الابعاد الدولية لقضية الجنوب
محمد علي مقلد
باحث وكاتب لبناني
مقدمة
اين تقع قضية الجنوب على المستوى الدولي؟
وقبل ذلك، ما هي قضية الجنوب؟ ماذا تمثل؟ ما هو مضمونها؟ وابعادها؟ كيف تطورت؟ ما هي عناصرها؟ من هم اطراف الصراع حولها؟.. تلك هي الاسئلة التي تزدحم، وتصبح كثيرة الكثافة، وتتشعب في اروقة الامم المتحدة، في السفارات والسلك الدبلوماسي، وتلك هي الاسئلة نفسها التي تفرخ مقاتلين ومناضلين ومتظاهرين، وهي نفسها التي تجعل من جزء صغير من بلد صغير، مسالة تحرق بنارها اذيال الصراع الدائر اليوم في اتون ازمة الشرق الاوسط وفي العالم.
ان التميز في قضية الجنوب، في قضية انتهائه الى الوطن كان حصيلة مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبشرية والطائفية، ومن الواضح جدا ان هذه العوامل لم تكن مقطوعة الاسباب، ولا محدودة النتائج.
اما العامل الاول فهو مرتبط بالمشروع الصهيوني الاساسي الذي يعتبر ارض الجنوب جزءا من ارض الميعاد، وينطلق في مخططه لبناء الدولة الصهيونية على مشارف مصادر المياه، وان اختلفت الوثائق والتصريحات الصهيونية على حدود الليطاني الجنوبية واكثره حدود صيدا خاضع لاستهدافات المشروع الصهيوني العنصري الواردة منطلقاتها في التوراة: "كل مكان تدوسه بطون اقدامكم يكون لكم من البرية ولبنان".
"سفر التثنية"
"كل موضع تدوسه بطون اقدامكم، لكم اعطيه كما كلمت موسى، من البرية ولبنان الى النهر الكبير، نهر الفرات، جميع ارض الحثيين والى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم".
"سفر يوشع"
وغير ذلك من الشواهد كثير، يستخدمها الصهاينة ويستندون اليها ويعتبرونها وصية الهية، ويعتبرون الارض حقا الهيا عبر عنه تيودور هيرتزل بوضوح عندما قال:
"سنطلب من الارض ما نحتاج اليه، وتزداد المساحة المطلوبة بازدياد المهاجرين" كما ان هربرت صموئيل قد طالب في عام 1918 بان تشمل الحدود اليهودية الشمالية الضفة الشمالية لنهر الليطاني وتصل حتى راشيا. وعلى عتبة الكنيست "الاسرائيلي" كتب عبارة: "حدودك يا "اسرائيل" من الفرات الى النيل" وفي عام 48 نال جنوب لبنان ما ناله في اجتياح عام 1978 حيث دخل الصهاينة ايضا حتى مشارف الليطاني واستمر احتلالهم ستة اشهر وفرض عليهم الوضع الدولي الانسحاب بعد ان ارتكبوا مجازر شبيهة بمجازرهم في اجتياح 78 وكان اكبر هذه المجازر تلك التي وقعت في بلدة حولا حيث سقط اكثر من سبعين ضحية معظمهم من الشيوخ والنساء. ولم ينسحب الصهاينة بشكل كلي بل احتفظوا باراض واسعة من جنوب لبنان وبعشرات القرى والمزارع.
ان الاطماع الصهيونية في الارض والمياه هي مسألة ليست بحاجة الى اثبات، وحولها الكثير الكثير من الادلة والنصوص والحوادث التي تؤكدها.
على اهمية هذا الجانب الذي يحتاج بدوره الى دراسات مستقلة توفر الكثير منها، فان ما يعنينا هو الموقع العملي لجنوب لبنان في مشروع الصهيونية وليس موقعه في النصوص، والموقع العملي محدد اصلا في السياسة الاستعمارية التي قد تكون اتخذت من التوراة ذريعة ومبررا وعاملا مساعدا من اجل اقامة الدولة الصهيونية، لكن الاساس في اقامة هذه الدولة هو المستوى الذي وصل اليه النهج الامبريالي في التعامل مع شعوب العالم الثالث، ذلك النهج الذي دفع العالم العربي جزءا كبيرا من ثمنه فكان لفلسطين ان تقدم الدفعة الاولى من هذا الثمن وعلى العالم العربي ان يتابع دفع الثمن بالتقسيط. والجنوب اللبناني يحتل في هذا السياق أهمية لان تنفيذ النهج الامبريالي وقف ليختصر في الجنوب الحلقات التالية من المخطط، بل ليوضح، اليوم، بواسطة الجنوب، الابعاد العلنية لهذا المخطط، فبدت من الناحية العكسية الجوانب الدولية لقضية الجنوب باكثر ما تكون وضوحا. لقد جاء في توجيهات المؤتمر الذي دعا اليه باترمان رئيس وزراء بريطانيا، عام 1907، وضم ممثلي الدولة الاستعمارية: (بريطانيا - فرنسا - بلجيكا - هولندا - البرتغال - ايطاليا - اسبانيا) ان "البحر المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، لانه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب، والممر الطبيعي الى القارتين الاسيوية والافريقية، وملتقى طرق العالم… ويكمن الخطر المهدد للعالم في هذا البحر. ففي حوضه مهد الاديان والحضارات، وعلى شواطئه الجنوبية والشرقية يعيش شعب واحد، تتوافر له من وحدة تاريخه ودينه ولغته واماله كل مقومات التجمع والترابط والاتحاد، وتتوافر له في ثرواته الطبيعية وكثرة تناسله كل اسباب القوة والتحرر والنهوض "ويمكن الخطر على كيان الامبراطوريات الاستعمارية في تحرر هذه المنطقة وتثقيف شعوبها وتطويرها، وتوحيد اتجاهاتها بتجمعها واتحادها حول عقيدة واحدة. ولذا فان على الدول ذات المصالح المشتركة ان تعمل على استمرار وضع هذه المنطقة المجزأ والمتأخر، وعلى ابقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وجهل وتأخر.. وان تعمل على ضرورة فصل الجزء الافريقي من هذه المنطقة عن جزئها الاسيوي، عن طريق اقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط اسيا بافريقيا، ويربطهما معا بالبحر المتوسط، بحيث تقوم في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة".
اذن بقوة الاستعمار قامت "اسرائيل" لا بقوة النصوص التوراتية. وعلى اساس ذلك نحاكم الاطماع الصهيونية في جنوب لبنان على انها استمدت قوتها من موقع السيطرة الاستعمارية خلال فترة الانتداب، ومن اتفاق الدول المستعمرة يومذاك فيما سمي اتفاقية سايكس - بيكو، وهي حتى الان تستمد قوتها من واقع السيطرة الامبريالية نفسها، وتستمر الصهيونية حية بمساعدات الإمبريالية الاميركية بشكل خاص مالا وسلاحا واقتصادا.. الخ. وبالتالي فان محاكمة هذا الجانب من قضية الجنوب، جانب الأطماع الصهيونية في الارض، والمياه، يدفعنا دون أي لبس او ابهام الى وضع قضية الجنوب، في موضع اية قضية للتحرر الوطني من الاستعمار وللنضال ضد الامبريالية. ان علاقة التناقض والصراع مع "اسرائيل" هي علاقة صراع وتناقض مع الامبريالية نفسها.
اننا لا نضخم قضية الجنوب ولا نبالغ في تصوير ابعادها، ذلك انها نموذج ورمز تختصر ولا تلغي، انها قضية ترتبط بآبار النفط وبمصيرها وبالتالي بمصير هذا العصب الحيوي الذي تستخدمه الامبريالية اليوم لتحاربنا به، ونحن اجدر باستخدامه ضدها. فهل نصل؟!
ان لوحة صغيرة عن اثار الاعتداءات "الاسرائيلية" على الجنوب ترينا كم تولي الصهيونية من الاهمية وكم تستخدم من الوسائل والامكانات لانها تنطلق من اهمية الجنوب. في خارطة الصراع العربي "الاسرائيلي". لقد لجأت "اسرائيل" الى كافة اشكال التهجير والترويع، كما لجأت الى الاحتلال، وارتكبت المجازر، وقصفت المدنيين والآمنين والآثار والمؤسسات والمدارس والمستشفيات، وطال التدمير عشرات القرى، واضافت الى جرائمها ومجازرها في فلسطين مجازر اخرى في حولا والخيام والعباسية وكونين، إضافة الى تشريد الشعب الفلسطيني تشريد ثلثي اهل الجنوب.. الخ. اليس مستغرب ان تكون الى الحرب التي تستخدمها هي آلة الحرب نفسها التي استخدمت ضد فيتنام، وشعوب افريقيا والسلفادور وفي السابق ضد شعب تشيلي، كما ليس مستغربا بان تنقسم الموقف على المستوى العالمي بين مؤيد "لاسرائيل" ومعارض لها، ذلك ان "اسرائيل" هي جزء عضوي من التحالف الامبريالي الرجعي على المستوى العالمي، كما ان قضية الجنوب هي جزء من قضايا التحرر في العالم. وبالتالي فان القوى الناهضة بقضية الجنوب والمتمسكة بها هي جزء من قوى التحرر في العالم، وعلى هذا الاساس تبني القوى الشعبية اللبنانية شبكة علاقاتها التحالفية على اساس وحدة القوى الشعبية والديمقراطية في لبنان وفي العالم العربي.
ان الاهتمام العالمي بقضية الجنوب، على تنوعه وتعدده، يبرز الابعاد الدولية لهذه القضية، وفي هذا المجال لا يمكن التعرف على المواقف من خلال التصريحات والقرارات فحسب، بل من الموقع الفعلي للقوى والدول والانظمة. لان التصريحات هي تعبير عن هذا الموقع، وقد تكون اللغة الدبلوماسية اداة لاخفاء المواقف الحقيقية او لتزيينها، ولان القرارات الدولية هي تعبير عن موازين القوى اذ ذاك يبقى القرار الفعلي هو قرار المواقع المتصارعة التي تناط بها مسؤولية تحديد مسار الصراع ونتائجه.
لقد عقدت مؤتمرات عديدة بحثت فيها قضية الجنوب كان منها مؤتمر الرياض، وقمة القاهرة، ومؤتمر بيت الدين، وقمة بغداد وقمة تونس، ومؤتمر وزراء العمل العرب، وعقدت على المستوى العالمي مؤتمرات عدة منها مؤتمر الدول المشاركة في القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، وقمة البندقية لرؤساء دول السوق الاوروبية المشتركة، ويوم صور في باريس، ومؤتمر باريس العالمي للتضامن مع الشعب اللبناني، كما اعلنت مؤسسات دولية عديدة من مواقف رسمية وعملية منها مواقف الامين العام السابق للامم المتحدة الدكتور فالدهايم، ومواقف الفاتيكان، ومواقف دول عدم الانحياز، والاتحاد الدولي للبرلمانيين، ومجلس السلم العالمي، ومجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الاوسط، والمؤتمر الاسلامي.. الخ. هذا بالإضافة الى الاجتماعات العديدة لمجلس الامن الدولي وللقرارات المتعددة ذات الأرقام 270/ 1969 و 279/ 1970 و 280/1972 و 285/1970 و 313/1972 و 316/1972 317/1972 و 332/1973 و 337/1977 و 347/1973… والقرارات 425/1978 و 426/1978 و 427/1978 و 444/1979 و 450/1979 و 467/1980 و 474/1980.
ان مجموعة المواقف المتخذة بقرارات صادرة عن المؤتمرات والهيئات والشخصيات تفصح عبر اللغة الدبلوماسية عن ادانة دائمة وشجب مستمر للقرصنة "الاسرائيلية" المتواصلة على الجنوب اللبناني وتبقى كافة القرارات خاضعة في نهاية الامر لميزان القوى حيث يناط به بالذات امر تنفيذ هذه القرارات وهنا ينبغي الاشارة الى ان ميزان القوة على المستوى العالمي يلعب دوره ويترك تأثيره وقد يكون احيانا كبير التأثير والدور لكن مواقع القوة التي تحسم الامور هي تلك المواقع المحلية على ان موازين القوة الخارجية والداخلية في علاقة جدلية يتأثر احدهما بالاخر ويؤثر فيه. وعلى اساس ذلك يمكن تسجيل الملاحظة التالية:
ان القوة العسكرية "الاسرائيلية" هي قوة كاسحة في منطقة الشرق الاوسط وبامكانها، معزولة عن الظروف الدولية، ان تجتاح الجنوب وان توسع احتلالها الى حدود بعيدة لكن الميزان الدولي السياسي والعسكري شكل حاجزا كبيرا في وجه التمادي العسكري "الاسرائيلي" وقد شكل انسحابها من جزء من الجنوب والشكلي من جزء اخر سابقة جديدة حيث بدت "اسرائيل" بفضل المقاومة، عاجزة عن استيعاب هذه الارض الجديدة داخل مناطق احتلالها.
تبرز صحة هذه الملاحظة واشكالها التطبيقية من خلال مسألتين في الصراع الحالي في الشرق الاوسط وفي الجنوب بشكل خاص: المسألة الاولى هي انعكاسات اتفاقات التسوية والثانية هي مسألة التحالفات.
اننا في مرحلة يتجه الصراع فيها الى مستوى اكثر حدة واكثر جذرية، مرحلة تتجاوز فيها ازمة الشرق الاوسط اشكال التردد والميوعة، وتتجاوز الحلول الوسط باتجاه خيارات صعبة يقودنا اليها منطق الصراع وموازين القوة على المستوى العالمي حيث يصبح من الطبيعي ان تستخدم الامبريالية كل ما تملك من إمكانات من اجل المحافظة على مناطق نفوذها.
انها، اذن، قضية تحرر وطني واجتماعي. تحرر من الاستعمار، والعدوان "الاسرائيلي" وتحرر من الاستغلال الاجتماعي الداخلي.
اما المضمون فهو يتجه بالنضال ضد الوجود الصهيوني العنصري في "اسرائيل" ولا نقاش في ان الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع مباشر مع الإمبريالية العالمية والاميركية بشكل خاص… ونكاد لا نبالغ اذا قلنا ان مصلحة اميركا في بقاء "اسرائيل" هي من مصلحة "اسرائيل" نفسها، هذا اذا تركنا جانبا المسألة الدينية التوراتية واستندنا الى تقييم المصالح المادية المباشرة. وبهذا المنحى تمثل "اسرائيل" اداة بيد الاحتكارات الامبريالية العالمية ومنها الاحتكارات الصهيونية نفسها ذات الموقع والتأثير المميز في شبكة الاحتكارات العالمية. ولا نبالغ اذا قلنا ايضا ان "اسرائيل" كدور، لا ككيان، موجودة في اكثر من مكان في العالم.
وبالتالي فان النضال ضد الصهيونية يستهدف في جانب منه تحرير التراب المغتصب ويستهدف في جانبه الاهم القضاء على دركي الامبريالية واداة قمعها وهنا بالذات يكمن الدور العالمي والتاريخي الذي يلعبه الجنوب على خارطة الصراع.