تؤيد فكرة الشرعية عندما تكون رازحة تحت الاحتلال، وترفضها عندما تصبح دولة احتلال.
فبريطانيا كانت خصماً للمقاومة الشعبية في حرب البوير في جنوب افريقيا. والولايات المتحدة كانت كذلك خصماً لها في الحرب الاهلية الامريكية. الا ان الدولتين اصبحتا من المؤيدين والمساعدين لحركات المقاومة ضد الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية.
وبقيت المانيا النازية حتى نهاية الحرب من الد اعداء المقاومة. ولم يتورع قادتها عن اصدار التعليمات الصريحة القاضية بتصفية افراد المقاومة بلا رحمة. ولكن المانيا اضطرت، تحت وطأة الظروف القاسية وبدافع من المصلحة الذاتية. الى تغيير موقفها من فكرة المقاومة عندما دخلت جيوش الحلفاء اراضيها في العام 1945 كقوات احتلال، فقد اصدرت آنذاك تعليمات الى جميع مواطنيها دعتهم فيها الى وجوب مقاومة العدو في الاراضي الالمانية، المحتلة وغير المحتلة.
وبالاضافة الى كل ما ذكرنا ينبغي لنا الا ننسى موقف الجمعية العامة من حركات التحرير الوطني في العالم، فقد استطاعت هذه الجمعية ان تكرس وجود هذه الحركات وترفع من شأنها ومكانتها بمنحها صفة العضو المراقب.
والخلاصة ان سكان الاراضي المحتلة اصبحوا يجدون في الوثائق والمواقف الدولية ما يبرر لجوءهم الى حمل السلاح للدفاع عن الشرف والنفس والارض. ولكن الاعتماد على القوانين والمواثيق فقط لا يكفي. ونحن، على الرغم من اعتزازنا بالانجازات الانسانية الباهرة التي حققها القانون الدولي المعاصر في مجال توفير الحماية لرجال المقاومة، ما زلنا نعتقد ان المقاومة اللبناني لا يقاتل قوات الاحتلال لان القانون بجانبه، او لان اتفاقيات جنيف قادرة على حمايته، بل لانه تعلم، من تجارب امته وتجارب الامم الاخرى، ان باب الحرية والكرامة لا يدق الا بأيدٍ مضرجة بالدماء.
الدكتور محمد المجذوب (الرئيس السابق للجامعة اللبنانية والنائب السابق لرئيس المجلس الدستوري).